هل هذا ما يقترحه بوش على طهران؟

كان الله في عون سيِّد البيت الأبيض المقبل، فالرئيس المغادِر، أي الرئيس بوش، لا عمل له يؤدِّيه الآن، أو من الآن وصاعدا، سوى زَرْع مزيد من الألغام في طريق خَلَفِه، الذي، إنْ لم تَقَع معجزة، يجب أن يكون "ديمقراطيا" على الرغم ممَّا أظهره "الديمقراطيون" من عجز، بعضه موضوعي وبعضه ذاتي، عن محاربة الحرب بسلاح التمويل. وأحسبُ أنَّ "الديمقراطيين" يرون "نافعةً (لهم)" في أخْذِهم بـ "خيار التخاذُل"، فإدارة الرئيس بوش، أو مَنْ بقي منها على قيد الحياة السياسية، هي الآن أسيرة نهج، اختارته في حرِّية من قبل، ويشبه لجهة واقعيته جهدا يُبْذَل لجني عِنَبِ من شَوْك زُرِع، ويُزْرَع، فَلِمَ يُمَكِّن "الديمقراطيون" تلك الإدارة من الادِّعاء بَعْد أيلول المقبل بأنَّ "الإفقار المالي" للحرب هو الذي أفقرها عسكريا وسياسيا، وذهب بنصر كان ممكنا ووشيكا؟!
إنَّها المعجزة بعينها، والتي لا يجرؤ على إظهار نفسه على أنَّه مؤمِن بها إلا كل مَنْ ألْجَأَهُ العجز إلى الاعتقاد بالمعجزات في القرن الحادي والعشرين، أن يتغيَّر العراق، حيث اخْتُبِرت "الفوضى البناءة" خير اختبار، بعد أيلول المقبل، أو بدءا منه، بما يُقْنِع العالم، ويُقْنِع الناخبين هناك، أي في الولايات المتحدة، بأنَّ كوريا الجنوبية (أو اليابان، أو "نمرا آسيويا") وبما تعنيه اقتصاديا وديمقراطيا قد شرعت "تُبَرْعِم" في أحشائه، وبأنَّ هذا "الوليد المعجزة" يحتاج إلى وجود دائم لـ "المارينز" يسهرون على مهده، ويَقُونَهُ شرَّ الطامعين فيه من الأقربين والأبعدين.
ويكفي أن يَظْهَر الرئيس بوش، ووزير دفاعه غيتس، على أنَّهما مؤمنان بـ "واقعية" هذا "الهدف الطوباوي"، ويعملان، بالتالي، من أجله، حتى يتضح ويتأكَّد للعالم أجمع أنَّ الولايات المتحدة، في رُبْع الساعة الأخير من عهد إدارة الرئيس بوش، لا تجتهد في إنشاء وتطوير سياسة جديدة، تسمح لها بـ "الخروج العسكري المشرِّف" من المستنقع العراقي، الذي يكاد يَبُزُّ المستنقع الفيتنامي لجهة اسْتِنْقاع مياهه، بل تجتهد في التأسيس لوجود عسكري دائم فيه، ومن النمط الكوري الجنوبي.
هل تريد لنا إدارة الرئيس بوش أنْ نصدِّق أنَّها، وقبيل بدء معترك الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، ستكون قد نجحت في تغيير العراق، سياسيا وأمنيا واقتصاديا ودستوريا، بما يجعل للوجود العسكري الدائم للولايات المتحدة فيه بيئة مشابهة للبيئة الكورية الجنوبية في أبعادها الثلاثة، الداخلي والإقليمي والدولي؟!
وأين هي الحكومة العراقية التي استوفت من شروط القوَّة السياسية في وجهيها الداخلي والإقليمي ما يسمح لها بالتوصُّل إلى اتِّفاق استراتيجي من هذا القبيل مع إدارة الرئيس بوش التي لا تملك من الحصاد السياسي إلا ما يُذلِّل العقبات من طريق "الديمقراطيين" إلى البيت الأبيض؟!
إنَّ إفصاح إدارة الرئيس بوش عن رغبتها في أن تحتفظ الولايات المتحدة بوجود عسكري استراتيجي دائم في العراق من خلال اتِّفاق تتوصَّل إليه مع الحكومة العراقية قبل مغادرة الرئيس بوش البيت الأبيض قد يُفْهَم على أنَّه دليل على أنَّ التفاوض المباشر الذي بدأته مع الحكومة الإيرانية في شأن الأزمة العراقية لا يستهدف سوى جعل هذا التفاوض يتمخَّض عن نتائج تَصْلُح أساسا لادٍِّعائها بأنَّها حاولت ما دَعَتْها إليه توصية تقرير "لجنة بيكر ـ هاملتون"، في هذا الصدد؛ ولكَّن إيران أثبتت أنَّها لا تملك رغبة في التعاون مع الولايات المتحدة في حل تلك الأزمة.
ولكن ليس ثمَّة ما يمنع من أن يُفْهَم هذا "الإفصاح" على أنَّه دعوة (في طريقة غير مباشِرة) إلى أن تُبْلِغ إيران، وفي القريب العاجل، إلى الولايات المتحدة شروطها للتعاون معها في حل الأزمة العراقية بما يؤدِّي إلى تذليل العقبات من طريق توقيع ذاك الاتِّفاق الاستراتيجي الذي بموجبه تحتفظ الولايات المتحدة بوجود عسكري استراتيجي دائم في العراق لحماية هذا "النمر الآسيوي الجديد" مِنْ.. مِنْ إيران في المقام الأوَّل!
إيران، وبحسب هذه الدعوة غير المباشِرة، مدعوة إلى أنْ تَسْتَخْدِم نفوذها الواسع في العراق، والذي هو من عواقب وثمار نهج إدارة الرئيس بوش، في تغييره سريعا بما يجعله بيئة آمنة لوجود عسكري دائم للولايات المتحدة فيه.
وأحسب أنَّ إيران لن تقف، من حيث المبدأ، ضدَّ هذا الهدف الاستراتيجي الكبير الذي تسعى إليه إدارة الرئيس بوش في رُبْع الساعة الأخير من عهدها، فالمبادئ لا يمكن أن تكون موضع اتِّفاق أو خلاف حقيقيين إلا في التفاصيل.
وفي التفاصيل، لا بدَّ لإدارة الرئيس بوش من أن تُظْهِر رغبة جادة وصادقة في شراء هذا التعاون الإيراني. وليس من سبيل إلى إقناع إيران بوجود رغبة كهذه ما لَمْ تُوسَّع "السوق" وتتَّسِع، فطهران تريد، في المقام الأوَّل، "وجودا سياسيا استراتيجيا دائما" في العراق في موازاة الوجود العسكري الاستراتيجي الدائم للولايات المتحدة فيه، واتِّفاقا مع الولايات المتحدة في شأن برنامجها النووي يسمح لها بالمضي قُدُما فيه على أن تعطي من الضمانات ما يكفي لجعل الولايات المتحدة متأكِّدة أنَّ "نووية" إيران لن تتحوَّل من "كهربائية" إلى "عسكرية".
إذا نجح كلاهما في إقناع الآخر بأنَّ له مصلحة كبرى وحيوية في التعاون معه فقد يتحوَّل الوجود العسكري للولايات المتحدة في العراق إلى وجود استراتيجي "غير قتالي"، على أن تنتقل مهمة القتال اليومي ضد "المتمردين"، إذا ما استمروا في "تمرُّدهم"، إلى الحكومة المتعاونة عسكريا وأمنيا، في هذا المجال فحسب، مع إيران.
وتعتقد إدارة الرئيس بوش أنَّ مواطنيها لن يقفوا ضد احتفاظ دولتهم بوجود عسكري دائم في العراق إذا ما ثَبُتَ أنَّه سيكون من النمط الكوري الجنوبي، أي إذا ما أصبح "المارينز" في بروج مشيَّدة لا يُدْركها الموت العراقي.
هذا هو "التعاون" الذي اقترحته إدارة الرئيس بوش على إيران في فرصته الأولى والأخيرة فإمَّا أن تغتنمها طهران وإمَّا أن تقع الواقعة، فالرئيس بوش قاب قوسين أو أدنى من التحوُّل إلى شمشون الذي فَقَد البقية الباقية من الأمل. جواد البشيتي