بوش يطلب البقاء في العراق لـ 30 عاما

بقلم: سمير عبيد

قررنا أن نكتب هذا المقال على طريقة دقات النواقيس، وطريقة الومضات ولمن يريد الإنتباه والتفكّر، ودون أن نجامل أحد أو نتنازل لطرف من الأطراف التي نراها تتصارع في وعلى العراق، لذا فلو جئنا الى موضوع البرلمان العراقي (مجلس النواب) فنراه معطلا من الناحية الفنية والقانونية والدستورية، لأن هناك أكثر من 80 نائبا لم يحضروا جلسات المجلس أبدا، وأنهم يقيمون مع عائلاتهم في خارج العراق، وهذا يدل على أن جميع القرارات التي تم التصويت عليها، وتم تمريرها هي باطلة من الناحية القانونية والدستورية، أو أن عليها جدلا تشريعيا وقانونيا، ولو جئنا الى هذا الموضوع فلم يحصل في أية دولة غير العراق، وهذا يدل على أن الولايات المتحدة تمتلك أجندة إستراتيجية في العراق، ومن مصلحتها أن يكون البرلمان العراقي بهذه الصورة المهلهلة من أجل تمرير ما تريد، وبالفعل تم لها هذا، ولكن الشعب العراقي ليس ساذجا، وأن هذا المجلس لا يمثل الأغلبية العراقية.
وبالتالي فأن الشعب العراقي يمتلك حق النقض والفيتو وبأية لحظة يشعر بأنه قادر على إستعمال هذا النقض وهذا الفيتو، وكي لا نعمّم الخطأ البرلماني، وكشهادة للتاريخ فأن عددا كبيرا من البرلمانيين يصرحون ويؤكدون بأن هناك قرارات تم تمريرها إجباريا حتى وصل الأمر الى موضوع "الإستثمار النفطي/قانون النفط" والذي هو كارثي إن تم التصويت عليه بصيغته الحالية، والتي هي صيغة أميركية لأهداف إستعمارية بحتة.
ولكن الولايات المتحدة تعتبره الثمرة الكبيرة من إحتلالها العراق، لهذا تصر على التصويت من أجل تمريره، ولكن المجموعات البرلمانية، وخصوصا التي تمتلك أجندة مذهبية وطائفية وإسلامية، ومن الجانب الشيعي والسني إستشعرت بأن مجرد التصويت لصالح تمرير قانون النفط سوف تركن جانبا ثم سيكون مستقبلها النزول من سطح سفينة الإحتلال، لأن صلاحيتها ستنتهي بعد هذا التصويت، لهذا فهي تسوّف بعملية التصويت ليس بدافع وطني وأخلاقي، بل بدافع الخوف على مستقبلها السياسي وما يتبعه من مكاسب ونفوذ وسطوة وغيرها .
ولكن وعلى مايبدو فإن الرئيس الأميركي والإدارة الأميركية قررا المكاشفة والمصارحة مع المجموعات الحاكمة في العراق، وضمن إستراتيجية "المصارحة والمساومة" والتي جاءت على لسان الرئيس الأميركي، ومن خلال الحديث التلفزيوني وعبر الدائرة التلفزيونية المغلقة مع رئيس الحكومة العراقية، وكبار أعضاء الحكومة ومنهم طارق الهاشمي وعادل عبد المهدي، عندما قال لهم بأن القوات الأميركية باقية في العراق، والى أمد بعيد ولقد صرّح المتحدث باسم مجلس الأمن القومي التابع للبيت الأبيض السيد جوردون جوندور قائلا "لقد حث الرئيس الزعماء العراقيين على إحراز تقدم باتجاه إنجاز قانون اقتسام عوائد النفط وإصلاحات سياسية، وضرورة جمع الأطراف كلها في العراق" وهذا يعني أن الرئيس خاطبهم بوضوح إن لم يُمرر قانون النفط فليست هناك إصلاحات سياسية .
وقد قال السيد جوردن جوندور أيضا "لقد أبلغ الرئيس القادة العراقيين برغبته بوجود طويل الأمد في العراق وعلى غرار وجود القوات الأميركية في كوريا الجنوبية لدعم الإستقرار وليس للقيام بدور قتالي" وهو غزل دبلوماسي للمجموعات المترددة في التصويت على قانون النفط (القانون الأميركي) والتي تخاف على مستقبلها السياسي في العراق.
ولكن لو جئنا للحقيقة فأن الرئيس جورج بوش لم يأت بشيء جديد، ولكن معظم العرب والعراقيين يتناسون الأحداث ويقفزون على الحقائق، وهذا يعني أننا شعوب لا تقرأ ولا تحلّل، وأنها تعودت على وتيرة السرعة والإيمان بالعمل على إستراتيجية الحاضر دون ربطها بالماضي، وعدم أعطاء الجهد من أجل التفكير بالمستقبل والعمل على وضع الإستراتيجيات لهذا المستقبل.
فتعالوا معنا نحو العودة الى الوراء، وحيث عام 2003 وهو عام العدوان على العراق وإسقاط النظام فيه، ومن ثم إحتلاله وإعادته الى عصر ما قبل الدولة والنظام، ومن أجل أن نثبت لكم بأن الإدارة الأميركية والإستراتيجيين الأميركان يسيرون ضمن خطط إستراتيجية ممنهجة وطويلة الأمد، فلهذا نعطي ثلاث شهادات على ذلك وهي:
الشهادة الأولى:
أن هذه الشهادة من أروقة مجلس الحكم الإنتقالي في العراق، والذي أسسه الحاكم المدني الأميركي السابق في العراق بول بريمر بعد سقوط النظام في العراق، ولقد كتب كاتب المقال في حينها مقالا، وتحديدا في شهر ديسمبر عام 2003 وعن هذه الشهادة التي بشرّت بمسلسل الرعب والفساد الذي يعيشه العراق الآن، وعندما صرح لنا في حينها أحد المقربين من مجلس الحكم عن هذه الطبخة النتنة، حيث أكد أن هناك إقتراح داخل مجلس الحكم الإنتقالي، ولقد تعالت النقاشات حوله وبرعاية قوات الإحتلال وهو يقضي الى "تقسيم العراق الى تسع (9) دويلات شبه مستقلة لكل منها قوات مسلحة وجهاز شرطة وأمن داخلي" وقال المصدر في حينها بأن هناك أطرافا أكدت بأن الولايات المتحدة بصدد جس نبض أعضاء مجلس الحكم حول هكذا مشاريع، ولقد نشرت صحيفة الوفد المصرية بتاريخ 26 نوفمبر 2003 تقريرا كاملا عن هذا المشروع..... ولقد تجاوب عدد كبير من المعنيين في مجلس الحكم حول هذا الإقتراح، وعلى ضوءه تم الشروع بالتخطيط الى تأسيس المليشيات الحزبية والمناطقية الخاصة، والطائفية والإثنية منها.

الشهادة الثانية:
لقد قال السيد لسبيلي غيلب وهو رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، ومن خلال مقال نشره في صحيفة نيويورك تايمز بعد سقوط النظام وفي ديسمبر من العام 2003 جاء فيه ما يلي "إن الإستراتيجية الأميركية الوحيدة في العراق والقابلة للحياة وتصحح الخلل التاريخي هو التحرك على مراحل نحو الحل الثلاثي، أي الأكراد في الشمال، والسنة في الوسط، والشيعة في الجنوب" ولقد عرّج في المقال نحو إستعمال إسلوب الوخز والتحريض عندما قال "وأن الدولة السنيّة بلا نفط وبلا عائدات فلابد أن يعتدلوا وإلا يعانوا العواقب..... وأن الفكرة هي تقوية الشيعة والأكراد وإضعاف السنة، وأن الخطوة الأولى تكون من خلال الحكم الذاتي للجنوب والشمال وننتظر النتائج".... هل عادت بكم الذاكرة الآن نحو الوراء، وهل قرأتم أخيرا التقارير الإعلامية التي تسربت عبر وسائل الإعلام بأن في المنطقة السنيّة إحتياطيا نفطيا يصل الى 100 مليار برميل، وهل عرفتم المغزى من هذا؟... أنه تشجيع السنة في العراق على قبول فكرة التقسيم، ولهذا تم تهيئة بعض القادة السنة الذين آمنوا بهذه الفكرة أمام الأميركان، وأنهم يناورون بعدم قبولها إعلاميا فقط، ولا داع لذكر أسماء هؤلاء القادة السنة، والذين أجادوا ولا زالوا يجيدون اللعب على الحبال، ويجيدون لعبة إسمي بالحصاد وشنطتي مفتوحة وليس (ومنجلي مكسور) مثلما هو معروف في المثل العتيق.
الشهادة الثالثة:
في ديسمبر من عام 2003 أعلن السيد جون الترمان وهو مدير برنامج الشرق الأوسط بمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن، وفي ندوة عقدها المركز الأميركي بالأسكندرية، وحضرها رئيس جامعة الإسكندرية الدكتور محمد عبد اللاه وعدد من ممثلي الحزب الوطني في الإسكندرية ما يلي:
لا يوجد خلافا بين الكونغرس الأميركي وصناع السياسة الأميركية إتجاه الحرب على العراق.
إن الخلاف ينحصر حول المدة التي سيستمر فيها إستعمار العراق، إذ دعى صانعوا السياسة الأميركية الى أن تكون 30 عاما ...وهو ما أعترض عليه الكونغرس.
وأن مكتب نائب الرئيس، ووزير الدفاع هما الأشد تأييدا للحرب... أما وزارة الخارجية ووكالة المخابرات الأميركية الاقل تأييدا للحرب.
لهذا إنتبه الرئيس الأميركي جورج بوش ومجموعة المحافظون الجُدد لهذا الخلل من وجهة نظرهم، فتم إبعاد وزير الخارجية السيد كولن باول والذي كان يمثل مجموعة الحمائم في الإدارة الأميركية لتجلس مكانه الآنسة كوندليزا رايس صاحبة فكرة الحروب الإستباقية، ومن المؤيدين لمجموعة المحافظين الجُدد، وهكذا تم التأثير على مدير وكالة المخابرات المركزية السيد جورج تينت كي يستقيل من منصبه لتُزج شخصية عسكرية ولأول مرة لتكون على رأس وكالة المخابرات المركزية من أجل الإلتفاف وبدعم من وزير الدفاع الأميركي السابق وصقر مجموعة المحافظون الجُدد رامسفيلد.
فهل عرفتم الآن بأننا شعوب لا تقرأ الكثير، ولا تتعب نفسها بالتفكير، ومن ثم شعوب تنسى بسرعة مقابل خصوم كبار يتحركون ضدنا وضد دولنا وشعوبنا ضمن مخططات إستراتيجية بعيدة المدى؟
لهذا فليس هناك مبرر للإستغراب حول حديث الرئيس الأميركي جورج بوش بأنه سيبقى في العراق لأمد طويل ويصل الى 30 عاما، فهم جاءوا كي يبقوا، وجاءوا بهدف تأسيس الشرق الأوسط الجديد، والذي هو تسمية دبلوماسية لــ "إسرائيل الكبرى" والتي يراد لها أن تمتد من يافا وعكا نحو باكستان، ومن حدود أفغانستان مع الصين والتي بحدود 73 كم نحو الصومال وشواطئ البحر الأحمر وأفريقيا .
ولهذا فهناك المخطط المرسوم الذي يسير قدما في أفغانستان و العراق ولبنان واليمن والصومال ومصر والسودان ودول المغرب العربي وموريتانيا... ولكن هذا لا يعني الإستسلام لهذا المشروع، ولهذا هناك المقاومة العراقية والفلسطينية و الأفغانية واللبنانية والصومالية، وهناك الثبات السوري والسوداني، واليقظة لدى الشعب المصري ولدى الشعوب وبعض القيادات في دول المغرب العربي، وأن جميع هذه الجبهات تمتلك مشروعا مقاوما هدفه الدفاع عن الأرض والأديان والشعوب والثروات والموروث والثقافة والتاريخ والحضارة ومستقبل الأجيال في هذه الدول والجغرافيات التي ذكرناها... وأن المعركة طويلة جدا، وتوحي بالإتساع والخسائر الجسيمة، فمن جانب الشعوب والدول العربية والإسلامية فشعارها شكسبيريا "نكون أو لا نكون".
ومن الجانب الأميركي والإسرائيلي فشعارها "نحاربهم في عقر دارهم وإن أقتضى الأمر سوف نبيدهم".

سمير عبيد
كاتب ومحلل سياسي
مركز الشرق للبحوث والدراسات samiroff@hotmail.com