تحرير ألان جونسون من الأسر أم محاولة لفرض الاعتراف الدولي بحركة حماس؟

يسر المرء كل السرور لرؤية زملاء المهنة خارج دائرة الاختطاف والاعتقال والاستهداف، وهو شعور غامر يطفو على السطح كلما لاحت في الأفق بارقة تثبيت واقع حرية الاعلام بالمنطقة العربية والعالم الثالث بوجه عام، شعور بالارتياح لا يضاهيه شعور لاسيما اذا ما تعلق الأمر بتثبيت واقع السلامة الجسدية والنفسية لفرسان الحرية أو السلطة الرابعة التي تستهدف في منطقتنا بحجم استهداف السياسيين والحقوقيين الأحرار من ذوي الاتجاهات الوطنية.
تحرير ألان جونسون مراسل البي بي سي في غزة من الأسر خبر لا نملك تجاهه كاعلاميين الا الترحيب والابتهاج وتهنئة زملاء الأسرة الاعلامية في مؤسسة البي بي سي العريقة بكل عبارات الصدق والمسرة.
تعجيل حركة حماس بتحرير ألان جونسون من بين أيادي المختطفين، حدث لا نملك قبله الا الترحيب والمسرة، حتى وان اختلفنا في تفاصيل تعاطي حماس مع الوضع الداخلي الفلسطيني منذ أن اختارت النزول بقوة الى العملية الانتخابية التشريعية سنة 2006، وهو ماكان سببا في تحميلها وتحميل شعبها وقضيتها أعباء كان يمكن التعاطي معها بطريقة أخرى أكثر جدوى ومردودية سياسية.
وبالنظر الى الطريقة التي تعاطت بها حركة حماس مع موضوع تحرير الصحفي البريطاني ألان جونسون من الأسر، فان المراقب الحصيف لا يغفل عن الطريقة الاستعراضية والمحملة بالدلالات التي تعاطت بها هذه الحركة مع توقيت وأهداف التحرير، حيث بدا من الواضح جدا أنها أرادت كسب كثير من الاعتراف والتعاطف الدولي، بعيد ما شاب استيلاءها على السلطة في غزة من خروقات أو تجاوزات ميدانية صعب على القيادة السياسية في الداخل والخارج السيطرة عليها.
الواضح جدا من خلال رصد مسارات الأحداث ايام عملية احكام السيطرة الحماسوية على غزة، أن كتائب القسام بقيادة محمد الجعبري صارت سيدة الموقف الميداني اكثر من كل القيادات السياسية في الداخل والخارج، وهو ما جعل القيادة السياسية في الحركة لا تملك الا أن تجاري النسق السريع الذي تحكم به الجعبري في مقاليد الأمور بعد سحقه للقوة القتالية لجهاز الأمن الوقائي واجهزة فتح العسكرية الموازية.
أدركت القيادة السياسية لحركة حماس أنه لابد من التسليم بهذا الوضع الميداني الضاغط والمستحكم عبر تعديل الخطاب والممارسة وتوجيه رسائل دبلوماسية الى القاهرة والرياض مفادها أن السيطرة العسكرية على غزة لم تكن بقرار سياسي صادر من دمشق أو طهران، وأن مزيدا من الحصار والوعيد في حق الحركة لن يسهم الا في تقوية موقع الجعبري وربما ارتمائه في أحضان الامتداد الفكري والسياسي لجماعات القاعدة المطلوب رأسها أميركيا.
فهمت القاهرة والرياض الرسالة وهو ما خفف لاحقا من حدة انتقاداتهما الرسمية للوضع الجديد الذي بات مطبقا كأمر واقع على قطاع غزة، وهو ما دعاهما أيضا الى اعادة نبرة التنادي الى الحوار بين حركة فتح وحركة حماس.
أرادت حماس السياسية أن تستعيد حرارة أدوارها السابقة في علاقاتها بمصر والمملكة العربية السعودية وهو ما يضمن لها شيئا من الاعتراف الدولي الجزئي، كما يمهد لخروجها من ورطتها الميدانية في وقت لاحق بالضفة الغربية.
كانت قضية ألان جونسون ورقة رابحة لعبتها حماس باقتدار من خلال ممارسة ضغط أمني غير مسبوق على عائلة دغمش التي قامت بعملية الاختطاف عبر لافتة تنظيم أمني لم تعرفه الساحة الفلسطينية كواجهة سياسية بارزة.
سبق لعائلة دغمش النافذة في غزة أن تعاونت مع حركة فتح ولكنها أدركت بحصافة وذكاء العشائر العربية أن مصالحها أقرب الى حماس حين تراجع النفوذ الفتحوي بعد الانتخابات التشريعية التي انهزمت فيها كبرى فصائل منظمة التحرير الفلسطينية.
دخول خالد مشعل واسماعيل هنية على الخط بقوة، وبشكل لم يخل من الاستعراض السياسي والاعلامي حين الافراج عن ألان جونسون، كان مفاده في رسالة واضحة لاتحتمل التأويل،أن حماس حركة معتدلة تريد تطبيع علاقاتها مع المجتمع الدولي وترفض أساليب الخطف والتعدي على حريات وكرامة ضيوف الشعب الفلسطيني، وهي بعبارات أخرى موجهة للعالم عامة ولحركة فتح خاصة : قادرة على ضبط الأمن والاستقرار، بل هي نجحت في حل ملف سياسي ودبلوماسي ثقيل مع بريطانيا والغرب في ظرف أسبوعين في حين عجزت أجهزة العقيد دحلان والرئيس محمود عباس- برغم تفوقها العددي والتقني والمادي -عن حلحلة هذا الملف بعد مرور أشهر عدة على عملية الاختطاف.
فتح التي يقودها طاقم بشري تشرب الدهاء السياسي من الأنظمة العربية مجتمعة،فهمت الرسالة وحاولت افساد الحفل من خلال التشويش الاعلامي والدبلوماسي على حماس عبر الادلاء بتصريحات مفادها أن عملية التحرير تمت بترتيب مسبق ومدروس بين حماس وجيش الاسلام، وهو مايعني قرابة فكرية وتنظيمية وسياسية بينهما.
تصريحات هدفت بوضوح الى مزيد من توريط حماس في علاقاتها الخارجية تجاه أبرز الفاعلين الدوليين في القضية الفلسطينية.
لاشك بأن الانتشاء السياسي لدى حماس بالتحرير سيذهب تدريجيا أدراج الرياح حين تعلم بأن السر في عدم تعاطي الغرب معها لا يكمن في سيطرتها بقوة السلاح على قطاع غزة، أو في فوزها الساحق بانتخابات المجلس التشريعي، بقدر ما أنه يكمن في اختلال موازين القوى الدولية لفائدة الولايات المتحدة واسرائيل وهو ما يجعل العالم الغربي والعربي يصطفان رسميا وراء رؤية واشنطن وتل أبيب، في ظل ما يمتلكانه من قدرات اقتصادية وعسكرية باتت حديث المهابة لدى كل دول العالم.
قد تحاول حماس مجددا استثمار قضية الجندي الأسير شاليط جلعاط على شاكلة أزمة الصحفي ألان جونسون، وقد تحقق بذلك مكسبا جزئيا في موضوع تبادله مع أسرى فلسطينيين من حركتي فتح وحماس وهو ما يظهرها تيارا وطنيا في عيون الشعب الفلسطيني بعيدا عن تهم تحزيب القضية الفلسطينية وأدلجتها القاتلة. غير أن الحل الشامل والعادل للقضية سوف لن تدركه القوى الوطنية والاسلامية الفلسطينية الا في ظل موازين دولية جديدة قد يكون المعبر اليها عالم متعدد الأقطاب،يخرج قوى اقليمية وعالمية قديمة من ساحاتها القطرية الى ساحات انسانية أكثر رحابة، ويرتقي بها الى مستوى القوى الدولية الأكثر ايمانا بنظرية المجال الحيوي لكن مع رد الاعتبار لحق الشعوب في التحرير وتقرير المصير. مرسل الكسيبي
كاتب واعلامي تونسي - رئيس تحرير صحيفة الوسط التونسية reporteur2005@yahoo.de