انقلاب حماس على فتح : فزع رسمي عربي وانهيار للثوابت الوطنية الفلسطينية

بقلم: مرسل الكسيبي

واكب التلفزيون التونسي قبيل أيام ممثلا في قناته الفضائية تونس 7 موضوع سيطرة حركة حماس على السلطة الفلسطينية في حالة من التشنج والقلق الرسمي غير الطبيعي، حيث بدت الاستجوابات لبعض العينات المنتقاة من الشارع التونسي متوجسة خيفة من تبعات الزلزال الثاني الذي قامت عليه حماس بعد زلزالها الأول عبر الانتصار الواسع على حركة فتح في الانتخابات التشريعية.
كانت السهرة التونسية المشار اليها موجهة بشكل مرتب يوحي للجميع بانخراط بعض الرسميات العربية في الدفاع المستميت عن مشروع سياسي رسمي تربط بينه الكثير من الخيوط والقواسم الأمنية والتسلطية التي تخشى من المتحفز القادم ولاسيما اذا ما كان الداعمون له أو الواقفون وراءه من أنصار "الاسلام الاحتجاجي".
حضر في البرنامج التلفزيوني المذكور ضيفان بالأستوديو، أولهما من كوادر فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية وثانيهما من كوادر الاعلام المكتوب في تونس الرسمية والمحروسة، أما عبر الأقمار الصناعية فقد سجل التلفزيون التونسي وقد يكون لأول مرة حضور وزير الاتصال والاعلام الفلسطيني الدكتور مصطفى البرغوثي.
كان الحوار في مجمله ومن خلال ما تم ارفاقه من استجوابات أخذت من الشارع التونسي انتصارا بالضربة القاضية لحركة فتح "المسكينة" التي مورس عليها الظلم والانقلاب و"الجريمة" بطرائق غير انسانية.
كان الهلع الرسمي والتونسي ليلتها على الشاشة صادما الى الدرجة التي ضحكت وقهقهت فيها مرات من فرط ما أصاب الساسة وأبواقهم الاعلامية من حالة فزع وارتباك.
تزامن الحدث التلفزيوني التونسي بخصوص مستجدات قطاع غزة مع زيارة استعجالية ومعبرة عن الفزع من قبل السيد ياسر عبد ربه أحد القيادات البارزة في منظمة التحرير، أداها في توقيت حرج وفي زيارة رسمية لافتة لتونس.
العديد من الاستفهامات جالت بخاطري وأنا أتابع حجم الارتباك الرسمي في تونس على ضوء اسقاط جمهورية "ائتلافستان" الغزاوية واستبدالها بجمهورية محاصرة ومجوعة حملت اسم جمهورية "انقسامستان" الحمساوية.
لم أقف كثيرا على تفحص مدى مشروعية هذا الانقلاب الحمساوي من عدمها، ولم ألتفت كثيرا الى الهزيمة الساحقة والسريعة والغرائبية لجمهورية الأمن الوقائي للجنرال دحلان، ولم ألتفت كثيرا الى منطق الأرقام البشرية والمادية في المقارنة بين امكانيات كتائب الأقصى والشرطة الفتحاوية وجهاز الأمن الوقائي وما واجههما من تحالف حزبي حمساوي عماده الشرطة التنفيذية وكتائب القسام، بل انني رحت متأملا في مايمكن أن يترتب عن هذا الانقلاب المسلح على مصير القضية الفلسطينية بدرجة أولى ثم الوضع الأمني والسياسي لدول الطوق والجوار: مصر، لبنان، الأردن، سوريا، اسرائيل، يليها بعد ذلك النظم الرسمية العربية التي كثيرا ما اعتدت بقدرتها على اجهاض القوى المعارضة ولاسيما الاسلامية منها.
فكرت بلا شك في ردة فعل دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والجامعة العربية وجمهورية مصر والمملكة الأردنية والدولة العبرية وتأملت في دواعي الموقف التونسي المتسم بشديد الارتباك والقلق العميق. وتابعت في الأثناء وفي شغف غير معهود أخبار ومصير رئيس مجلس الأمن القومي الفلسطيني العقيد دحلان.
وبين هذا وذاك كنت أتساءل عن موقف الشارع الفلسطيني من الحكام الجدد للقطاع، فيما تأملت وبالتزامن في دلالات الدعم الأمريكي والاسرائيلي المباشر للرئيس محمود عباس، في وقت كان ينظر فيه والى زمن غير بعيد لحركة فتح وقادتها نظرة الوطني الشريف الذي يناضل من أجل استرجاع الأرض واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
انقلاب حماس على فتح في قطاع غزة حول أوربا وأمريكا واسرائيل والعديد من الأنظمة العربية المنغلقة أصدقاء غير طبيعيين لفتح في الضفة، وكان القرار برفع الحصار الاقتصادي والمالي وحتى العسكري على أكبر فصائل منظمة التحرير الفلسطينية!
الانقلاب الذي قامت به حماس في غزة وان كان في تقديري من حيث الظاهر خطرا حقيقيا على التقاليد السياسية الطبيعية في التداول السلمي على السلطة، الا انه كشف القاسم الجامع بين الشرق والغرب وبين الرجعيين والتقدميين وبين الحداثيين الصناعيين والحداثيين المتصنعين وبين العرب والعجم في نظرتهم الى قضية الشرق الأوسط وقضية الأقصى وفلسطين، حيث يجتمع كل هؤلاء على ترسيخ المصالح السياسية والاستراتيجية القائمة وان كانت مستبدة وجائرة على حساب حق الشعوب في الاستقلال وتقرير المصير.
لم يعد غريبا أن يتحدث العقيد دحلان مبررا الهزيمة العسكرية الفتحاوية بتأخر الامداد الاسرائيلي بالسلاح أو ايقاف الدعم الأمريكي بالمال، أو غير ذلك من مسوغات كانت تمثل خطا أحمرا فلسطينيا بين كل الفصائل والتيارات.
ولم يعد غريبا أن تصبح الشرطة الفتحاوية "المنهزمة" تتلقى العلاج في مستشفيات الدولة العبرية، أو أن يتم انقاذ بعض قادتها على المعابر الاسرائيلية تحت اشراف رسمي ممن يسميه الفلسطينيون والعرب بدولة الاحتلال.
الانقلاب الحمساوي أسقط شرعيتين سياسيتين في بضعة أيام، أولاهما شرعية الحكم بالتداول السلمي على السلطة وثانيتهما شرعية سياسية عربية رسمية كثيرا ما تغنت بتحرير المقدسات من المحتل، ليصبح بذلك الانقلاب مبررا للتنسيق المشترك بين قوس نعته البعض بـ"قوس الاعتدال" وبين نظام عالمي جديد تقوم فيه السياسات ليس على احترام حقوق الانسان وارادة الشعوب وسيادة الدول وانما على فرض الأمر الواقع وتكريسه ولو من منطلق يدوس على كرامة الشعوب وحقها في الاختيار الحر أو حقها في اعلان سيادتها واستقلالها على أرضها وترابها.
أخيرا لا أريد مطلقا في نهاية هذا المقال تبرير أو تشريع ما قامت به حماس في قطاع غزة، بل انني لا أعزل ما حدث في القطاع عن أجندة الصراع الاقليمي والدولي بين المحور السوري والايراني والمحور الأمريكي الاسرائيلي، غير أنني أؤكد على أن القضية الفلسطينية تعيش مرحلة مفصلية في تاريخها، فاما تصحيح وتعديل للمسارات على أرضية الفصل بين المصالح الانية الفاسدة والمصالح الاستراتيجية الثابتة أو ادخال للبيت الفلسطيني في دوامة ثقب أسود يضيع سلم الأولويات الهامة ويئد المشروع الوطني في خندق التناحر الداخلي الذي كان سببا تاريخيا رئيسا في اسقاط ملوك الطوائف وممالك غرناطة وقرطبة وطليطلة... وضياع ريح أمة ذات تاريخ عريق ومصير حضاري وانساني مشترك. مرسل الكسيبي
كاتب واعلامي تونسي- رئيس تحرير صحيفة الوسط التونسية reporteur2005@yahoo.de