منير مزيد يعبر إلى آخر النهايات

أجرى الحوار: د. رضوان قدحنون
حول قصيدة النثر وفكرة الموت

على وقع الحزن والألم، ولحن النشوة والفرح، وطعم الحب والشجن، وصفاء الروح، ونقاء المشاعر، يقدم الشاعر منير مزيد نصوصه، مستنهضا بها دقائق الخلق وتفاصيل الوجود.
يبدأ مزيد رحلته المريرة من مرتع "بذرة الخلق"، ليحلق دون توقف، عابرا آخر النهايات إلى ما وراء الوجود، والكواكب، والكون. ولكن الشاعر ينزل بنا من بروجه في أعالي السماء، ليضعنا على أرض الواقع الحالم حينا، الغاضب حينا آخر، الملتهب أحيانا.
بهذه الكلمات التي بدأ الدكتور يوسف شحادة مقدمته لنصوص كتاب منير مزيد "تأملات جمالية"، أبدأ لقائي مع الشاعر والروائي العربي منير مزيد، شاعر الإنسانية والحب، والمقيم في رومانيا، الذي استطاع في وقت قصير أن يضع اسمه بين كبار شعراء وكتاب رومانيا، وبناء صداقات وعلاقات متينة ومثمرة معهم.
وقد قامت دار جونيما للطباعة والنشر، والتي تعتبر واحدة من أعرق دور النشر في أوربا في مجال الأدب، بنشر روايته "الحب والكراهية" باللغة الإنجليزية، فلاقت نجاحاً ورواجاً في رومانيا، بحيث تناولها العديد من نقاد الأدب بالدراسة والتحليل.
وقد أطلق عليها البروفسور أنطون كراجا "رواية القرن الواحد والعشرين" ومن ثم قامت رابطة شعراء ياش بإصدار ثلاث مجموعات شعرية له، الأولى "فصل من الإنجيل"، وقد تم إصدار هذه المجموعة بثلاث لغات: العربية والرومانية والإنجليزية.
أما المجموعة الثانية "جداريات الشعر" فقد صدرت في أربع لغات، الإنجليزية والعربية والرومانية والإسبانية.
أما المجموعة الثالثة "صور في الذاكرة" والتي صدرت في أربع لغات أيضاً هي الإنجليزية والعربية والرومانية والفرنسية، بالتزامن مع روايته "الحب والكراهية" باللغة الرومانية.
ومازال في جعبة منير مزيد العديد من الأعمال الشعرية والروائية. ففي الشعر "الألواح المفقودة"، "صور من الوجه الآخر للجحيم"، "تأملات جمالية"، و"آلام شاعر"، أما في الرواية "عروس النيل" و"السقوط". هناك جدل كبير في الوطن العربي حول شرعية قصيدة النثر، وأنت واحد من أبرز الشعراء العرب الذين يكتبون هذه القصيدة، كما أنك تحظى بشهرة عالمية، فكيف ترى مستقبل قصيدة النثر وشرعيتها؟ قبل الحديث عن شرعية أو عدم شرعية قصيدة النثر، في البداية، علينا أولاً فهم ودراسة دورة الحياة المتغيرة وتطورها، فلو عدنا إلى الوراء، وبدأنا بالاطلاع ودراسة تاريخ الأدب والفن، لوجدنا بأن العديد من المبدعين في العالم لم تحظ أعمالهم الإبداعية، سواء الفنية أو الأدبية بالتقدير والمكانه المستحقة في الزمن الذي تم فيه إنتاج تلك الأعمال الإبداعية، وإنما حظيت بالتقدير والمكانة بعد سنوات عديدة خلت فالإبداع الحقيقي دوما يثير جدلا قويا في البداية، وقد يحتاج إلى سنوات أو ربما إلى قرون، تبعا لتطور وعي الشعوب، وتطور مفاهيم النقد، لأن الإبداع يسبق الفكر الإنساني السائد.
لقد نوه أرسطو إلى هذا الأمر في كتابه "فن الشعر" والذي يعد من أهم الكتب النقدية والدراسات الأدبية في العالم. ويبين فيه أنه لم يكن في زمنه اصطلاح جامع تنطوي تحته جميع الأنواع التي تتخذ أداة المحاكاة سواء في النثر أو النظم، والاستعمال الحديث لهذا المصطلح هو كلمة "أدب".
ومن الواضح تماماً أن الوزن وحده ليس كافياً لتمييز الشعر، إذ ثمة رسائل في الطب وفي الفلسفة الطبيعية كتبت شعراً (وهذه الطريقة كانت الأكثر شيوعاً عند قدماء الإغريق من الوقت الحاضر) حتى يسهل حفظها وبالتالي يسهل تذكرها لأن عصر الطباعة والكتب لم يدخلا بعد.
ليس لدينا اسم تنضوي تحته مجونيات صوفرون واكزينار خوس ومحاورات سقراط أو القصائد الإليجية الخماسية والإليجية الرثائية أو بحور أخرى يؤدى بها فن الملحمة بطريقة المحاكاة، حقاً جرت عادة الناس فيما يتعلق بالشعر أو فيما يختص بالبحر، على أن يسموا البعض بالشعراء الإليجيين أي الذين ينظمون قصائدهم على البحر الإليجي ويسمون آخرين بالشعراء السداسيين، أي الذين ينظمون شعراً سداسي التفاعيل.
وبذلك تمايز الشعراء في عرف الناس ليس وفقاً لطبيعة المحاكاة في أشعارهم ولكن على قاعدة الوزن وحده، حتى الذين ينظمون رسائلهم في الطب وفي الفلسفة الطبيعية يسمون شعراء.
ومع ذلك فليس بين هوميروس وامبذوقليس من شركة إلا في الوزن. والأول جدير باسم الشاعر والثاني جدير بأن يسمى طبيعياً لا شاعراً، وكان هوميروس لدى أرسطو شاعراً فحلاً لا لأنه اضطلع في فخامة الديباجة الشعرية فحسب بل لأنه جعل محاكاته في شعره ذات طابع درامي.
من هذا الفهم أرى أن المستقبل لقصيدة النثر وقد بدأت بالفعل تأخذ مكانتها في العالم العربي وبدأت تفرض وجودها على خارطة الإبداع.
أما الذين يرون غير ذلك، فهم مجموعة من العجزة، غير قادرين على فهم دورة الحياة المتغيرة، وبالتالي، كلما زاد الجدل حول قصيدة النثر، ازدادت أهميتها، وهذا لا يعني أن نتوقف عن كتابة القصيدة العمودية أو قصيدة التفعيلة، لأن التنوع مطلوب.
فالشاعر العربي نزار قباني يقول "قد أصل في خطابي الشعري إلى مستوى الكلام العادي وقد اتهم بالنثرية حيناً وبالتقريرية حيناً آخر، ولكني لا أغضب مما يقال لأنني أعتقد أن الجدار الفاصل بين الشعر والنثر سوف ينهار عما قريب كما انهار جدار برلين."
فهذه رؤية شاعر كبير يقرأ الحاضر ويرى المستقبل، لأنه يدرك ويستوعب فهم الحياة المتغيرة وتطورها. لقد أطلق الناقد والباحث الروماني الكبير ماريوس كيلارو على قصائد منير مزيد بالقصيدة الكونية ما هي المواضيع التي تتناولها في قصائدك المسماة "القصيدة الكونية"، وما هي السمات الفنية لها؟ هناك قضايا عالمية ألهبت خيال الإنسان منذ بدء التاريخ الواعي للبشرية حتى عصرنا الحاضر، وتلك القضايا كانت الشغل الشاغل للبشرية طوال تاريخها وهي الموت والروح والرؤى والأحلام والحب.
لم يلهب خيال الإنسان شيء كما ألهبته فكرة الموت، ولم يثر عقله من أفكار كفكرة انعدام العقل ذاته. فما الذي ستكون عليه الحال عندما يمضي إلى النوم ولا يفيق أبدا؟
ناقشت الفلسفات الإنسانية والديانات القديمة والتوحيدية إشكالية الموت واعتبرته مشكلة من عدة نواح ويبدو أن إشكالية الموت هي أكثر تعقيدا وغموضا من اشكالية أي قضية إنسانية أخرى، فقد تناولت الفلسفات والديانات مفاهيم الموت وماهيته وعلاقته بالحرية والمسؤولية، وفي إطار ذلك علاقة الذاتي بالموضوعي، والأنا الفردية بالأنا الكلية، وصولا للمعرفة الإنسانية، وكل ذلك في إطار فلسفة الحياة والموت وتأثيرها على النواميس والعلاقات الإقتصادية والاجتماعية والإنسانية في المجتمع.
فبينما أن الوجود الإنساني هو كائن، فإنه يبقى بالفعل ممثلا لما لم يكتمل بعد (أي يمثل نهايته هو ذاته) والنهاية برأي هدغر لا تعني الوصول إلى العدم الوجودي، وإنما إلى الوجود نحو النهاية، فالموت هو وجودي يحمله الوجود على كاهله بمجرد كينونته. نسيج ألق توهج
رماد
يطفئ جذوة الاحتراق …
الخيوط روح خراب
تغذي خرابا
لا تسلني شيئا
في كل ثانية شيء يحتضر
عائدا إلى مصيره السابق
يقول هدغر "لقد وصلنا إلى الاكتشاف المربك القائل بأن الإنسان منذ البداية ذاتها محتضر، وهذه المعرفة تسود وتخصب فلسفتنا بأسرها."
الموت يُعرف على نحو حدسي، فالموت أمر قبلي، خلقت الحياة وخلق الضد معها.
يقول ماكس شلر "حيث أن الموت ليس احتضارا عرضيا بدرجة أو بإخرى يدركه هذا الفرد أو ذاك وإنما هو جزء لا يتجزأ من الحياة."
وهكذا فإن الموت ليس مجرد أحد المكونات التجريبية لخبراتنا، وإنما هو ينتمي إلى جوهر معايشة كافة الحيوانات الأخرى، وحياتنا كذلك، وعلى هذا النحو فإن حياتنا تمضي نحو الموت، إنه ليس إطارا ثبت بالصدفة المحضة حول صورة عمليات فيزيائية وفسيولوجية عديدة، وإنما هو إطار ينتمي إلى الصورة ذاتها.
إذن الموت الشغل الشاغل للبشرية طوال تاريخها ولعل هذا ما عناه أفلاطون بقوله "الفلسفة تأمل الموت."
وهو نفسه الذي أغرى الفيلسوف الألماني شوبنهاور لكي يقول "الموت هو الموضوع الرئيسي للفلسفة والملهم الأكبر للتفكير الفلسفي."
بل إن بعض الفلاسفة والمؤرخين ذهبوا بعيدا في إعطاء الموت دوراً استثنائيا في التاريخ البشري مثل المؤرخ المشهور (وول ديورانت) صاحب كتاب "قصة الحضارة" الذي قال "الموت أصل الديانات كلها." أي أن الديانات كانت استجابة لقلق الإنسان تجاه الموت ومن خلال معالجتها لهذه الظاهرة وضعت إطار الفلسفة للحياة والوجود.
لغز الموت يقود بجملته إلى البحث في أعماق الروح وأسرارها: هل هي عرض؟ ارتباطها بالنفس، فناؤها، خلودها، بعثها، أزليتها، مقرها، عمرها. فالروح بالضرورة هي الخيط الذي يقود إلى الخلود، الطموح الإنساني. وهي بحد ذاتها السعي في عالم المثل وأطر الأكتمال. الإيمان بها يقود إلى عالم من المثل والفضيلة اللاقياسية بمحدودية المعرفة.
بينما ظلت الروح عالقة في شباك أسئلة الموت ظل الخلود واقعا في شباك ثنائية الجسد والروح.
لذا اعتمادا على مبدأ الفكرة المتصلة بإسقاط الروح بالأشياء عن طريق مدركات الحواس وإسقاط الرؤى الميتافيزيقية في مجموعة الأشياء المحيطة، موجها بالفكرة الناتجة عن التأمل النفسي في الذات وخارجها.
تصبح المحاكاة 'محاكاة كونية' لا تتجزأ، فالروح الكونية واحدة غير قابلة للتجزؤ، نظرا لارتباط الرؤى الخارجية والرؤى الداخلية. فأنت ترى الكون بأم عينيك لتعكس صورك الداخلية على رؤاك الكونية، تتصل أنت معها بخيوط شفافة هي تراكمات إسقاطية بالمفهوم الإنساني المتبصر، فيمكننا أن ندرك أن الحاجات الإنسانية تنقسم إلى: حاجات شهوانية، حاجات روحانية، حاجات نفسية.
والتبصر في تلك الحاجات يشكل المساحة العقدية الواسعة التي هي بمجملها الصور المعبرة عن إحدى تلك الحاجات أو جميعها. حتماً
سأتجلى في مرايا الرؤى
روحا
تتكشف لها أسرار الغيب
أما الحلم فهو الكنز الثمين والوجه الآخر الحقيقي للواقع الإنساني، وطالما حلم الإنسان منذ أقدم العصور وهو ضرورة نفسية وحاجة روحية. أفتح نافذة الأحلام
وأطل على شرفات الكون
أتأمل ..
وأرى ما لا يبصره أحد غيري
كل ما في الكون من آلام
آلام ولادة
أما من الناحية الأسلوبية اتبع البساطة في اللغة والعمق معاً بحيث استخدم أسلوب التناص وهو استحضار عبارات سواء بنصها أو باعادة صياغة لها من الكتب المقدسة مثل التوراة والإنجيل والقرأن الكريم والافستا الخ، إلى جانب من بعض الأساطير الشرقية والغربية والصينية واليابانية وأميركا اللاتينية.
أما من الناحية الفنية، أحاول إيجاد نوع من التوازن بين الأجزاء التي تعنى بالموسيقى والإيجاز والتجريد والبساطة والعمق والإبتكار والبعد عن التقليد والكلام المنمق والعبارات الرنانة والكلمات المبتذلة والصور التقليدية والإيقاعات الموزونة، بل ضد الأنماط التفكيرية السائدة والسطحية والتراكيب البنوية المعهودة.
لذا اعتمد على التكثيف وخلق عوالم جديدة من الصور والايقاعات والشحنات الشعرية المتوترة، بعيداً عن القوالب الجاهزة واجترار العبارات المستهلكة والقوافي التجميلية.
أرى أن الخطاب النقدي الحديث قد تجاوز هذا الأمر الخارجي للبحث في قوالب داخلية أكثر فعالية من واقع النصوص الشعرية نفسها، وليس من واقع نظريات قديمة أو حديثة تفرض قسراً على النص، لهذا السبب أكتب قصيدة النثر. من هم الأشخاص الذين أثّروا في حياة منير مزيد؟ في البداية، أنا فلسطيني، من قرية تدعى طلوزة في مدينة نابلس.
أذكر حين كنت طفلا، كان يجتمع مجموعة من الشباب ويتحدثون عن فلسطين، ويستمعون إلى خطابات جمال عبد الناصر. كنت أجلس وأستمع إلى تلك الخطابات وإلى حوار الشباب حول تلك الخطابات، حتى خيل لي أن جمال عبد الناصر المنقذ الأكبر مع كل الأحداث المأساوية التي كانت تجري في الشرق الأوسط.
كان جمال عبد الناصر حاضرا دوما في ذاكرتي، وكبرت على خطابات جمال عبد الناصر وصوت المطرب عبد الحليم حافظ.
ولغاية الآن ما زال عبد الحليم حافظ، ليس فقط مطربي المفضل، ولكن أيضا مصدر إلهام ووحي، حين أستمع إلية يتملكني إحساس خفي يدفعني إلى الكتابة. لهذا حين يأتيني وحي الشعر، يكون عبد الحليم حافظ حاضرا.
لهذا السبب كتبت قصيدتين، قصيدة اسمها جمال عبد الناصر، وقد تناولها ويل دونفان في الأطروحة التي قدمها لجامعة جورج واشنطن، وعنوان الأطروحة الهوية العربية الحديثة، كما يراها الشعر. أما القصيدة الثانية فهي تحمل اسم عبد الحليم حافظ.
أما لاحقا، فقد أثر في حياتي العديد من الشعراء: أبو العلاء المعري، هوميروس، دانتي، طاغور، وليم بليك، بوشكين، وآرثر ريمبو.
لقد كتبت قصيدة لـ آرثر ريمبو، ولكن أنا شخصيا، أعتبر أن أعظم الشعراء هم حافظ شيرازي، فريد الدين العطار، وعمر الخيام. كيف تقيم أداء الشعر العربي المعاصر مقارنة مع مستوى الشعر العالمي، وأنت شاعر عربي يكتب الشعر باللغة الإنجليزية واطلاعك ومعايشتك للعديد من الثقافات المختلفة وأشعارك قد ترجمت للعديد من لغات العالم؟ عند الحديث عن تقييم أداء الشعر العربي، فلا أحد يملك أو يستطيع ذلك. ومن يدعي ذلك فهو أحمق.
أنا ما زلت أذكر بيان رابطة الكتاب الأردنيين، هذا البيان إن دلَّ على شيء إنما يدل على عنصرية مجموعة من المهرجين الذين منحوا أنفسهم حقا لا يملكوه.
ورد ذكر كلمة حارسة الثقافة الوطنية في بيان الرابطة, وهنا أود أن أتساءل من نصب رابطة الكتاب الأردنيين حارسة للثقافة الوطنية، وما هو تعريف الثقافة الوطنية المقصودة في بيان الرابطة. أما كلمة "حارس" فهذا يدعو للسخرية, فهل الثقافة قد وضعت وحكم عليها في زنزانة انفراديه في سجن رابطة الكتاب الأردنيين، وبذلك تحتاج إلى إذن إفراج أو زيارة من مدعي عام أو قاضي الرابطة؟
وبالتالي لن أكون أحمقَ حتى أعطي تقييما لأداء الشعر العربي ومراحل تطورة فهذا الأمر يحتاج إلى دراسات مستفيضة وأبحاث طويلة لكل حقبة زمنية. وخاصة إن تاريخ الشعر العربي له جذور تمتد إلى الآف السنين.
لقد حافظ الشعر العربي على ألقه وتوهجهه وحضورة الدائم في جميع الفترات المتعاقبة بالرغم من الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها المنطقه العربية، فلا يمكن عزل الشعر عن تلك الظروف لأن الشعر أولا وأخيرا يمثل أحلام وتطلعات الشعوب، بالاضافة إلى وعي وفلسفة تلك الشعوب.
فالشعر نبضها وذاكرتها أما إذا أردنا الحديث عن وضع الشعر العربي المعاصر، فهناك الكثير للحديث عنه بدأً بشعراء المهجر ومروراً برابطة شعراء أبولو في مصر وتأثير القضية الفلسطينية، وحين تناول تلك المرحلة تبرز دائما الأوضاع السياسية على السطح حتى أصبح الشعر العربي مرتبطا بالسياسة والعوامل السياسة. مما أفرز خطباء سياسيين.
باسم الشعر وعلى الرغم مما عرف بزمن المد القومي العربي إلا أن هذه المرحلة وأدت أسماء شعرية قبل نضوجها وبنفس الوقت أوجدت ظاهرة خطيرة هي "تسييس الثقافة"، وهو الأخطر على أي ثقافة إنسانية وتهددها بالفناء.
وقد وقفت ضد هذه الظاهرة وحاربت مفاهيم الشللية والمحسوبية في العمل الثقافي في الأردن مما أغضب المؤسسات الثقافية والإعلامية هناك حيث سارعت تلك المؤسسات بمقاطعتي تحت مسميات التطبيع أو نشر ثقافة غربية.
في عصر مجموعات المصالح "المافيا" الثقافية والشللية تصبح تهمة التخوين والعمالة أو التكفير جاهزة لرفعها ضد أي مبدع لا يخدم مصالح تلك المجموعات.
وحين أحسست بعدم جدوى بقائي في هذا الوضع الملوث اتخذت أصعب قرار في حياتي وهو العودة إلى الهجرة مرة أخرى وترك الساحة الثقافية لهم.
ويوما بعد يوم اكتشف بأن قرار الهجرة كان أفضل قرار، وكان اختياري لـرومانيا قراراً صائباً. هذا يقودني إلى سؤال أخير وفي غاية الأهمية: ماذا أضافت رومانيا لتجربة منير مزيد؟ قبل الحديث عن رومانيا أود في البداية أن استعرض باختصار تجربتي الشعرية؛ أنا درست في بريطانيا وأميركا وسافرت إلى العديد من الدول وشاركت في العديد من مهرجانات أو أمسيات شعرية ونداوات سواء في العالم العربي أو أوروبا أو أميركا والصين، وكذلك دراستي للشعر الهندي والفارسي.
لقد ساعدتني تلك التجارب وأثرتها إلا أن رومانيا صقلت تجربتي.
خلال وجودي هنا استطعت كتابة مجموعتين شعريتين، لم أنشر أي قصيدة بعد من تلك المجموعتين. والشخص الوحيد الذي اطلعتة على تلك القصائد هو الناقد والباحث ماريوس كيلاروا. فهو يستعد الآن بإصدار كتاب نقد العام القادم بحيث يقدم دراسة مستفيضة عن أعمالي وعن تجربتي، وسوف يركز على تجربتي في رومانيا.
لقد سبق وأن اصدر السيد ماريوس كيلاروا كتابا عن تاريخ الشعر العربي والفارسي، وتناول أشعاري كواحد من أبرز الشعراء العرب المعاصرين.
ورومانيا، بالنسبة لي، اعتبرها مملكة الشعر والشعراء ومتحفاً أدبياً، فأنا لم أجد شعباً يعشق ويقدس الشعر مثل الشعب الروماني وليس هذا فقط، بل يعرف كيف يقرأ ويتذوق الشعر.
كل ثانية تمر علي هنا تزيد من تجربتي الشعرية ألقا وتوهجا.
إذا كان هناك شاعر يفتش عن وطن يود العيش فيه فليأت إلى رومانيا إلى مملكة الشعر و الشعراء.