عصير غوغل.. كتابيات للعصر وبلاغات

د.عبير سلامة
بداية عصر البلاغة الرقمية

مستخدم الإنترنت كاتب، حين يصيغ كلمات مفتاحية في محركات البحث، بيانات شخصية في طلبات التسجيل، توقيعات في دفاتر الزوار، تعليقات نقدية على مقالات الصحف، إدخالات موسوعية لصفحات الويكي، رسائل، محادثات فورية، مدونة شخصية، ونصا إبداعيا، بل إن مجرد الاتصال بالإنترنت يجعله كاتبا مساعدا لسيرته الذاتية على الشبكة، سيرة تتشكل من حركته بين الممرات اللانهائية، تاركا خلفه سجل آثار يستطيع آخرون قراءته(1).
كيف يمكن لعلوم اللغة والبلاغة أن تساعد هذا الكاتب، تساعدنا جميعا في سياق الإلكترونات الطائرة عبر شاشات نقضي أمامها أكثر ساعات اليوم؟ نحن محاطون في الواقع بشاشات كثيرة، التليفزيون.. الكومبيوتر.. الهاتف المحمول، حتى ساعة اليد لها شاشة، كل جهاز من هؤلاء يبدو حيوانا أليفا يدهشنا، أحيانا يكون مزعجا، ودائما يكون مسليا.
كل شاشة عالم حيّ مستقل تماما بمنطقه وجمالياته، قد يتحول في لحظة إلى سطح جامد مظلم، فيفرض الإحساس بالعزلة والملل.
شاشة الكومبيوتر المتصل بالإنترنت، تحديدا، عالم رمزي هائل، سريع التغير، ينوب عن سوق تنافسية للتجارة، الثقافة، التعليم، والعلاقات الاجتماعية، سوق لا يحتاج روادها سوى نقرة واحدة، كي ينصرفوا من واجهة عرض إلى أخرى، الأمر الذي يدعو للتساؤل عن مفهوم الكتابية، الكاتب، والكتابة المقنعة/المؤثرة، أو البلاغة الصديقة لوسائط إعلامية متعددة. مفهوم الكتابية والكاتب والبلاغة في عصر الميديا الجديدة المفهوم الدارج للكتابية أنها القدرة على الكتابة والقراءة، واتسع المفهوم منذ أواخر القرن الماضي ليضم الكتابية التكنولوجية، أو تعلم استخدام الكومبيوتر. اقتضى تشغيل أجهزة الكومبيوتر الشخصي في بدايات إنتاجها أن يتعلم المستخدمون بعض لغات البرمجة، لكنهم اليوم غير مضطرين لذلك في ظل انتشار وسائط التشغيل المصممة مرئيا، نقرة واحدة على أيقونة فيشتغل الجهاز، نقرة للعرض، نقرة للحفظ، إلخ.
أيقونات بلا حصر تجعل الكومبيوتر سهل الاستخدام، وقد تؤثر على مستقبل الكتابية بابتكارها أسلوب اتصال "ما بعد كتابي" post-literate، يستبدل الأشكال التعبيرية من الإقناع بالحجج المنطقية(2).
تركز طرق تعليم الكومبيوتر في الغالب على كيفية استخدام التكنولوجيا، وتفرط في الاهتمام بالمهارات التقنية، على حساب إعداد الدارسين لمواجهة تحديات الكتابة والاتصال في أوساط تنافسية تقودها أغراض واضحة من استخدام التكنولوجيا، ما يعني أنها تعزل المعرفة عن المشهد الاجتماعي، ولا تؤهلهم لعصر سيواجهون فيه تحديات غير عادية لإعلام/ تعليم/ إقناع/ تسلية جمهور:
*يفكر بطريقة مرئية، ما بعد كتابية.
*لا يعتمد كثيرا على المخيلة.
*تقلصت مدة انتباهه وتركيزه.
* متخم برسائل مغرضة من الحكومات والمؤسسات.
*متشكك وصعب الانقياد(3).
التنوع الهائل للصور والرموز المرئية في الثقافة المعاصرة، وازدياد الاعتماد عليها في استخلاص المعنى، أظهر الحاجة لكتابية مرئية Visual Literacy، أو قدرة على فهم/إنتاج رسائل مرئية واستخدامها في التواصل(4).
قراءة الصور - مثل قراءة النصوص- عملية من مراحل مختلفة، تعتمد على حاجات الأفراد في لحظات بعينها، وتتفاوت بساطة وتعقيدا من النظر إلى النقد، مرورا بالتحليل البلاغي للطرق المختلفة التي يستخدمها البشر عموما للتواصل.
وفرضت الميديا توسعة أخرى لمفهوم الكتابية- Media literacy- تتطلب القدرة على التحليل النقدي للرسائل الإعلامية، سواء كانت نصية أو مرئية. جميع الرسائل الإعلامية حسب هذا المفهوم تعبر عن وجهة نظر، تستهدف مستهلكين بعينهم، وتحاول أن تبيعهم شيئا(منتجا، خدمة، أيديولوجية)(5)، تنمية الوعي بأشكال الاستهداف اتجاه تعليمي مضاد لهيمنة النزعة الاستهلاكية على المجتمعات المعاصرة، قوامه التدريب على معرفة أشكال الدعاية..الانحياز.. التمويل..الرقابة، وفهم تأثيراتها السلبية على المعلومات.
هذه الكتابيات المتعددة(الكتابية الموسعة) إضافة إلى انتشار استخدام الإنترنت من قبل الأطفال والمراهقين- مؤشر على أن مهمة التعليم ينبغي ألا تركز على نقل المعلومات أو إعادة إنتاج أنظمة القيم، بل على إمداد الدارسين بـ "أدوات تفكير" تمكنهم من فهم التغيرات الاجتماعية، وتقدير الاحتمالات المناسبة لأية علاقة بين الواقع وتمثيلاته، مؤشر أيضا على نمط كتابية أخرى يحتاجونها، كتابية نقدية تمنحهم القدرة على مساءلة أساليب خطاب وحساسيات تعبير جديدة فرضت "بلاغاتها" الخاصة.
أن يكون المرء كتابيا اليوم يعني تحصيل المهارات الضرورية لأن يقارب المعلومات/ النصوص بوعي أكبر، ينفذ لما وراءها من وجهات نظر وأغراض محددة، وينقد المشهد المرئي والتكنولوجي المُشبع الذي يحيط به بصفته مجموعة من الحركات البلاغية المتعمدة(6)، يشارك هو نفسه في تصميمها العام، طالما جعلت الإنترنت كل مستخدم كاتبا، وطالما تميزت الميديا الجديدة عن القديمة بتفاعلية جمهورها.
اُعتبرت الميديا الجديدة، المقدمة عبر أوساط إلكترونية- منذ منتصف التسعينات- جزءا من تسويق الإعلان عن تنامي صناعة الأقراص المدمجة، التعليمية والترفيهية، ومع ضبابية التمييز في عمل الإعلان بين الإبداع( المحتوى) والميديا( طرق توصيل هذا المحتوى) تُعتبر الميديا نفسها الآن إبداعية و"الوسط" هو الرسالة(7)، وهذا التحول في التفكير يفرض على مبدعي المحتوى تعلم كيفية التعامل مع ازدياد أشكال المنافسة وتنوع طرق استهداف الجمهور.
هل يحتاج الكاتب- مع توسعة مفهوم الكتابية- إلى تعريف يميزه؟ يتم تعريف الكتاب عادة بحسب طبيعة كتابتهم، لا الأدوات أو المهارات التي يستخدمونها للكتابة، فيقال كاتب رومانسي، كاتب روائي، كاتب سيناريو، إلخ، غير أن الأدوات الجديدة تأتي مع مزاياها والفرص التي تقدمها بتعريفات إشكالية، تتجاوز الكتابة نفسها، وقد تؤسس لطبقية جديدة بين الكتاب.
الكاتب الرقمي Digital Writer واحد من هذه التعريفات التي انتشرت بتأثير استخدام الكومبيوتر والإنترنت- في مقابل الكاتب الورقي- ويشير بالإنجليزية إلى أشياء وأشخاص مختلفين:
1- برنامج تعليمي، ينتمي في الأصل إلى حقل التكنولوجيا المساعدة للمعوقين Assistive Technology، وتُُستخدم أنواع منه في المدارس لتعليم الأطفال عموما مهارات الكتابة من خلال أنشطة تنافسية ونماذج تدريبات متعددة الوسائط(8).
2- مبرمج programmer يكتب بإحدى لغات البرمجة نصوصا تحدد سلوك الآلة.
3- هاكر hacker بالمعنى الإيجابي للكلمة، أي شخص قادر على تطوير البرامج، لديه معرفة كبيرة بلغات البرمجة، وقد يستعير من بعضها وحدات مستقلة/ وظائف/ تعريفات، كي "يؤلف" لغة برمجة جديدة، مختصرة أو سهلة الاستخدام، مثل لاري وول مبتكر لغة بيرل(9).
3- مؤلف يتعامل مع أوساط رقمية متنوعة، كأن يكتب نصوص الحملات الإعلانية عبر الهواتف المحمولة، الدراما التفاعلية للتليفزيون، ومقالات لصفحات الإنترنت.
4- مؤلف يستخدم برمجيات وأدوات رقمية بصفتها مكونا أساسيا لمفهوم عمله وطريقة تقديمه، كالشعراء الذين يكتبون بلغة بيرل ولغة ألجول للبرمجة، أو يبتكرون لغات تشعبية من شفرات الكومبيوتر وأيقونات الإنترنت ولغات/ لهجات مختلفة، مثل لغة ميزانجلي mezangelle، التي ابتكرتها الفنانة والشاعرة الاسترالية ماري آن بريز(mez)(10).
يصعب، إذن، إطلاق التعريف على جميع الكتاب الذين يستخدمون الكومبيوتر في الكتابة، وينشرون ما يكتبون على صفحات الإنترنت " مادام من الكتاب الورقيين من تصل أعمالهم إلى الشبكة ولو أنهم لا يتعاملون إطلاقا مع الحاسوب ولا الإنترنت، وتفد أعمالهم إلى الويب عبر المواقع الإلكترونية ذات الإصدار المزدوج: الورقي والرقمي"(11). يصعب أيضا إطلاقه على الكتاب الذين ينتجون "الأدب الرقمي"، فهذا المصطلح نفسه إشكالي، مثله مثل أي مصطلح مُرّكب من مفردة مضافة للرقمي أو الرقمية(12).
ما زالت التعريفات التقليدية صالحة لأن تميز الكتاب الذين يعتمدون على وسائط تكنولوجية في إنتاج أعمالهم وتوصيلها، الفرص الجديدة التي تعِد بها هذه الوسائط ليست هنا، ولعلها لا تكون حتى في دفعها للمتن باتجاهات هامشية في الكتابة، وُجدت من قبل ولا تزال موجودة كالتأليف الجماعي والتجريب، الفرصة الأهم ربما في توسعة مفهوم الكاتب من جهة علاقته بالنص وجمهوره.
يفقد النص المكتوب لصفحة إنترنت تلقائيا حالته النهائية الصافية، يصبح خيوطا من آثار مختلفة لايستطيع الكاتب أن يُمسك بها وحده. الجمهور قريب جدا يسهل الوصول إليه، ولا يبدو أنه سيقبل مجددا صورة الكاتب المستقل، ذلك الذي يطارد الإلهام في نعيم العزلة، وينتج نصوصا لقراء/ مستهلكين يشبهونه أو يفهمونه، تغير هذه العلاقة مهمة الكاتب من إنتاج نص مكتمل إلى إبداع "فضاء مشاركة" تتجاور الكتابة فيه مع عناصر أخرى، وتقوده بلاغات متعددة تشجع على تمثيل السياق وجذب الانتباه بطرق محسوسة.
توجد في السياقات النقدية الغربية، والموسوعات، أربعة مصطلحات لتعريف بلاغة الميديا الجديدة، هي:
البلاغة الرقمية Digital Rhetoric
البلاغة الإلكترونية Erhetoric
البلاغة المرئية Visual rhetoric
بلاغة الإنترنت Web Rhetoric
الرقمية والإلكترونية عموما مصطلحان مترادفان، وبلاغتهما تعني: فن الإقناع في وسائل الإعلام الإلكترونية، أو فن توجيه المحتوى- في أنواع جديدة من الخطاب، كالبريد الإلكتروني، صفحات المواقع، ألعاب الفيديو، المدونات، الويكي، والصور المعدّلة(13) - ليناسب الوسط الذي يُقدم عبره(الإنترنت).
البلاغة المرئية تطور لإطار نظري يصف كيفية تواصل الصور المرئية، باعتبارها مقابلا للرسائل الشفاهية، وتهتم بالعلاقة بين الصورة والنص( في الأفلام، الإعلانات، صفحات الإنترنت، إلخ). الصور في البلاغة المرئية تعبيرات عقلية عن المعني الثقافي، هذا ما يميز دراستها عن دراسة التصميم المرئي على الأقل، وإن كان المصطلح نفسه ينطوي على إشكالية، فهو يستخدم عادة لتعريف الأعمال الفنية غير النصية، بالرغم من أن أية علامة على سطح- ويشمل ذلك النص- يمكن اعتبارها مرئية(14).
يستوعب مصطلح بلاغة الإنترنت بقية المصطلحات، وجميعها تقريبا يشير إلى مفهوم واحد، "مزيج بلاغي"(15)من مكونات مستقلة أكثر من كونه نظرية متكاملة بحد ذاتها، "مجمع بلاغيي"(16) متعدد الأبعاد، يعتمد على الفروق بين تصميم الصفحة المطبوعة وصفحة الإنترنت(17) ، يتجه تركيزه إلى اختيارات الجمهور، توقع نمط استجابته بدلا من توقع طبيعته، والسماح له بالسيطرة على مبدأ الاستجابة ونظامها.
يحمل المفهوم وعدا بفضاءات جديدة للدراسات البلاغية التقليدية، قد يساعد في تفسير كيفية اشتغال استراتيجيات الإقناع/ التأثير في هذه البلاغة، عندما يُعاد تشكيلها في الوسط الإلكتروني، والأهم أنه يساعد في تفسير كيف يدعم الاتصال طرق التعبير عن الذات والإبداع المشترك. الفقرات التالية جزء من محاولة في هذا الاتجاه، مع فهم لبلاغة الإنترنت يعرفها بفضاء تأثير العلامة والاتصال، أيا كانت هذه العلامة، وتقسيم لفنونها في جانبين: الأول وظيفي(مجموع ما يجعل الموقع مُستخدما بسهولة من الزائرين، ومُفضلا لدى محركات البحث)، والآخر جمالي( الاعتبارات المرئية، النصية، والتفاعلية).
بلاغة صديقة غرض أي تعبير أن يستحوذ على انتباه المتلقي ويؤثر في عاطفته/ فكره/ سلوكه، هذه هي البلاغة التقليدية، فن استخدام الكلمات- شفاهة وكتابة- لإثارة مشاعر الآخرين أو إقناعهم بالتفكير في أمر ما.. الاعتقاد به.. أو فعله، من خلال قرارات بلاغية متنوعة، يُتخذ أكثرها في الحوار الشفاهي نتيجة الاتصال البصري/ السمعي بين المشاركين، وقدرة المتحدث على التقاط تلميحات ضرورية عن طبيعة المستمع واتجاهاته، كتوضيح الكلام له إذا لم يفهم، التورية والرمز إذا كان متحفظا، عدائيا، إلى آخر ما يضطر كاتب إلى توقعه ومراعاته في حال الكتابة.
أدى جمود التوقع واقتصاره على نماذج قراء بعينهم إلى وجود مسافة شاسعة بين الكتاب وجمهورهم العادي، غربة.. لا الافتراض/ التوقع يؤنسها، ولا رسائل القراء/ الندوات المتباعدة تبددها، والنتيجة الأخيرة انحسار نِسَب القراءة إلى حد يهدد فاعلية وجود الكتابة من جانب، ويروج من جانب آخر لمقولات لا تخلو من عدائية، مثل:"أكتب لنفسي"، "أكتب لقاريء يشبهني"، وغيرها من مقولات تبدو في الواقع كما لو أنها مفاهيم اضطرارية لانعدام الخيارات، منطق ضد منطق التفكير في التجربة والاعتراف بشرط تحققها الأهم: تقدير قاريء غير متوقع.
وفرت الإنترنت للكتّاب خيارات مؤثرة لتحديث توقعاتهم والتفاعل الفوري/السريع مع نتائجها، سواء بالاتصال المباشر وغير المباشر، أو بمعرفة التلميحات الضرورية عن الجمهور بطرق متعددة، منها على سبيل المثال مدخل تسجيلات الخادم الذي يوجد عليه الموقع، والذي يضمن الحصول على معلومات وافية عمن يتصفحونه في التو: عددهم، من أي جزء في العالم هم، مدة بقائهم على الصفحة، ومدى تفاعلهم مع المحتوى.
سرعة التفاعل مع جمهور معروف تجعل ظروف الكتابة للإنترنت أكثر شبها بالظروف الشفاهية، تشجع بطريقة ما عودة تقاليدها، بخاصة سهولة التعبير بإشارات غير لفظية وتعديل القررات البلاغية، كما تكفل للجميع حرية التعبير بطريقة مباشرة تتجاوز تعقيدات الحال مع الكتابة التقليدية، حيث ينبغي على أحدهم أن يطبع الكلام، على أحدهم أن يموله، على أحدهم أن يوزعه، وأخيرا على أحدهم أن يعلن عنه.
هناك الكثير من العمل والمعرفة الفنية اللازمة للوصول إلى قاريء، والكثير أيضا لم يعد ضروريا بفضل الإنترنت، ليس الكاتب مضطرا لامتلاك موقع شخصي، ليس لازما أن يكون مدعوا، يستطيع ببساطة أن يجد لنفسه فضاءات بديلة، يختار لتعبيره وحدات مرئية/ نصية/ سمعية، يضعها في نموذج بلاغي مناسب للوسط الإلكتروني، وينشرها بنقرة على زر. المشكلة الأهم أمامه أن يجد القاريء مسارا لكتابته في متاهة تشكلها بلايين الصفحات على الإنترنت، أي أن تكون بلاغته صديقة لمحركات البحث، وهذه المشكلة هي محور اهتمام "فن" السيو SEO Search Engine Optimization.
تُختصر العلاقة بين البلاغة الغربية التقليدية وبلاغة السيو في ذلك التشابه الواضح بين طريقة سقراط التعليمية ومحركات البحث على الإنترنت(18). ابتغت طريقة سقراط الحصول على المعرفة من خلال السؤال والجواب، وهذا ما تفعله محركات البحث، فالكلمات المفتاحية التي يضعها المستخدم في أي محرك تعبر من جانب عن الرغبة في المعرفة، ومن جانب آخر عن الأمل في أن يكون شخص ما قد كتب إجابة صادقة ترضي فضوله.
معظم البلاغيين في عصر سقراط كانوا أكثر اهتماما بإثبات جدلهم من ممارسة بلاغة نزيهة، كانوا أساتذة التمويه، من خلال تحوير الكلمات واستخدامها بطرق لا تمثل الحقيقة بالضرورة، المهم أنها تجعل حجتهم دامغة، أما سقراط فقد آمن باستخدام اللغة والجدل لاستكشاف الحقيقة، لا لمجرد الفوز، وكذلك تفعل محركات البحث التي تغير تركيبة بياناتها وتحدّث وسائلها باستمرار، لتمنع الممارسات المضللة، وتزود المستخدم بنتائج مفيدة تجنبه الذهاب لمواقع يحصل فيها على الذي لم يطلبه، أو لم يره على صفحة المدخل(19).
الحيرة أمام التدفق الهائل للمعلومات والنصوص سمة بارزة في عالم الإنترنت اليوم، والتحدي الأكبر هو جذب الانتباه لموقع بعينه- أو صفحة منه- ليس بالترشيح الشخصي عبر استخدام وصلة العنوان للتوقيع في رسائل البريد الإلكتروني، المقالات، دفاتر الزوار ومنتديات الحوار على المواقع الأخرى، حسب النمط السائد عربيا، بل بالترشيح الإلكتروني الذي يعني حصول الموقع على ترتيب عال في نتائج محركات البحث.
يعتبر محرك جوجل أكبر محرك بحث على الإنترنت، إذ يبلغ محتواه ما يقرب من عشرة بلايين صفحة(20) ، وهناك ارتباط مجازي بين اسمه والنجاح في جذب الانتباه، فالنجاح في عرف مشرفي المواقع والمدونين يعني الحصول على كمية وفيرة من "عصير جوجل" Google juice(21)، أي تلك المادة الشبحية التي تتدفق بين صفحات المواقع ووصلاتها التشعبية في الاتجاهين، وتشير إلى مقدرة موقع ما على أن يظهر ضمن المداخل العشرة الأولى في نتائج البحث، بخاصة على محرك جوجل(22).
يقدر جوجل أهمية المستندات/ الصفحات اعتمادا على:
*كيف يعثر المستخدمون عليها: عن طريق محرك البحث، نسخ عنوان الموقع من صفحة أخرى، اتباع وصلة تشعبية، اختيار مؤشر من قائمة المفضلات المحفوظة في المتصفح.
*ما الذي يفعلونه حين يصلون إليها: يقرأون، ينسخون، يتصلون بصاحبها، يضيفون لمحتواها.
*أي جزء من الصفحة أو الموقع يستقرون عليه، وما الوقت الذي يستغرقونه(23).
تستهدف هذه النقاط تقييم وظيفية الموقع، أو قابلية الاستفادة منه، سواء كان غرضه الترويج للذات (أفكارها، إبداعها الثقافي، منجزاتها العملية)، الترويج لمنتج (تجارة إلكترونية)، أو الترويج لخدمة (إنسانية عموما). الموقع يشتغل/ يوجد حين يُرى، والرؤية تتأثر كثيرا بكيفية ارتباط الموقع بمواقع أخرى، عبر الوصلات التشعبية، كيفية ارتباط المواقع الأخرى به، وكيفية ارتباط صفحات الموقع فيما بينها، لذلك تعتبر الوصلات التشعبية عاملا مهما في جذب انتباه المتصفحين، مثلها كمثل جودة محتوى الموقع والخدمات التي يقدمها، إن لم تكن أهم بسبب إمكانية ضياع الجودة في الزحام، لكن الوصلات مجرد وحدة في التصميم، تقنية من جملة تقنيات السيو أو الجانب الوظيفي من بلاغة الإنترنت.
قد تعادل السيو قائمة أفضل المبيعات وشباك التذاكر في عالمي الكتب والسينما، باعتبار أن هذه القائمة تمثل نوعا من الإرشاد للتقنيات المساعدة في نجاح أي كتاب أو فيلم جماهيريا، وإذا رجعنا إلى تعريف بلاغة الإنترنت المقترح أعلاه (تأثير العلامة والاتصال معا بمجموع ما يجعل الموقع قيّما مُستخدما بسهولة من الزائرين ومفضلا لدى محركات البحث)، سنجد أن موقع السيو من بلاغة الإنترنت يُقارب موقع علم المعاني من البلاغة العربية التقليدية، أو تركيب خواص الكلام على مقاماته، بتقدير أن إمكانية تصفح الموقع هي التعبير المرئي لتركيبه.
الغرض من السيو تجنب الأخطاء التي تحول بين الموقع ورؤية المستخدمين له عن طريق محرك البحث، لكن الأصل في بلاغته إقرار أوليّ بأن المواقع تُبنى للبشر، لا لمحركات البحث، ثم تصميم وديّ يهدف لجذب الزوار واكتساب انتمائهم، الذي يقود بالضرورة إلى شهرة الموقع وحصوله على ترتيب عال يعكس مدى تواصليته. أن يكون الموقع مُصمما بطريقة ودية، يعنى تأمين سهولة الوصول إليه وتصفحه بعناصر كثيرة، منها:
1- عدم استخدام الفلاش Flash في الصفحة التمهيدية، حيث يُقال "انقر للدخول" أو "انقر لتجاوز المقدمة"، لأن زاحف محرك البحث search engine crawler لا يذهب لأبعد من هذه الصفحة، وبالتالي لا يدرج الموقع في قائمة النتائج. أيضا تجنب استخدام الجافا سكريبت، فالشيء نفسه يحدث هنا، محركات البحث تضل طريقها في الشفرة المعقدة التي تولدها الجافا وهذه هي نهاية زاحفها على الموقع.
2- استخدام مستعرض نص text browser لاختبار الموقع، وضمان ألا يفيض النص عن الإطار، فيضطر القاريء لتحريك المؤشر بطريقة مرهقة بين بدايات الأسطر ونهاياتها ثم بين بداية النص ونهايته. محركات البحث ترى الموقع بطريقة مشابهة لظهوره في المستعرض، وإذا لم يستطع القاريء رؤية الصفحة كاملة فغالبا لن يتمكن المحرك من الوصول إليها.
3- تضمين الموقع خريطة site mapكي يسهل على الزوار التجول فيه، وتقديم معلومات كافية حول: كيفية التواصل مع صاحبه أو المشرف عليه (بالتليفون، البريد الإلكتروني، العنوان البريدي) إضافة إلى قواعد المشاركة والحصول على خدمات العضوية.
4- التأكد من استخدام التصفح النصيّ مع الطرق الأخرى للتصفح- مثل خرائط الصورة image maps أو القوائم المنسدلة pull down menus – وتحميل الشاشة بثلث كمية النص الذي تحمله ورقة بالحجم نفسه، 250-300 كلمة تقريبا، لا يحب الناس قراءة نص يتكون من فقرات طويلة على الشاشة، بل يفضلون العناوين والفقرات والجمل القصيرة، إضافة إلى التعليقات التي ترافق الصور واللوحات.
5- عدم وضع وصلات كثيرة في الصفحة الواحدة، بحد أقصى مائة وصلة، مع التأكد من أن جميع الوصلات تعمل، ثم وضع وصلات للمواقع الجيدة التي تحظى بشعبية كبيرة، لأن هذه المواقع ستبدو كما لو أنها "ترشيحات" معتمدة، وكلما كان محتواها مناسبا للموقع الذي يضعها كلما زادت القيمة الممنوحة له من محركات البحث.
6- اختيار كلمات مفتاحية شعبية، تتعلق من جهة بالغرض الأساس من الموقع، ومن جهة أخرى تشبه ما يُستخدم عادة للبحث عما يقدمه هذا الموقع، ثم تشفيره بها، عن طريق نثرها في الصفحة الرئيسية على الأقل (العناوين الرئيسية والفرعية وقالب النص) بطريقة مناسبة تبدو عفوية، مع ملاحظة أن نجاح هذه القاعدة يتوقف على اختيار الكلمات التي يُحتمل استخدامها من قبل الجمهور المستهدف، وفي الوقت نفسه لا تسحب عددا كبيرا من مواقع تعمل في المجال نفسه أو تقدم موضوعات مشابهة(24). اعتبارات جمالية قاريء صفحات الإنترنت كاتب- حسبما ورد أعلاه- و"القراءة" نفسها ليست شرطا وحيدا لما يحدث عندما نطالع نصا إلكترونيا، لأن ما يُقرأ لم يعد بنية عضوية وخطية، هذه البنية التي قُدرت كثيرا في البلاغة التقليدية كانت منطقية، إذا تجاوزت فقرة من النص يتوقف عن إنتاج معناه، وإذا غيرت فيه يفقد براءته، فيتحول إلى تابع مُدان(25)، بلاغة الإنترنت تقوض هذه المنطقية، ليس لأن المتصفحين يقرأون صفحات الإنترنت بطريقة مختلفة عما تعلموا قراءة المطبوعات بها، فحسب، بل- أيضا- لأنهم يكتبون أنواعا جديدة من الخطاب بأساليب تضع اعتبارات المرئية والتشعبية في صدارة الاهتمام.
لا تشتغل الكلمات في وسط الإنترنت بالطريقة التي اعتدنا عليها، بل تذوب- مع المحتوى- في التصميم المرئي، سطوة الكلمات المستمدة من المسيرة المحايدة للأبجدية الصوتية والتتابع المنطقي للجمل- تراجعت أمام سطوة الأيقونات والصور المحملة بالأفكار والانفعالات، بخاصة في أوساط غرف الدردشة/ المحادثات الفورية، والمنتديات، حيث تنتشر كنايات مرئية تحيل المعنى للسياق بدلا من اللغة نفسها، مثل:
*التعبيرات الأيقونية Emoticons: وهي طريقة لتحويل الحالات العاطفية إلى هيئة نص، تشتمل على أشكال بسيطة لوجوه- ثابتة أو متحركة- تحمل تعبيرات متنوعة( وجه مبتسم، غاضب، مندهش، ساخر، إلخ)، يمكن استخدامها لإضافة المعنى إلى الجملة، وللاستغناء عنها تماما(26).
*الصور gifs: تصميمات أيقونية جاهزة يُكنى بها عن جمل كاملة، وتستخدم كهدايا لأطراف الحوار، مثل الزهور والقهوة والحلوى، أو كتقييم لما يقال:
وضوح النص في هذه السياقات أفضل من جودته، الجمل الكاملة/ الفقرات المحكمة/ المحسنات البديعية تغدو عبئا ثقيلا على النص يهدد استمراره، والتفاهم المشترك متاح بدون صفاء النص واكتماله، كما في حالة الاختصارات Acronyms المتعلقة بالتعبيرات الأجنبية المتكررة، لوصف أفعال تتخلل الحوار مثل: lol: laugh out loud، أو لتجنب كتابة تعبيرات شائعة، مثل:IMHO: in my humble opinion .
الكنايات اللغوية تعبير عن قيم ورغبات وسياقات اجتماعية، وبالمثل الكنايات المرئية تعبر عن قيم أساسية كالدقة وتقدير الوقت، رغبات في إضافة العمق للتواصل وتسريع زمنه، وسياق اجتماعي تقوم معرفة اللغة الإنجليزية فيه بدور كبير في نشأة العلاقات وتعزيز التفاهم، إنها بديل للإشارات الجسدية عند التواصل وجها لوجه، محاولة لإقحام النص في تجربة حسية، وإعادة تشكيل الكتابة بشروط الشفاهية الثانوية(27).
التمرير السريع للأفكار والمفاهيم، في زمن محدود وبضربات قليلة على لوحة المفاتيح، التلقائية، التركيز على اللحظة الحاضرة- مبادىء أساسية في الكتابة للإنترنت، لأن السياق المتدفق يتطلب تعليقات عاجلة، لا يوجد مجال للاستطراد والشرح، هناك ضرورة تقنية لأن يكون التعبير موجزا واضحا، وإمكانية تقنية تيسر إعادة إنتاج العبارات شائعة الاستعمال والحالات العاطفية في هيئة مجموعات من الحروف والأشكال، يضمن بها الكاتب أن يكون لتعبيره تفسير واحد يقصده.
المرئي والنصي لا يجتمعان دائما بسهولة، فالأيقونات والصور تميلان عادة إلى إزاحة الكلمات بعيدا، لكن زحزحة النص للاتصال عبر الإنترنت ليست بجديدة، فقد طورت العصور القديمة رمزية منفصلة عن الكلمات لخدمة جمهور أميّ، رسومات المساجد والكنائس مثلا، كانت نصوصا معقدة مُعدة للقراءة في فضاء مقدس، استمدت هي نفسها بعض القداسة من موضوعاتها الدينية، وفي تاريخ الكتابة كانت هناك دائما أنواع تدمج الكلمات مع الصور، الصحف، القصص المصورة، والكتب الأدبية عموما.
أقامت هذه الأنواع كلها علاقة غير متكافئة بالصور، بصفتها ملحقات تابعة للكلمات، فالنص هو مجال تحديد الأفكار الأكثر أهمية، والصور تحتل مجالا مختلفا، هامشيا في الغالب، لتأكيد أن الأدب نصوص، ونصوص متميزة نوعيا. ظهور السينما والتليفزيون، ثم الكومبيوتر والإنترنت، جعل عدم التكافؤ ينقلب لصالح الصور، ساعد على التوجيه أكثر فأكثر نحو المرئية، وتحرير الصورة من النثر الذي برّر وجودها، لا تملك الكلمات الآن سلطة فعالة، والنتيجة اختلاف الممارسة البلاغية التقليدية، واضطرار النص لتأكيد شرعيته في فضاء توشك الأنماط المرئية من التمثيل أن تسيطر عليه.
يحضر النص مع المواد المرئية في صفحة إلكترونية واحدة، بعدما تم التأليف بينهما بلغات برمجة مختلفة، ثم يتعرض من قبل القراء لنوع آخر من التأليف، إذ يشملون الصفحة كلها بالنظر في ثوان معدودة بغية اختبارها، لا يقرأون من أعلى اليمين فيسارا- أو العكس- وإلى أسفل، بل يقومون عادة بالتلخيص والتجاوز وفقا لأنماط متقاربة(أشهرها:حركتان أفقيتان وحركة رأسية)(28) تسهم في تفكيك بنية النص وتهميشه، وتحول قراءته لما يشبه عملية "المسح" الآلي لكائن هلامي على الشاشة، مادة أولية- مهما كانت درجة تنظيمها ويقينها - تُستخدم في أبنية أخرى، بالاقتطاع منها أو الربط إليها تشعبيا، تُنسخ، وتتعرض أبوتها للمحو نتيجة التكرار اللانهائي لعملية التأليف.
ما الذي يمكن أن يميز النص الجيد على صفحات بهذا القدر من الحيوية؟ من الصعب الإجابة عن هذا السؤال في ظل الاستخدام السائد لصفحات الإنترنت باعتبارها نافذة نشر بديلة عن الكتب والدوريات المطبوعة، وبالتالي عدم وجود اختلاف في طبيعة الكتابة نفسها، لكن يمكن المحاولة بالبدء مما يميز الكتابة التقليدية، فالإنترنت في النهاية منتج ثقافي بشري، وأية مناقشة لملامحه لا بد أن تؤسس على أرضية واقعية.
اعتبارات النص الجيد على الإنترنت- إذن- تبدأ من اعتبارات النص الجيد في كتاب أو دورية. اعتبارات الجودة متغيرة ومُختلف عليها، فهي "استحسانات عرفية" بتعبير البلاغيين القدماء، وإن وجدت معايير عامة تتعلق بسبب وجود النص وشكله يمكن إجمالها في: الغرض، المحتوى، التركيب، جماليات الأسلوب، والجمهور المستهدف.
الغرض سبب وجود النص، ولكل نوع أدبي غرض أساسي يوجه تقنياته الأهم، ولا يمنع ذلك وجود أغراض أخرى، غرض الرواية على سبيل المثال التسلية، غرض المقالة الإعلام، غرض الإعلان الإقناع بالشراء، وهكذا. يستدعي الغرض محتوى النص ويدعمه بالتركيب المناسب، حبكة السرد ونمو الشخصيات من ضرورات الرواية الجيدة، كذلك طرافة الموضوع ومنطقية العرض في المقالة، أو تصوير المعاناة بدون المنتج في الإعلان. أما الأسلوب، لغة وبلاغة، فهو مجال التمايز بين كتاب النوع الواحد، وتحمل طبيعة الجمهور المستهدف نوعا من الإرشاد له، فالنص المكتوب لمراهقين يختلف عن النص المكتوب لبالغين، وأسلوب النص الواحد يمكن أن يختلف في الصحيفة عنه في كتاب.
تطبيق هذه المعايير على النص المكتوب لصفحة إنترنت مجرد نقطة بداية، لأن الوسط فريد بحد ذاته، ما زال يطور معاييره الخاصة التي تتوافق مع طبيعته، ولأن العلاقة بين الكاتب والنص تغيرت بتغير الوسيط، لكي يوجد النص على الصفحة- فحسب- لابد أن يكون لدى الكاتب فكرة عما يتوقعه الكومبيوتر وما يستطيع عمله، والكومبيوتر بالمثل لابد أن يحمل في تصميمه بعض المعلومات عن أهداف الكاتب وسلوكه(29).
صورة الوسيط في ذهن الكاتب وفهم الوسيط للكاتب جزء تأسيسي من تصور النص وتجلياته المحسوسة، لم يعد الوسيط مادة جامدة، صافية، خاضعة لتوقعات الكاتب وقراراته، بل عقلا آخر له توقعات/ قرارات مختلفة يكشفها مُسبقا في هيئة الصفحة على الشاشة. تعتمد الهيئة على نظام التشغيل المستخدم في جهاز الكومبيوتر، نظام النوافذ Windows على سبيل المثال تحمل صفحته هذه المهام الاستباقية:
-شريط العنوان: تغيير حجم الصفحة أو إغلاقها(أيقونة قائمة التحكم). تصغير الصفحة وتحويلها إلى زر في شريط القوائم(زر تصغير). تكبير النافذة إلى أقصى حد بحجم الشاشة(زر التكبير). إغلاق الصفحة النشطة(زر الإغلاق).
- شريط القوائم(ملف، تحرير، عرض، إدراج، تنسيق، أدوات، جدول، إطار، تعليمات) : قائمة التحرير مثلا عبارة عن أوامر تساعد الكاتب في تنقيح النص: التراجع عن كتابة كلمة، قص جزء لتغيير موقعه في النص، لصق، نسخ، حفظ، مسح، تظليل النص كله لتغير نمط الخط/ لونه/ درجة وضوحه، بحث عن كلمة، استبدال كلمة بأخرى، الانتقال إلى فقرة أو صفحة، إضافة ارتباط تشعبي، إرفاق كائن أو صورة.
- شريط الأدوات: ويضم بعض الأوامر القياسية الموجودة في القوائم، التي يستطيع الكاتب تخصيصها ليصل إليها بسرعة، مثل: إدراج هوامش، معرفة عدد الكلمات، إجراء تدقيق إملائي ونحوي، البحث عن مرادفات، مقارنة الصفحة أو دمجها بغيرها، تعقب جميع التغييرات التي قام بها، إلخ.
- مساحة الكتابة أو نافذة المستند نفسه: تعديل حجمها والتحرك بحرية في الاتجاهات الأربع بين محتوياتها عن طريق المؤشر وأشرطة التمرير العمودية والأفقية.
الصفحة من قبل الكتابة إذن تصبح فضاء لقاء بين كاتب ومصمم، ثم أكثر من مصمم عند نشرها على الإنترنت، حيث تتحول تلقائيا إلى مستند في ملف يوضع في مخزن جهاز الخادم، حتى يعثر قاريء ما على مدخل إليها، فيراها في نافذة المتصفح بهيئة مختلفة، قد تصبح النافذة كلها، إطارا مفتوحا ضمن إطارات متعددة فيها، أو زرا/ وصلة تشعبية لابد من الضغط عليها لقراءة النص، وفي جميع الأحوال تصبح عقدة في شبكة علائقية، مرئية ومتشعبة.
اعتمدت الكتابة- والكلام- دائما على علائقية من نوع ما، التلميح مثلا تقنية شائعة تشتغل عن طريق صنع علاقات. التلميح الجيد يستدعي إلى ذهن المتلقي سياقا مستقلا/ حقيقة/ حدثا/ نصا ويربطه بالموضوع محل القراءة أو النظر، لكن التلميح يصنع علاقات ضعيفة، لاعتماده على إمكانية الفهم، في حين أن الشاهد، سواء كان اقتباسا أو إشارة مرجعية، يصنع علاقات قوية لصالح النص والقاريء معا، النص يتسع حدودا والقاريء يزداد معرفة، ومع ذلك يظل النص جسدا متماسكا، خطيا، يخص كاتبا بعينه، ويظل القاريء موضوعا للتلقي السلبي ونفوذ الكاتب.
النص المكتوب لصفحة إنترنت يتيح نوعا ثوريا من العلاقات التركيبية والجمالية، بخاصة عندما يكون تشعبيا، متعدد الخطية عالقا بنصوص/ مواد أخرى، إذ يمنح إدراكا عمليا للتناص، يغير الحدود التقليدية بين النصوص من جانب وبين المؤلف والقاريء من جانب آخر على مراحل مختلفة:
1- نص مقسم إلى أجزاء، كل جزء على صفحة إنترنت. إذا كانت الأجزاء متعلقة ببعضها البعض في تتابع خطي( الجزء الأول مع وصلة للجزء الثاني، ثم الجزء الثاني مع وصلة للجزء الأول ووصلة للجزء الثالث، وهكذا) يكون الكاتب ببساطة قد قام بتشكيل كتاب في وسط جديد، لكن بخطية أشد صرامة من كتاب، فالكتب تتيح مداخل عشوائية، ويستطيع القاريء القفز من أية صفحة إلى أخرى في أي وقت. هذا النوع من نص الإنترنت يحصر نظام القراءة في اتجاه محدد سلفا، دور القاريء اتباعه، ومفهوم الكاتب/ النص المستقل لم يتغير عما في عالم المطبوعات.
2-نص كالسابق مقسم إلى أجزاء، كل منها موجود على صفحة إنترنت، لكن هذه المرة يتم ربط الأجزاء بطرق متعددة الخطية، في شبكة داخلية من العلاقات المتنوعة بين الأجزاء، النص عند هذا المستوى من التشعبية لم يعد واحدا، فاتباع أي خيط سردي سينتج نصا مختلفا، والقاريء ازدادت قوته بوجود خيارات متعددة لكيفية الاستمرار في النص واضطلاعه ببعض مهام الكاتب في تنظيم النص، وهذا يغير دور كليهما نوعا ما، فما زالت خريطة النص بيد الكاتب ومازالت حدوده متماسكة، نظرا لعدم وجود وصلات لنصوص أو مواد خارجية .
3- نص مقسم في صفحات، أو موجود في صفحة واحدة، يتم ربطه بمادة خارجية لكاتب آخر، حدود النص في الحال تصبح مسامية، وتتغير كل المفاهيم والأدوار، القاريء يحدد تتابعية محتويات النصوص، والنص الواحد يصبح نقطة انتقال، يتموضع في شبكة تسمح بالانزلاق بين مواد كتبها أشخاص متعددون، بدون أن يدرك القاريء ربما أنه يتنقل.
4-نص متشعب مكتوب ابتداء من قبل مؤلفين متعددين، نموذج نادر، لكنه يمثل تحديا أكبر لمفهوم النص، يمنح القاريء سلطة تشكيل مساره ومحتواه كاملا، فيحرره من نموذج الاتصال التراتبي، إرسال واستقبال، حسب قواعد البلاغة التقليدية بتصنيفها شبه العدائي له (خالي الذهن، متشكك، منكر)، وتلهم الكاتبَ البحث عن نماذج تفوق الاستجابة السلبية رهينة القبول غير المشروط .. التردد في التصديق..أو الإنكار.
أية محاولة لاختبار نماذج بلاغية تناسب الكتابة للإنترنت لابد أن تبدأ من نقطة قوتها: أنها وسط مرئي تفاعلي، نقلة مهمة تستوعب مزايا الكتابة التقليدية ولا تنفيها، المسائل التكنولوجية مجرد أساسيات في هذه النقلة، ما يمنحها قيمتها هو كيفية تفاعلنا مع الحساسية الجديدة التي تفرضها التكنولوجيا، تجاوز وضعها في منافسة مرهقة مع حساسيات سابقة، وتشجيعها أكثر وأكثر على الممارسة الجماعية للتفكير النقدي وحرية التعبير.
هوامش ومراجع

1- يؤسس المستخدم بالدخول إلى شبكة الإنترنت اتصالا بين جهازه الشخصي ومزود الخدمة- موقعا برقم مخصوص يشبه البصمة (ISPn) ويمكن الاستعانة به في المحاكم، لتعريف هويته وإثبات خبراته غير القانونية على الشبكة، أو من قبل شركات الإعلان لمعرفة عاداته في التصفح وبالتالي أنسب الطرق لجذب انتباهه.
2- انظر: LITERACY SKILLS IN THE AGE OF GRAPHICAL INTERFACES & NEW MEDIA, Susan B. Barnes:
http://www.helsinki.fi/science/optek/1996/n3/barnes.txt
3- انظر: How to communicate to a post-literate world, Margaret E. Duffy
http://www.thefreelibrary.com/How+to+communicate+to+a+post-literate+world-a011582801
4- انظر: Visual Literacy
http://www.kn.pacbell.com/wired/21stcent/visual.html
5- انظر: Understand Media
http://www.carmelinafilms.com/undermedia/articles.htm
6- انظر: Critical Visual Literacy- Multimodal Communication Across the Curriculum, Barb Blakely Duffelmeyer& Anthony Ellertson:
http://wac.colostate.edu/atd/visual/dufflemeyer_ellerston.cfm
7- The Medium is the Message هو العنوان الأصلي لكتاب مارشال مكلوهان، المشهور بعرّاف العصر الإلكتروني، لكن خطأ طباعيا حول العنوان إلى "الوسط هو التدليك" massage، حسبما قال ابنه إريك، ورضي المؤلف بالخطأ لأنه يعدد قراءات الكلمة. انظر صفحة الأسئلة الشائعة على موقع مكلوهان: http://www.marshallmcluhan.com/faqs.html
8- انظر على سبيل المثال: http://www.atbymjm.com/Digitalwriter_readme.html
9- انظر الصفحة الرئيسية من موقع لاري وول: http://www.wall.org/~larry/
10- انظر موقع ماري آن بريز: http://www.javamuseum.org/mez/solo/index.html
11- د. محمد أسليم، مفهوم الكاتب الرقمي ونظرية الواقعية الرقمية:
http://www.arab-ewriters.com/?action=library&&type=ON1&&title=3344
12- انظر: الرقمية والرقمنة، عبير سلامة:
http://www.arab-ewriters.com/?action=library&&type=ON1&&title=3342
13- انظر: What "digital rhetoric" mean?، Elizabeth Losh
http://www.digitalrhetoric.org/what1.html
14- انظر: http://en.wikipedia.org/wiki/Visual_rhetoric
15- Zappen, James P. "Digital Rhetoric: Toward an Integrated Theory:
http://www.rpi.edu/~zappenj/Rhetoric/DR/Readings/DigitalRhetoric2005JPZ.pdf
16- Four Axes of Rhetorical Convergence, by Anders Fagerjord:
http://www.brown.edu/Research/dichtung-digital/2003/issue/4/fagerjord/index.htm
17- انظر:Differences Between Print Design and Web Design, Jakob Nielsen:
http://www.useit.com/alertbox/990124.html
18- Socrates and SEO - A Match Made in Heaven, Mary Anne Donovan:
http://ezinearticles.com/?Socrates-and-SEO---A-Match-Made-in-Heaven&id=115546
19- السابق، نفسه.
20- انظر: Web: Google searching 9,105,590,456 pages, JEAN VERONIS: http://aixtal.blogspot.com/2005/01/web-google-searching-9105590456-pages.html
21- استوحت شركة جوجل من هذا العصير في أبريل 2005، موعد كذبة أبريل، دعابة ترويجية- لخدمة بريد جوجل- أطلقت عليها جرعة جوجل Google Gulp وهو عصير خيالي ذو أربع نكهات يرفع نسبة ذكاء من يشربه.
انظر: Google's hoaxes
http://en.wikipedia.org/wiki/Google%27s_hoaxes
22- يقوم نظام تصنيف الصفحات في جوجل Google PageRank بدور كبير في ترتيب نتائج البحث المعطى، وفقا لقيمة عددية تمثل شعبية المواقع، ويعمل بواسطة حساب عدد المرات التي تم فيها ربط موقع ما إلى مواقع أخرى، أي عدد الوصلات التشعبية التي تحيل إليه، وفي الوقت نفسه حساب مقدرة المواقع المُحيلة نفسها على أن يُحال إليها من مواقع أخرى، وتترجم الوصلات على أنها أصوات/ ترشيحات، ثم يتم تقييم أهمية الصفحة حسب عدد الأصوات التي تستقبلها، وتنال الصفحات ذات العدد الكبير من الوصلات مزيدا من العصير، فتعكس مدى تواصليتها، والتواصلية تعني النجاح بمعايير عصر ما بعد المعلومات، مع ملاحظة أن محرك جوجل لا يحسب جميع الوصلات التشعبية الموجودة على الموقع المراد تصنيفه، ولا يحسب كل المواقع، بل يقوم بفلترتها ومن ثمّ حجب بعضها، إما عقابا لها بسبب مخالفة وإما لعدم حصولها على أية كمية من عصير جوجل، أكثر محركات البحث لديها أسباب للفلترة، ما يعني أن الاعتماد على الوصلات وحدها لتصنيف المواقع قد يقدم تصورات غير دقيقة عن القيمة الفعلية للمواقع.
لمزيد من المعلومات عن نظام جوجل لتصنيف الصفحات، أنظر:
http://www.google.com.eg/intl/ar/corporate/tech.html
23- انظر: Usability Strategy and Search Engine Optimization, Jim Hedger: http://searchenginejournal.com/index.php?p=2572
انظر أيضا: Historical Data and Google Ranking, Jim Hedger :
http://news.stepforth.com/whitepaper/google-patent-may05/google-whitepaper.php
24- SEO General Guidelines, Andreas Obermueller:
http://ezinearticles.com/?SEO-General-Guidelines&id=185087
SEO and Your Web Site, Alan K'necht:
http://www.digital-web.com/articles/seo_and_your_web_site/
How to Get Good Search Engine Rankings, Michael Bluejay:
http://websitehelpers.com/seo/
25- ارتبطت الروايات المختلفة لنص واحد في تاريخنا الأدبي بعامل أخلاقي، فوُصفت بالتعدي والتلفيق والتشويه، واُعتبرت "الرواية" في الغالب نصاً غير شرعيّ، بالقياس إلى أصل بريء، غير أن محدودية اللغة وتقاليد الكتابة تقترحان حصر الإبداع في عملية تغيير أصل سابق- بوعي أو بدون وعي- جزئياً فيما يتصل بالمفردات، والعلاقات التي تصل بينها، وكلياً في إطار المعنى العام المراد استخدامها لتبليغه.
تؤكد الكتابة للإنترنت هذا الاقتراح، عندما تجعل النص معادلة لمركبات حساسة، تعديلها لابد أن ينتج مركبا مختلفاً، تغيير حرف واحد في مستند إلكتروني يضيف إلى ذاكرة الكومبيوتر مستندا جديدا، إرفاق وصلة تشعبية بنص تقليدي يبدل فلسفته، إمكانية "النسخ" المفرط للنصوص تنزلها من عليائها، يتم ذلك وغيره بتلقائية يبررها أن البيئة الإلكترونية تعتبر الشخصية الفردية أكثر أهمية من الأبوة، وتحرر النصوص للتداول بصفتها فرصا إبداعية لا ممتلكات.
26- انظر نماذج لتعبيرات أيقونية: http://www.emoinstaller.com/installers.shtml
27- انظر:الشفاهية والكتابية، والتر ج. أونج، ترجمة د.حسن البنا عز الدين
سلسلة عالم المعرفة، الكويت، فبراير1994، ص196-197.
28- انظر: F-Shaped Pattern For Reading Web Content, Jakob Nielsen:
http://www.useit.com/alertbox/reading_pattern.html
29- ليس الكومبيوتر محدودا بوظائفه، بل لديه إمكانات التوافق مع شروط وظائف غير محدودة، وإذا كان المبرمج أداة الآلة للتعبير الوظيفي عن ذاتها، فيمكن اعتبار الكاتب الذي يستخدم لغة برمجة في إنتاج عمله أداة الآلة للتعبير الجمالي عن ذاتها، الشعر المكتوب بلغة بيرل أو ألجول محاكاة لسلوك الكومبيوتر، ربما لا يزيد عن كونه أحد الأشكال الفنية الافتراضية التي تنطوى عليها البرمجة، ودور الكاتب هو مجرد "النقر" عليها.


د. عبير سلامه