الحوار بين الأحزاب اليمنية: ميلاد جديد أم إجهاض مبكر؟

جاءت ندوة اللقاء المشترك الأخيرة حول الوهم السياسي لتشعل التصريحات الحكومية باتجاه تكتل أحزاب المشترك الأربعة، ولتضع الكثير من علامات الاستفهام حول مستقبل مشروع الحوار الذي جاء بمبادرة من حزب المؤتمر الشعبي العام، ولم تلبث تلك البداية المتسمة بالتصريحات المتفائلة والمتحمسة لقادة طرفي الحوار أن انقطعت نتيجة عدم الاتفاق بين الطرفين في البداية حول مسألة ذات حساسية طرحها الحزب الاشتراكي على طاولة الحوار، وهي متعلقة بمعالجة آثار حرب 1994م الأمر الذي اعتبره المؤتمر مطلبا لا يمثل أحزاب المشترك كاملة بل يمثل الاشتراكي منفردا.
وبعد فترة عاد المتحاورون إلى الطاولة إثر دعوة وجهها الرئيس علي عبدالله صالح للطرفين لاستئناف الحوار، وبدا للجميع أن هناك اتفاقا مبدئيا حول ست قضايا محورية تم تحديدها من جانب المؤتمر بأنها تعديل الدستور، وقانون السلطة المحلية، وقانون الأحزاب، وقانون الصحافة والمطبوعات، ثم الأوضاع في صعدة، ومن الجانب المقابل طرحت أحزاب المشترك مواضيع حساسة كتعديل قانون الانتخابات، وتعديل الدستور، والهموم المعيشية للناس وسياسة الأجور والمرتبات، وقضايا الحريات العامة ومناخ الاستثمار, لكن استمرار مسلسل المزايدات السياسية والمهاترات الإعلامية بين الطرفين اظهر عكس التوقعات المتفائلة بخروج الحوار السياسي بين الأحزاب اليمنية من النفق المظلم ورؤيته للنور ففي الوقت الذي كان يظهر فيه الطرفان حرصهما على إنجاح الحوار كانت الواقع السياسي والإعلامي يظهر عكس ذلك، واستمر الحال على ما هو عليه حتى جاءت ندوة المشترك الأخيرة لتقضي على ومضة الأمل المتبقية من مشروع الحوار ،وتلاها على الفور تصريحات الحكومة التي أظهرت مدى أزمة الثقة بين الحكومة وأحزاب المشترك وتعكر العلاقة بين الطرفين،الأمر الذي منح المزيد من الدعم للرؤى المتشائمة إزاء إمكانية وجود حوار حقيقي وجاد بين الأحزاب السياسية اليمنية.
الحوار بين الأهمية والإعاقة المزدوجة تدرك جميع الأحزاب السياسية اليمنية في السلطة والمعارضة، أهمية الحوار فيما بينها في هذه الفترة التاريخية بالذات، وضرورته في بناء الوطن وإشاعة الديمقراطية والعدالة والحرية، ونبذ المهاترات بين الأحزاب وإرساء قواعد الحوار بينها وتفصيل هياكلها وبرامجها ومؤتمراتها العامة على أسس ديمقراطية تؤكد (المؤسسية) لإنجاح العملية السياسية والانتخابية في البلاد، لكن المهاترات المستمرة بين الجانبين، وعدم وضوح موقف أحزاب المشترك من أحداث التمرد في صعدة شكلت مسامير صلبة في نعش هذا الحوار الذي يتفق جميع المحللين السياسيين على ضرورة وجود أرضية تمهيدية قوية بين الجانبين تشكل مرحلة استعادة للثقة اللازمة لنجاح أي مشروع حوار سياسي، بالإضافة إلى أن هذا الحوار المنشود يجب أن يتم على أسس موضوعية تنبذ أساليب ومظاهر المزايدة والمناورات التي لا تنقطع بين أطراف الحوار كما يتفق الكثير من المراقبين على أهمية وجود هذا الحوار باعتباره هو السبيل الوحيد للاتفاق على قواسم مشتركة بين الأحزاب للمحافظة على وحدة البلاد وذلك عبر إذابة الخلافات وتقريب وجهات النظر في القضايا الهامة خصوصا وإبرام التحالفات السياسية بهدف تحقيق الإجماع الوطني وليس تمزيق الوطن ودعم الفتن فيه ونبذ أساليب المزايدات والمناورات والمكايدات العمل على ترسيخ قيم التسامح والمساواة والمنافسة الحرة.
وهناك أهمية قصوى للحوار بين الأحزاب والأثر الايجابي الذي يعكسه على قضايا الديمقراطية والعدالة والحرية والمؤسسية وحل النزاعات بين الاحزاب بصورة مرضية وتحقيق الإجماع على ضرورة معالجة التحديات والمصاعب التي تواجه العملية السياسية بالبلاد، والمتمثلة في ضعف المؤسسية والرؤية السياسية، وغياب الحياد فيما يتعلق بإدارة الصراع السياسي بين الأحزاب، واتجاه بعض الأحزاب للجمع بين القيادة الدينية والسياسية أو المذهبية الأمر الذي يفرض إعادة بناء الأحزاب على أسس مؤسسية وديمقراطية واختيار القيادات على أسس الكفاءة عبر الانتخابات وبمشاركة حقيقية من قواعد الأحزاب تهدف إلى تفعيل النظم الداخلية للأحزاب، وإقامة علاقات ايجابية بينها لتحقيق الإجماع حول القضايا الوطنية التي تحقق مصلحة الوطن، بالإضافة إلى صقل وتدريب القيادات الحزبية بالبلاد حتى يساهم ذلك في تطوير الديمقراطية والانتخابات وبناء أحزاب سياسية قومية وفاعلة تكون بمثابة القلب النابض لتحقيق الاستقرار السياسي والتنمية والتقدم، وحتى تضطلع الأحزاب بمسؤولياتها تجاه الوطن.
معوقات الحوار ومتطلباته يمكن إجمال المعوقات التي تحول دون تحقيق الحوار المنشود بين الأحزاب السياسية فيما يلي:
أولا: عدم تهيئة الأجواء بين الطرفين للحوار، إذ أنه من غير المعقول أن يتم تجاوز خلافات وحساسيات سنوات بين عشية وضحاها، وبالتالي كان من المهم وجود قاعدة تمهيدية تسبق إجراء الحوار وتساهم في خلق نوع من الثقة اللازمة لإنجاح أي حوار سياسي.
ثانيا: اهتمام الطرفين في السلطة والمعارضة بالحوار لم يتعد الاهتمام الشكلي الذي يهدف بالدرجة الأولى إلى تحقيق مكاسب خاصة بكل طرف على حدة، ما يعني ضرورة وجود أهداف مشتركة قوية تغلب في مضمونها أي أهداف حزبية خاصة بأي طرف من أطراف الحوار، والأمر الحاصل في الواقع هو ان لكل طرف رؤية خاصة به لهذا الحوار ولا يوجد رؤية مشتركة، بالإضافة إلى أن دعوة كلا الطرفين إلى الحوار قد لا يتعدى في حقيقته تسجيل موقف أمام الرأي العام
ثالثا: إظهار أحزاب اللقاء المشترك موقفا غير واضح من تمرد الحوثيين في صعدة وهي قضية لها أبعاد خطيرة وبالغة الحساسية، وتستدعي وجود إجماع سياسي من جميع الأحزاب ولعل هذا الموقف شكل مسمارا في نعش الحوار المنشود.
رابعا: اعتقاد بعض أحزاب المشترك أن الحوار لا بد وأن يكون على حساب الانتخابات التي أفرزت فوزا كبيرا للمؤتمر الشعبي العام، وهو ما يرفضه هذا الأخير الذي يعتبر أن القفز على نتائج الانتخابات فيه تجاوز على العملية الديمقراطية
خامسا: ساهمت الحكومة بشكل أو بآخر في عرقلة مشروع الحوار عبر حجب الكثير من المواقع الإعلامية ورسائل الموبايل، وهو ما شكل مساسا بنقطة من أهم النقاط التي سبق الاتفاق عليها في بداية الحوار بين الطرفين وهي المتعلقة بالصحافة والمطبوعات.
سادسا: رغم دعوة الأخ الرئيس للأحزاب إلى الكف عن المهاترات الإعلامية لتلطيف الأجواء وللوصول إلى نتيجة واضحة في الحوار السياسي إلا أن الأحزاب ووسائلها الإعلامية لم تلتزم بذلك الأمر الذي يجعل الحوار السياسي في ظل الهجوم الإعلامي المتبادل أشبه بمحاولات القفز فوق الماء.
سابعا: الحيز الضيق الذي منحه جدول أعمال الحوار الذي بات في مهب الريح، لم يعط المرأة أي اهتمام سياسي يذكر باستثناء اطروحات عابرة لترشيح المرأة في الانتخابات بدون وجود بند أساسي وفعال ضمن جدول الحوار يتضمن إجراء تعديل قانوني يضمن وصول المرأة إلى البرلمان .
متطلبات الحوار بين الأحزاب هناك مجموعة من المتطلبات والخطوات اللازمة لنجاح الحوار السياسي الهادف بين الأحزاب اليمنية وأبرز هذه المتطلبات هي:
أولا: ضرورة إشاعة الديمقراطية والشورى داخل الأحزاب نفسها لبناء أحزاب قوية وفاعلة في الحياة السياسية وقادرة على التحاور بمسؤولية وهمة وطنية عالية لتحقيق أهداف عامة مرتبطة بالوطن وليس لها علاقة بصورة أي حزب من الأحزاب المشاركة في الحوار، بمعني أن الحوار يجب أن يكون وطنيا مسئولا وليس حزبيا ضيقا.
ثانيا: تفعيل الوسائل والآليات التي تحقق أهداف الحوار بين الأحزاب، والقيام ب "ورشات" عمل تحقق مداولات ايجابية بين الأحزاب من اجل التفاهم بين الأحزاب اليمنية والاتفاق على قواسم مشتركة لإنجاح الديمقراطية ووضع آليات مشتركة تتفق عليها الأحزاب لتحقيق التوافق والتراضي واحترام الديمقراطية والاتفاق على أجندة وطنية للعيش تحت سقف واحد لتحقيق التقدم لليمن.
ثالثا: من المهم أن يساير الحوار السياسي في قانون الصحافة والمطبوعات مثلا خطوات تدعم حرية الصحافة وتؤكد اهتمام الحكومة والتزامها بهذا المبدأ، إذ انه لا يمكن إنجاح أي حوار سياسي في ظل غياب الاهتمام بالصحافة والإعلام، الأمر الذي يجعل المساس بحرية الصحافة من قريب أو بعيد تدميرا لقضية محورية من قضايا الحوار.
رابعا: ينبغي على الإطراف المشاركة في الحوار، توفير المناخات والأجواء اللازمة لاستمرار الحوار وعدم انقطاع أنفاسه، وهذا لا يمكن أن يتم إلا من خلال الالتزام بالتهدئة الإعلامية، ونبذ المهاترات وعدم الاستمرار في الملاسنات العبثية، والكف عن المكايدات فيما بينها، واتخاذ كل ما يقرب المسافات بينها سواء كان ذلك إعلاميا أو سياسيا من خلال رسم خطاب إعلامي يرتقي بمستوى الحوار السياسي المسئول ويتناسب مع طبيعة المرحلة والأهداف التنموية المرجوة من نجاح الحوار السياسي بين جميع الأطراف.
خامسا: الحوار يهدف إلى تأسيس قواعد متينة في العلاقة بين الحكومة من جهة والأحزاب والتنظيمات السياسية من جهة أخرى، والحاصل أن هناك حالة من انعدام الثقة بين الحكومة من جهة وأحزاب اللقاء المشترك من جهة أخرى، وهو ما يجعل الحوار مستحيلا باعتبار أن الحوار هو أساس ينبغي أن يأتي من اجل الوصول إلى توافق حكومي حزبي متناسق في جملة من المسائل المطروحة إلى أجندة البناء السياسي في اليمن. أحمد غراب
كاتب ومحلل سياسي يمني