من دولة الرعية الى دولة المواطنة

بقلم: معقل زهور عدي

في الاسباب الاجتماعية لضعف معارضة الاستبداد العربي تكمن مسألة على غاية من الأهمية هي غربة فكرة المواطنة عن العقل الجمعي العربي، فالعقل الجمعي العربي لم يتمثل حتى الآن فكرة المواطنة، بل مازال ينظر اليها كجزء من منظومة أفكار غربية دخيلة وبالتالي فهو في أحسن الحالات يرغب في الاحتفاظ بمسافة كافية بينه وبين تلك الفكرة، فاذا كان لا يمانع في تفحصها بحذر شديد فهو في ذات الوقت لا يشعر بولاء نحوها، فهي ليست منه، ولا يجد من واجبه حمايتها والدفاع عنها، هنا عثر الاستبداد على أرضية لا يجاد تعايش مع العقل الجمعي العربي، فالفرد العربي يشعر في أعماقه أنه لاحق له تجاه السلطة، فالسلطة مثل السلطان، هي شيء شبيه بالقدر، أو بالأب في الأسرة، فمن يناقش الأب في سلوكه هو ابن عاق، ناكر للجميل، وموقفه مدان بالمعيار الديني والأخلاقي.
مع بعض الاستثناءات، دائما كان العقل الجمعي العربي قريبا من هذا الشعور، دخلنا تجربة الديمقراطية في الخمسينات في سورية لكننا لم ندخل مفهوم المواطنة، أو بالحد الأدنى منه، هذا الحد تبخر سريعا، ليعود العقل الجمعي الى كهفه القديم، مفهوم الرعية.
في المشروع النهضوي العربي الأخير المنتكس ونعني به المشروع القومي للناصرية أساسا والبعثية بدرجة أقل، لم يلتفت أحد الى ترسيخ مفهوم المواطنة، كما الديمقراطية، اليوم ندفع الثمن، ما تركناه وأهملناه عاد أمامنا كمهمة لابد من انجازها، بل كشرط لأي نهوض جديد.
العقل الجمعي العربي لابد ان يتغير، في الحقيقة المسألة مرتبطة بالنخب الثقافية والسياسية، المشكلة أنه يوجد نوعان من تلك النخب، نخب تحمل فكرة الديمقراطية والمواطنة لكن لايهمها أمر نشرها في المجتمع بقدر ما يهمها توجيهها نحو السلطة فهي تستعمل تلك المفاهيم كسلاح للمعارضة، بينما تنظر للمجتمع من فوق، هي تقول ضمنا (اف لهذا المجتمع المتخلف، دعونا منه)، ومن ثم تقوم باستبدال المجتمع الواقعي بمجتمعها الخاص المغلق على ذاتها، مجتمع المثقفين، في الحقيقة هي حينما ترتاح لنخبويتها ترتكب خيانة بحق رسالة المثقف الحقيقي الموجهة نحو تغيير المجتمع.
أما النوع الآخر من النخب فهو الذي آثر السلامة فلحق بركب المسلمات والموروثات للعقل الجمعي العربي، فهو باندماجه التام بالمجتمع يرسخ دون وعي مفاهيمه البالية التي تحتاج للمراجعة، كما لا يعود قادرا على حمل الأفكار الجديدة اليه بل مواجهة تلك الأفكار ومقاومتها.
لنعترف أن ثمة مفاهيم لم تعد قاصرة على الحضارة الغربية بل أصبحت مفاهيم عالمية الطابع، علما بأن الحضارة الغربية ذاتها لم تكن حضارة معزولة عن سياق التطور الانساني بل مجرد حلقة فيه، على أية حال فبالنسبة لمفهوم المواطنة فقد نشأ كما نعرفه بعد عصر النهضة وتبلور مع الثورة الفرنسية وأفكار روسو و مونتسكيو لكن جذوره تمتد لأبعد من ذلك بكثير، نحو الديمقراطية اليونانية ومفهوم أرسطو للمواطن.
لماذا أردت الاشارة لجذور مفهوم المواطنة ؟ في الحقيقة للقول ان الاعتراف بتلك الجذور يتضمن بحثا تحت المفاهيم المدرسية للمواطنة، تحت النصوص، وكما قال رزنبرغ: "المواطنة لم تخرج من كتاب واحد بصورة كاملة بل قد خرجت من كتب الدين، النظريات السياسية والقانونية، التهذيب الأخلاقي، وحتى من الشعر الملهم البطولي.."، مثل ذلك البحث قد يقودنا لمعرفة جذور دينية – ثقافية للمواطنة مرتبطة بحضارتنا بحيث لايتم تقديم المواطنة كمفهوم كلي الاغتراب.
في صراعها مع مفهوم الرعية تتميز المواطنة بوعي الانسان الفرد لحدود السلطة، لواجبها، ولحقه هو في هذه السلطة وكما يقول أرسطو: "المواطن الصالح يجب ان تكون عنده المعرفة والقدرة على ان يحكم ويحكم"، في المقابل يعني مفهوم الرعية تنازل الانسان عن حقه في السلطة، وارتضاءه أن يكون محكوما فقط، العقل الجمعي العربي حتى الآن يميل للتنازل عن الحق في السلطة ليس فقط بدافع الخوف ولكن لعدم تمثله لمفهوم المواطنة.
عندما يجري الحديث عن الديمقراطية، يتم باستمرار نسيان أن الديمقراطية لا يمكن ان تتأسس بدون مفهوم المواطنة، فالفرد العربي الذي لا يعرف ذاته حتى الآن كمواطن لا يجد ضرورة في الديمقراطية، فهي في أفضل الحالات بالنسبة اليه مرادف للحرية فقط، وفي أسوأها ترف لا ضرورة حقيقية له. فاذا لم يكف الفرد العربي عن وعي ذاته ككائن غير سياسي (وهذا هو في الحقيقة المعنى المقابل للمواطن)، ووعي السياسة كوظيفة للسلطة فقط (المرادفة للسلطان) فأية ديمقراطية ترتجى؟
الدولة القطرية العربية في انهيارها التاريخي توقفت عن حمل المشروع النهضوي العربي، بل هي تحاول في بعثها للاستبداد وتجديده ترسيخ اغتراب العقل الجمعي العربي عن مفهوم المواطنة باعتباره تهديدا لسلطتها المطلقة وخطوة نحو المطالبة بالديمقراطية، هي تفتش في أعماق التاريخ عن كل الموروثات التي تضفي على السلطة طابعا مقدسا وتخلق بحرا واسعا بينها وبين الانسان الذي يجب عليه ان يكف عن أن يكون كائنا سياسيا.
وحين تضطر لاستعمال مفهوم المواطنة من أجل خلق ولاء للدولة فهي تحاول تقليص ذلك المفهوم بحيث يأخذ طابع امتيازات اقتصادية أو اجتماعية ليكون موجها نحو الآخرين كامتياز، ونحو الدولة كواجبات ولكن بالحد الأدنى من الحقوق السياسية.
في الحقيقة يستمر الاستبداد رغم كثرة الصياح والنقد بسبب أن جذوره تضرب في أعماق العقل الجمعي العربي الذي لا يشعر بتناقض حقيقي معه كاستبداد، فالتناقض بين الشعوب والحكومات ينشأ بسبب سياسات واخفاقات، أما الاستبداد ذاته فيبقى كمؤسسة فكرية سليما دون تهديد.
من أجل ذلك لا يحتاج الحاكم العربي سوى لقدر محدد من صناعة الخوف ليضمن ابتعاد الرعية عن قصره واشتغالها بقلب التراب وتأمل الطقس والتصفيق لموكب السلطان. معقل زهور عدي