عبد الصبور، النص الباقي

بقلم: محمد الحمامصي
إهانة عبد الصبور حيا وميتا

(قلتم لي :
لا تدسس أنفك فيما يعني جارك
لكني أسألكم أن تعطوني أنفي
وجهي في مرآتي مجدوع الأنف)
صلاح عبد الصبور
من قصيدة "الظل والصليب" - كتاب "أقول لكم"
بفضل الحماقة الشعرية ـ إذا جاز التعبير ـ وتواضع الموهبة لدى عدد من الشعراء المجايلين والتاليين له وبعض شعراء السبعينيات في مصر، ظلت تجربة صلاح عبد الصبور تنتظر التواصل معها والإضافة إليها وتجاوزها، تنتظر جيلا أكثر انفتاحا على ذاته وحياته بما يشكلانه من حضور قوي في التجربة الإنسانية، وقد تمثل هذا الجيل في عدد من شعراء الثمانينات والتسعينيات الذين أعادوا للشعر علاقاته الحميمة مع الذات والحياة، مع التجربة الإنسانية بلغتها وتقنياتها وأساليبها الأكثر رسوخا وعمقا ونبوعا من حركة الوجود الظاهرة والباطنة.
كان هؤلاء المجايلين والتالين له وبعض شعراء السبعينيات ذوي الأصوات العالية الفجة قد اختطفوا الشعر وأوسعوه تنظيرا وطعنا وتمثيلا وفي طريقهم ذبحوا تجربة صلاح عبد الصبور التي أسس بها لتجربة شعرية عربية قادرة على احتواء تجليات الحضور الإنساني في كافة أحواله، تستمد روحها ورؤيتها وحياتها من فعل متغير، تجربة متصلة مع أبرز تجليات الشعرية العربية عبر تاريخها ممثلة في المتنبي وأبو تمام وأبو العلاء وأبو نواس وغيرهم، وقاموا بتحريف السياق ليدخلوا بها الى عالم من الألعاب البهلوانية، الرومانسية البائدة، الشكلانية الهندسية أحيانا، واللغوية أحيانا، والأسلوبية أحيانا، والتنظيرية التهويمية أحيانا، والنسخ المشوه لتجارب عربية وغربية كتجربة أدونيس أحيانا أخرى، كانوا ينحتون تشكيلاتهم بلا روح بدعوة المجاوزة والخروج على التجربة السابقة برمتها، فانفرط عقد الشعر وخرج المتلقي عليه ولم يعد ربما حتى الآن.
لقد رد صلاح عبد الصبور الشعر الى ينابيعه الطبيعية الأولى وكانت أعماله سواء الشعرية أو المسرحية الشعرية بمثابة تطبيق صادق للروح الأولى للشعر، لغة بسيطة، ورؤية مضيئة، وصدق شفاف، وتماس حاد مع الذات وأزماتها الروحية والجسدية، وموسيقى خارجة لتوها من روح الحياة، وهمّ جارح يسعي بين أضلاع الجسد الإنساني.
مهد عبد الصبور أرض الشعرية العربية لكي تمضي محتوية الحضور الإنساني، ومعبرة عما يحيط به من تغيرات وأحداث وانعكاساتها على رؤيته، دون تخل عن روح المغامرة والتجريب على كافة مستويات كتابة النص الشعري، الأمر الذي جعل نصه قادرا على العطاء المتصل والمتواصل جنبا الى جنب مع أبرز التجارب الشعرية الإنسانية.
مهد لقصيدة النثر وفتح الأبواب الى أراضيها بلغة وروح ورؤية وجسد لا ينفصل لغة وروح ورؤية وجسد الحياة، مستوعبا عواصفها، وقابضا على نيرانها وحاضنا لجراحها، وداخلا بكليته فيها وخارجا لتوه من رحمها، فكان النص المتأجج بوجع الإنسان، هكذا كان عبد الصبور وهكذا كان نصه جزءا لا يتجزأ من نسيج التجربة الحضارية العربية والعالمية.
إن ملتقي الشعر العربي الذي عقد بالقاهرة في الفترة من 10 الى 13 فبراير وتم إطلاق اسم صلاح عبد الصبور على دورته، تجاهل منظموه ذكر اسمه حتى خلال حفل الافتتاح (يرجى العودة لكلمتي أحمد عبد المعطي حجازي ود.جابر عصفور) كما خلت جلسات مناقشاته من أي بحث تناول تجربة عبد الصبور، كما لم يذكره أحد بأمسية تلقي فيها نماذج من أشعاره، ولأن رئيس لجنة الشعر حجازي الذي انهي تجربته الشعرية نهاية مأساوية بتوقفه أولا ثم تحوله الى كاتب مقال في الصحف، وأغلب أعضائها ممن أكلتهم الشيخوخة إبداعيا وإنسانيا غير صالحين للاستعمال الشعري الآدمي، فقد تم استبعاد الأجيال الجديدة التي تشكل جزءا من نسيج التجربة الشعرية التي أسسها عبد الصبور وطورت من رؤاها لتتجاوز رؤاه وبنت على بنيانه فكان أن أعادت للشعر حضوره الإنساني لتتقدم بتجربة عبد الصبور مؤكدة أن روحه لا تزال قادرة على العطاء وأن أبناءه الحقيقيين قادرون على مد آفاق تجربته الى مستقبل يؤكد أنهم متن الشعرية العربية الآن.
لقد عمد حجازي على إهانة عبد الصبور حيا وميتا ظانا أنه بذلك يستطيع أن يقتله، لكنه أبدا لم يستطع، لم يستطع أن ينتقص من قيمته وقدره، وأن يحتل مكانه ويؤثر تأثيره ويفعل فعله في الحركة الشعرية العربية والمصرية خاصة، قضي حجازي على حجازي حين وأد تجربته مبكرا جدا وحاول وأد تجارب الأجيال الجديدة التي استشعر أنها تجاوزته، وعمد الى بعض شعراء السبعينيات والأجيال السابقة لكي يكونوا له ظلا وتابعا وقد نجح لضعف موهبة وأصالة هؤلاء الشعرية فتحالفوا معه ضد عبد الصبور ومن ثم ضد أبنائه.
لقد قرأت عبد الصبور شعره ونثره وترجمته وأنسجمت مع رؤاه الشعرية والتنظيرية ورأيت في التأسيس عليها خروجا بالتجربة الشعرية من مأزقها الذي صنعه بعض مجايليه والتالين عليه وعدد من شعراء السبعينيات، فجاءت قصيدتي تحمل الكثير من مفردات رؤيته، لغة بسيطة ورؤية لا تنفصل عن واقعي وتجربتي الحياتية المعاشة، طورت من رؤيته لإيقاع القصيدة لأجعلها نابعة من حالة النص ومن داخل همّه / همّي، وقد تجلي ذلك في ديواني الثاني "لا أحد يدخل معهم" الصادر عام 1996 وهو قصيدة نثر وديواني الثالث النور قارب على الزوال وأخيرا ديواني الرابع موت مؤجل في حديقة، أما ديواني الأول "الجسد والحلم" الصادر عام 1991 وهو تفعيلي فقد كانت تأثيرات التنظيرات السبعينية عليه قوية، حيث كنت في ذلك الوقت واقعا تحت تأثير حضورهم ولقاءاتي المتعددة بأكثرهم، ولكني سرعان ما اكتشفت أن تطوير رؤيتي الشعرية انطلاقا من تجربتهم سيفضي بي وبها الى طريق مسدود، وقد صدق حسي هذا، فها هي تجربة الكثير من هؤلاء الشعراء تنتهي الى طريق مسدود بل وتؤدى بالتجربة الشعرية التي سلكت مسلكهم الى نفس الطريق، بل إن الأمر الأخطر من ذلك أنهم أدوا بقصيدة التفعيلة المصرية الى أقرب للموت منها الى الحياة.
إن الدور الذي لعبته تجربة صلاح عبد الصبور تجلى أكثر ما يكون التجلي على الشعرية العربية خارج مصر، في الشام و العراق والخليج والمغرب العربي، لكن لأن الحركة النقدية العربية غائبة فلا أحد رصد لهذا التأثير الذي تم تعميقه وترسيخه والبناء عليه. محمد الحمامصي - شاعر وصحفي مصري
المقالة نشرت بمجلة نقد اللبنانية في عدد خاص عن صلاح عبد الصبور