تسلل

قصة: محمد عطية محمود
لا يا خواجة

بخطوات زاحفة بطيئة، عبر الشارع، مخترقاً سكون ميدان "محطة الرمل" الضحوي. يعتمر طاقية تلتصق بمنتصف شعر رأسه المنسدل حتى كتفيه مضفوراً من جانبيه، بينما تتوارى عينان حادتان رماديتان خلف نظارة ترتكز على أرنبة أنفه الأحمر الأعقف تنطلق منها نظرة خفيفة محاذرة.
ترتفع على مضض، لترقب الطرف الآخر من الميدان المقابل لكورنيش البحر، بظهر شبه محني رغماً عن ملامحه التي تشير إلى عدم تخطيه لعقده الرابع.
توقف مستنداً بكتفه المشجوبة عليها حمالة شنطة "هاندباج" منفوخة، بجوار إحدى كبائن الهاتف التي تصطف على جانب ساحة الميدان.
تختفي يمينه في جيب سترته الرمادية، المتهدلة فوق قميص قرمزي قان، مغلقة جميع أزراره دون رابطة عنق.
ركن زجاجة (كوكاكولا) كبيرة، كان قد أفرغ في جوفه آخر جرعة منها، إلى جانب الكابينة. أخرج من جيبه كارت هاتف، فشل في استخدامه، فمضى متبرماً يختزن غضباً، نحو كشك الجرائد المواجه، الذي يحتل ناصية (السنترال) العمومي، ومجمع النفق القديم المغلق.
عبثاً، انطلق عامل محل المثلجات، المقابل للكشك على الجانب الآخر من امتداد شارع "سعد زغلول" ؛ ليعبر باحثاً عن الرجل الذي مضى بالزجاجة واختفى.
راحت عيناه تفتشان، حتى وقعتا على الزجاجة الملقاة، فالتقطها وهو يجأر بالسباب، ويزمجر بالضيق.
في لا مبالاة وهدوء شديدين يغلفان ملامحه المحتقنة، انحشر صاحب العينين الرماديتين بين الواقفين يستطلعون العناوين والصور؛ فلاحت في وجوههم دهشة مستفسرة.
تخطى الصحف والمجلات المعلقة، والأخرى المتراصة على الأرض، وراحت عيناه تتوغلان في البطاقات البريدية المصورة، المعلقة على جانبي الكشك، ثم أشار بإصبعه مغمغمًا بلكنة مضغومة، وكأنما تخرج الكلمات من أنفه، وذراعه يكاد يدفع من جاوره:
ـ هذا ...
تحولت الدهشة في وجه مجاوريه إلى إستياء. تجاهل تبرم الرجل، منفلتا بنظرة مبتورة، بقرف زائد، نحو العامل الذي كان يهم بعبور الشارع حاملاً الزجاجة.
عاد ليلح على البائع الذي كان مشغولاً بتوتر متزايد:
ـ هذا .. هذا ..
أدار البائع حامل البطاقات الدوار، مشيراً إلى صور براقة لـ "قلعة قايتباي"، "كوبري ستانلي"، "مكتبة الاسكندرية"، "حدائق قصر المنتزة"، "عمود السواري"، "المسرح الروماني"، "تمثال الإسكندر"، "مسجد أبي العباس المرسي"، وكلما أشار إلى أحداها بادره الرجل، دافعاً سبابته نحوه فى ضيق متصاعد "NO.. NO.." ثم مغمغماً بغيظ مكتوم "So Foolish".
وظل يتلفت خلفه بنظرة متسحبة، يشوبها قلق وترقب، ثم عاود بعصبية بادية:
" NO .. NO.. Egypt , Pyramids."
تجولت نظراته، مشمئزة، فى وجوه من حوله، فتحول استياؤهم إلى حنق وغيظ.
مصمص البائع شفتيه، بتعجب ونفاذ صبر، مولياً إياه ظهره، قائلاً فى حدة:
ـ لا يا خواجة.
تململ مشيحاً بوجهه عنه، محاولاً التطلع بعينيه عن يمينه إلى اتجاه الكورنيش. عضه الترقب، فجزّ بأسنانه على شفتيه. حاول التراجع خطوة للخلف، فكاد يدوس على قدم أحد الواقفين، الذي بادره بنظرة محملة بالغضب.
شعر بالسخونة الملتهبة للوجوه تلفح وجهه، فوضع يديه في وسطه متصنعاً اللامبالاة. زفر. انتفخت شفتاه القانيتان بلون الدم، لتبدوا من بين براثن شاربه الأصفر الكث المتهدل، مشتبكاً بشعر ذقنه الكثيف، واحمرت عيناه.
حاول ـ منكمشاً على ذاته ـ التسحب إلى يساره، فانضغط جسده، واصطدمت كتفاه بأكتاف المحيطين به. محمد عطيه محمود ـ الإسكندرية