جُزُرُ العقل.. في بحار الجنون

بقلم: عبد المجيد الجمني

Iـ جنون (1) في التعاطي مع بعض الأحداث، لا يتوقف نبض القلب فقط، أو تتعطّل جميع الحواس، وإنما يُدعى العقل إلى إجازة، ويكون أوّل المصابين بداء التكلّس وندفع به إلى العطالة، وهو الذي يُفترض أن يُستنفر حتى يتسنّى لنا أن نفهم أو نتفهّم ما يحدث.
وإذا كنّا نشكو عادة من افتقار خطابنا الإعلامي والسياسي إلى التحليل والاستقراء العقلاني والموضوعي في تناوله للأحداث عامة، والأحداث العربية على وجه الخصوص حيث تسيطر العاطفة على المواقف والقراءات لغة ومضمونا، وتمارس الشعارات المتناسلة منها سطوتها.
وإذا ما كان مثل هذا التشخيص صائبا ويحوز على شبه إجماع، ولنا في تاريخنا السياسي المعاصر من المأسي والنكبات ما لا يدحضه أو ينفيه، ويجعل من هذا الشكل من الأداء "أمّ العلل" التي لازمت خطابنا السياسي وقادت إلى تعثّر مقارباتنا نتيجة القصور الحاصل في استكشاف كنه التطورات والمتغيّرات من حولنا والطبيعة الحقيقية لخلفياتها وأبعادها، وبالمحصّلة حصول خلل في التعاطي معها توقّيا من مضاعفاتها أو استباقا للمحظور والمكروه، فإنّه في المقابل لا بدّ من الإقرار أنّ بعض الأحداث لا تخضع لأيّ تحليل إذ لا منطق يبرّر وقوعها، ولا قوانين موضوعية تحكمها، وتكون محاولات تفكيكها وتسليط الأضواء على أسبابها مجرّد استعراض لذرائع وتبرير يتخفّى وراء منطق زائف وعقلانية عرجاء تتستّر على حدث منكر ما كان ليقع أصلا.
وهذا ما يحصل فعلا مع تعاطينا ومقاربتنا لتطوّرات الشأن الفلسطيني الداخلي، ونحن نرى القضية تفقد عذريتها ويتخلى بعض رموزها عن مستلزمات حصانتها وتحصينها. فها أنّ صراع قابيل وهابيل وداحس والغبراء يستعيدان حضورهما على المسرح، وها أنّ الحرب الأهلية تتشكل عناصرها ان لم نقل تترسّخ صانعة لنكبة تتجاوز في تداعياتها المستقبلية النكبة الأمّ.
إنّ ما يجري على المُتاح من الأراضي الفلسطينية من اقتتال بين الإخوة، هو ببساطة شكل من أشكال الانتحار الذاتي، وهو قبل هذا عار ينال من تاريخ قضيّة ويعرّض رصيدها السياسي والإنساني للخطر.. عار يُجهض آمال شعب وحلم أجيال في الداخل والشتات، شعب عانى من عسف التاريخ وجوره وبطش الأعداء وظلم ذوي القربى وتواطُؤ المجتمع الدولي وتقاعسه عن القيام بما يمليه عليه الضمير الإنساني والانحياز إلى الحقائق التاريخية.
ومثل هذا الصراع الدائر حول سلطة موهومة، ودولة موؤودة حتى إشعار آخر، هو صراع لا يخضع في اعتقادنا لأيّ منطق، ولا يجوز معه ممارسة ترف التحليل وبرودة العقل، ولا يستقيم مع كارثيته، الوقوف عند الأسباب والنتائج ولا عند خفاياه وأبعاده، بمعنى آخر انّه حدث من المرارة ما يجعله أكبر من كلّ المعادلات والحسابات السياسية، ومهما كانت تلك الحسابات والتناقضات فإنها لا تبرّر مطلقا أن تخطئ البوصلة الوطنية الفلسطينية وجهتها، ولا أن تصوّب الأسلحة إلى غير مرماها أو ان تنحرف المسيرة عن مجراها الطبيعي وأن يفتي الأخ بآكل لحم أخيه تحت أيّ عنوان أو شعار ما.
لقد كنّا نعتقد أنّ قضيّة فلسطين أكبر من كلّ الكراسي والمواقع، وأنّ قداستها أعظم من أن تدنّس بهذه الطريقة، ومن هذا المنطلق نرفض كلّ التحليلات التي تحاول تسويق فهم ما أو قراءة لما يحدث بين أبناء القضيّة الواحدة، ولا نرى أيّ وجاهة في الإسهاب في اختلاق الذرائع والمبررات لهذا الطرف الفلسطيني أو ذاك لأنّ ما تدور فصوله يستعصي على كلّ تقنين، وهو سقوط جماعي، وهزيمة لا تستثني أحدا و"المنتصر" فيها مهزوم.. مهزوم.
إنّ ما يحدث عار.. والعار لا يُمنطق أو يُفسّر أو يُحلّل، بل ان مواجهته تستلزم مفردة واحدة وصرخة مدويّة هي: كفى.. كفى.. صرخة من الصرامة ما قد يؤدي إلى وقف هذا الانهيار الشامل.. ويضع حدّا لهذا الفلتان الإيديولوجي الأعمى، الأب الشرعي للفلتان الأمني السائد الآن والذي بدوره حرّف وظيفة السلاح الفلسطيني وحوّله من أداة تحرير إلى وسيلة نحر وغدر وموت عدمي!!
فماذا لو نهض شهداء الأمس؟ وما تُراهم يقولون وهم يكتشفون أنّ "البطولات" أرخص وأحقر من أن تُشترى بفلس، وان الأوسمة التي تعلّق باسمها اليوم ملطّخة بدماء الإخوة؟!؟
إنّ ما يجري في فلسطين أشبه في سرياليته بكوميديا سوداء عنوانها "ان لم تتذابحوا.. نذبحكم". والمضحك المبكي في هذه المهزلة ان بعض الفصائل اختارت نهج التذابح معفية جلاّدها المشترك من ضريبة دمها!؟!
أبعد هذا مازال فينا من يجرؤ على التوقّع وتوظيف العقل واستنفار أدوات التحليل بحثا عن تفسير ما لمسلسل العار هذا؟
إنّ الحكمة أمام هول ما يحدث وعبثيته قد فرّت وغُيِّبت بل اغْتِيلت ولم تعد قادرة على الخروج حتى من أفواه "المجانين"!؟!! II ـ جنون (2) هناك إجماع دولي وإجماع أمريكي داخلي على أنّ حرب بوش على العراق قد فشلت. وتتعدّد المواقف والتقارير وفي صدارتها الأمريكية التي تبرز هذه الحقيقة، وتؤكد ان إدارة الرئيس بوش سقطت في مستنقع بات البقاء فيه أو الانسحاب منه يعنيان الهزيمة.
ولئن تقتضي الحكمة السياسية في مثل هذه الأوضاع البحث عن مخرج والامتثال للحقائق وما تحتّمه من خيارات حتى وان كانت تتعارض مع رغباتنا وأوهامنا.. رغم كلّ هذا ، فإن الرئيس بوش اختار كعادته التجديف عكس التيار وانحاز لسياسة الهروب إلى الأمام متعاميا عن استخلاص العبرة الصائبة، ومتجاهلا كل النصائح بما فيها الصادرة عن الأمريكيين أنفسهم، ولم يكلّف نفسه حتى عناء قراءة تقرير "بيكر ـ هاملتون" وما تضمّنه من تشخيص ويطرحه من بعض الحلول التي استندت إلى إقرار جزئي بالحقيقة، حقيقة ان العراق لا يروّض وان الاحتلال لا بدّ أن يزول.
إنّه جنون العظمة، يعسر الإفلات من أغلاله خاصة اذا كان أسيره قد نصّب نفسه "إمبراطور العالم" وكلّف نفسه مهمّة إخضاعه وتغييره بصفة انفرادية مستخدما الآلة الحربية أداة له وضاربا عرض الحائط بكل المواثيق والقوانين الدولية.
ان الرئيس الأمريكي لم يكتف في عناده بالترويج لانتصار مزعوم، وإنّما ها هو يحشد الأساطيل والطائرات والبوارج من جديد في منطقة تُقيم أصلا على برميل بارود، ولم تعد جغرافيتها الملتهبة تتحمّل إطلاق ولو رصاصة جديدة فما بالنا بحرب أخرى تشير كلّ المؤشرات والمعطيات إلى انّ من يتخّذ قرار اندلاعها، لن يملك مطلقا قرار وقفها أو إعادة ماردها إلى قمقمه، وان تداعياتها ومضاعفاتها على مستقبل المنطقة ستكون أضعاف تداعيات الحرب على العراق وما أفرزته من كوارث على شعب البلد ومحيطه.
ولئن أصبحنا والعالم أكثر قدرة على التعايش مع هذا الجنون فإنّ ما نخشاه حقّا هو أن ينجرّ العرب مرّة أخرى إلى زفّة ليسوا طرفا في الأسباب التي ستصوغ قرارها ولن يكونوا شركاء في اقتسام غنائمها وحصادها ان كان هناك حصاد وغنائم غير الحصاد المرّ!!!
تذكر كتب التاريخ أنّ جنون نيرون أحرق روما وقد أغواه مشهد الحريق و"جماليته" فآمر باندلاعه.. فهل نعي ان حريق الإمبراطورية الحديثة هذه المرّة سيأتي على ما تبقى من قلعتنا المهدّمة الأسوار أصلا.. ولن تطال نيرانه قلاع المهووسين بإشعال الفتيل!؟! III ـ 10 مليارات دولار: استثناء عاقل لمّا كان لكل حالة عامّة استثناء، فإنّ حالة "الجنون" التي تحيط بنا سواء مارستها بعض مكوّنات الأمّة أو مارسها من يستهدفها، فإنّه لا مناص من الاعتراف بآنّ في واقعنا العربي المحاصر بالفتن الطائفية والصراعات الإقليمية والدولية، لحظات عاقلة وبؤر ضوء تخترق هذه العتمة الجاثمة في مشرق الأمة ومغربها.. بؤر ضوء تؤكد أنّ التحديث والحداثة معجزة بالإمكان أن تلبس المفردات العربية وأنّها ليست مستحيلا متى ما توفّرت الإرادة والإدارة والقيادة الاستشرافية الصائبة.
نشير بداية إلى أننا على قناعة راسخة بآنّ الصراع الدائر في عالم اليوم محوره الذكاء، وأن هذا الأخير أضحى عنوان قوّة الشعوب والأمم في عصرنا الراهن، وأنّ المهزومين في معركة الذكاء هذه لا مكان لهم تحت شمس المعمورة وسطوة عولمتها الزاحفة.
لكلّ هذا سبق أن صفّقنا للرئيس التونسي زين العابدين بن علي وهو يقترح على العرب منذ سنوات في قمّة عمّان العمل من أجل امتلاك سلاح التكنولوجيات الحديثة، وأن تصبح مسألة تكنولوجيات الاتصال وتكريس مجتمع المعرفة بندا قارّا على جدول أعمال القمم العربية، وساندنا اقتراحه الداعي إلى بعث منظمة عربية للغرض.
علما بأن الرئيس بن علي لم يكتف بالمبادرة وإنما جعل من بلاده تونس نموذجا ورمزا يحتلّ المرتبة الأولى عربيا وإفريقيا في هذا المجال ومرتبة متقدمة جدّا في الترتيب العالمي تتقدّم على العديد من الدول الغربية والآسيوية رغم امكانات هذا البلد العربي، المادية المحدودة قياسا بغيرها من الدول.
وكان موقفنا من اقتراحات الرئيس التونسي هذه، نابعا من إدراكنا العميق بآنّ امتلاك سلاح الذكاء، معركة من معارك المصير التي لا مناص للعرب من خوضها، بل نحن لا نغالي إن قلنا إنّ كسب معارك التحرير ـ تحرير الأرض وتحرير الإنسان ـ رهن قدرتنا على الانتصار في معركة صناعة الذكاء باعتبارها السلاح الحضاري الأكثر فاعلية في توفير مناعة الشعوب وتمكينها من مستلزمات الانتصار في معارك الوجود الأخرى.
أو ليس من أسباب هزائمنا العسكرية والسياسية تخلّفنا في هذا المجال وهو ما تدعمه مقارنة بسيطة بين الأرقام العربية وأرقام خصوم العرب وأعدائهم وفي مقدمتهم إسرائيل.
لكلّ هذا لا نملك إلاّ أن نثمّن مبادرة الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم والتي قرّر من خلالها تخصيص 10 مليارات دولار دعما للعقول والقدرات الشابة العربية، والتركيز على البحث العلمي والتعليم والثقافة الرقمية، والاستثمار في البنية الأساسية للمعرفة، والسعي لتوفير فرص متساوية لأبناء المنطقة العربية في التقدم والحياة الكريمة ومساعدتهم على مواكبة التطور العالمي تكريسا لمجتمع المعرفة في البلاد العربية والمشاركة بشكل ايجابي في تحديد ملامح المستقبل.
ولا شك ان مثل هذه المبادرة، في محيط سمته الهدم لا البناء، تمثل وعيا حضاريا واستراتيجيا يقطع مع شعارات النهوض وتحرير الإرادة الزائفة، ويدفع باتجاه خطة عمليّة ملموسة تدفع مسيرة التطوير والتحديث في المنطقة العربية وتكفل مساهمة العرب من موقع الفاعل في ما يشهده العالم من مستجدات اقتصادية واجتماعية ومتغيّرات سياسية.
ان ردم الفجوة المعرفيّة بين العرب والعالم قضية لم تعد قابلة للتأجيل، وليست خيارا بإمكاننا قبوله أو رفضه وإنما حتميّة وضرورة اذا ما أردنا الانخراط في العصر والانتماء إلى دائرة صنّاع الحضارة لا أن نكون عالة عليها أو مجرّد مستهلكين مترفين لها.
إنّ بناء مجتمع المعرفة حدّ فاصل بين انتماءين: التقدم والتخلّف، واقتناص فرص الانتماء للعصر أو إهدارها وبين الوجود أو الاندثار.
ولا نُخفي ان مبادرة محمد بن راشد تزرع بذور الأمل في ازدياد مساحة الوعي العربي بأهمية هذه المعركة الحضارية وبعدها الاستراتيجي والعقلاني والعلمي في تجسيم شعار "نكون أولا نكون".. الذي أسيء تعبيد طريقه واختُزِل في أبعاد أجهضت دلالته وغيّبت عمق معانيه وتنوّع الآليات الكفيلة بتحقيقه.
فهل ندفع بالتفاؤل إلى أقصاه ونجزم أنّ العرب يدخلون بمثل هذه المبادرات عصرا جديدا بوعي جديد وإدراك أعمق بآليات ومستلزمات الحصانة والمناعة فيه؟
انّ إدراكنا بآنّ 70 مليون عربي يعانون من الأميّة الأبجدية يدفعنا إلى القول بآنّ مبادرة محمد بن راشد، على ضخامتها، تبدو كقطرة في بحر تحتاج إلى من ينسج على منوالها ويضيف إليها ويبني عليها حتى تتحوّل من قطرة في صحراء الأميّة الحضارية إلى نهر يجرف كلّ رواسب التخلّف الكامنة فينا، ومن نقطة ضوء وسط خارطة من الظلام الحضاري الشامل إلى شمس ساطعة بقدر ما تنير العقول فإنّها تخلّص أمّة بآسرها من أغلال التبعيّة وأخواتها!!!
لقد أعطى محمد بن راشد معنى للفائض المالي الذي يتوفّر لبعض العرب جرّاء الطفرة النفطية.. معنى إيجابيا هذه المرّة، يقدّم صورة مغايرة للعرب عن أنفسهم وللعالم.. والمطلوب مبادرات أخرى تؤكد ان ثروة العرب نعمة إذا ما أحسن توظيفها وتصريفها، لا نقمة كما كان الشأن في العقود السابقة يكتوي أصحابها قبل غيرهم بنيرانها، بل يدفعون فواتير ذاك الاكتواء لمن أشعل حرائقها!!!. عبد المجيد الجمني
رئيس تحرير مجلّة "الوفاق العربي"