المقاومة أم الخوف في غيرونيكا بيكاسو؟

بقلم: السيد نجم
استرضاء عناصر الخوف في الطبيعة

تعد لوحة "الغيرونيكا" لبابلو بيكاسو التي رسمها عام 1937م، على اثر الحرب الأهلية في أسبانيا (موطنه الأصلي)، تعد من أهم الأعمال التشكيلية أهمية خلال القرن الماضي، حتى اعتبرها البعض "لوحة القرن". فهي المعبرة عن هذا القرن الذي شهد مقتل سبعين مليونا من البشر، في حربين عالميين، وحروب إقليمية، ما بين عسكري ومدني. كما اعتبرها البعض لوحة "الخوف" المطلق، وتحمل من السمات الفنية ما يجعلها امتدادا وتطويرا في التعبير عن "الخوف" طوال حياة الإنسان على الأرض.
فعناصر اللوحة: القتيل الملقى على أرضية اللوحة.. الطفل الذي يبدو أنه يستغيث من هول ما يرى أو من هول ما نتوقع أن يكون يراه.. رأس الحصان مفتوح الفم الفزع.. رأس المرأة الباكية.. الثور المتابع في فزع بقدم واحدة.
تلك العناصر هي الأشكال البصرية في اللوحة، وهي مصدر المعلومات عند المشاهد.. بينما نجد الرجل القتيل كتلة واحدة بلا تفاصيل (تقريبا) معبرا عن إنسان/قتيل/بلا ملامح لبيان جنسيته.. فيتفاعل الرمز مع الموضوع، وندعى أنه التعبير عن كل الناس/ عن الإنسان الذي قتل ولا نعرف أو لا يعرف هو مبررا لقتله.
بينما جاءت "رأس الحصان" مليئة بالتفاصيل.. نظرة العينين، اللسان المنطلق من أعلى حدود ترتيب وشكل الأسنان، التجويف البلعومى الواضح بينما اللقطة جانبية لرأس الحصان وليست أمامية.. كلها تشي بهول ما يعرفه الحصان والفنان الذي رسمه، ثم المشاهد الذي يتابع تحليل جزئيات الصورة، بعد أن صدمته صدمتها الأولى كما كل اللوحات التشكيلية.
ثم كان الطفل، لم نر سوى رأسه ورقبته، ومع ذلك حاضر في اللوحة وفى ذهنية المشاهد بإلحاح جميل. ربما لدعوة الاستغاثة التي يرفعها بذراعية حتى بدى وكأنه يغرق، وأصابع كفيه مفرودة عن آخرها.
تحمل الصورة عناصر أخرى، عالجها الفنان تشكيليا.. سواء في توظيف الخط الذي يبدو في اللوحة غير مستقيم منبعجا، أو في اللون ما بين الأحمر والأصفر والأزرق، وربما في شغل فراغ اللوحة وتوزيع الكتل فيها.. سواء كانت الألوان مكثفة أو باهتة، أو كان الخط غليظا أو غير ذلك، فلها دلالاتها ومعانيها.
ما زال السؤال: هل تلك اللوحة تعبر عن المقاومة أم عن الخوف؟
لقد حددت قواعد البحث على أن النظر في أدوات الفنان هي الفيصل في تحديد توجهاته، ففي تلك اللوحة عدد من التصميمات تشي بالآتي:
تخليق الرمز وتوظيفه.. إن العناصر المادية والمعنوية التي وظفها "بيكاسو" سواء القتيل، رأس الحصان، الطفل وغيرها بالطبع. جعلت المشاهد يتعايش مع عناصر بيئته وأحداثها (الحرب الأهلية).
المعالجة الانفعالية لتلك العناصر.. تكشف عناصر اللوحة عن بعض دوافع الفزع الذي يتعايش معه المشاهد، فور الرؤية الأولى للوحة. فما زال الحصان يحمل دلالات الحروب، والثورة دلالة القوة والطفل براءة المستقبل، والقتل هو القتل.. نهاية غير آمنة للإنسان.
تكشف تلك اللوحة البعد الذاتي النفسي/العقلي أو الفكري لصاحب اللوحة، كما تكشف البعد الاجتماعي العام والشامل الذي استقبلها. فقد نجح بيكاسو في إضافة ذاته الفنية المختلفة في التعبير.. سواء في أدواته التشكيلية وقواعد فن التصميم بالألوان، كما أضاف في تناوله الذهني باستخدام الرمز.
نظرة واحدة لـ"نظرة العين" في كل عناصر اللوحة، سواء للحصان أو الطفل أو القتيل أو حتى الثور، تبرز التيه والخوف والدهشة والرفض في النهاية!
هذه اللوحة تكشف أن الفنان الأصيل لا يستطيع أن يعيش خارج ذاته ولا خارج بيئته ومعاناة جماعته، للاكتفاء بالنظر إلى جوهر الأشياء. وهو ما يجعله يحمل صفة الإنسانية، وهي سمة الأعمال الفنية الخالدة، وبالتالي ما تحقق لبيكاسو من جراء رسم تلك اللوحة.
لقد مر التعبير عن الخوف في الأعمال الفنية مجتمعة، بمراحل وأشكال مختلفة. منذ لوحة الثور المنحوتة في الكهف الاسترالي الشهير أي منذ حياة الإنسان الأولى والبدائية.. حتى بعد أكبر حربين عالميتين عرفتهما البشرية. وعلى الجانب الآخر توسل الإنسان الأول استرضاء عناصر الخوف في الطبيعة باستخدام الوشم أو بالابتهالات.. وفى تلك اللوحة تبدو حركة ذراعي الطفل ابتهالا بمعنى ما.
تتعدد الرؤى والتفسيرات، ويبقى السؤال المراوغ حول كون تلك اللوحة تعبيرا عن الخوف أم المقاومة؟
يلاحظ المتابع أن كل اللوحات التي رسمت تعبيرا عن حروب الاسكندر الأكبر والثورة الفرنسية، يغلب على شخوصها وحيواناتها أيضا "الخوف"! (منها لوحة "تييبولو" المسماة الحصان الخشبي العملاق الذي يسحبه أهل طروادة إلى داخل الأسوار).
إذن هل من علاقة ما بين الخوف والمقاومة؟
يبدو أنها كذلك.. علاقة حقيقية وإنسانية أيضا. فالمقاومة بمعنى ما التعبير العملي والفعلي لغريزة البقاء وحب الحياة.. هناك منها ما هو غير ارادى، مثل الفرار أمام الأخطار، وهو ما يمثله الهجرة والنزوح أمام خطر العدو القادم. ومنها المقاومة/ القرار/ أو المواجهة وهو ما يمثله الصراع بكل أشكاله حتى الحروب بين الدول والأمم.
فالخوف والمقاومة غريزة إنسانية، والخوف شعور داخلي، بينما الجزء المرغوب من المقاومة والغالب على دلالاتها هو فعل خارجي.. أو رد الفعل الايجابي تجاه الأخطار.
ماذا عن لوحة "الغيرونيكا"؟
لقد تم تنفيذ تلك اللوحة، في زمنها ومكانها متفاعلة مع أحداث الحرب داخل أسبانيا.. جاءت عناصر تشكيل اللوحة معبرة عن مراحل الخوف والصراع أيضا، وهو ما تبدى من نظرة العيون (كل عيون عناصر اللوحة)، وتشكيل الخط المضطرب غير المستقيم المتداخل، واستخدام الألوان الصريحة والصارخة أيضا.
أما والخوف سلوك بشري طبيعي، والمقاومة أيضا وعلى درجات وأشكال مختلفة.
فيمكن القول بأن تلك اللوحة جاءت معبرة عن "الخوف" في صدقها للتعبير عن دواخل الإنسان.. ومعبرة عن "المقاومة" في توجهها وبث نزعة العمل من أجل؟
فالعمل الفني المقاوم يحث على أن نفعل، ولا يحثنا على فعل عمل محدد.. أي بمعنى ما فهو أدب الحث على التفكير وإعادة النظر من أجل القيم العليا والقيم السماوية.
وهو بالضبط ما تحقق مع تلك اللوحة الشهيرة "الغيرونيكا". السيد نجم abnegm@gmail.com