منير مزيد ورياح التغيير في الأدب العربي

إعداد الناقد والباحث الروماني: ماريوس كيلارو
نشكر العالم الإسلامي على الشخصيات التي قدمها

ترجمة: د. رضوان قدحنون
في أذني ..
تهمس العصافير…
في روحي ..
ينهمر المطر الأرجواني…
وفي قلبي ..
تنمو أزهار السماء…
وفي شعري ..
يسكن الله.
منير مزيد
لمحة سريعة إلى كتاب القواعد للحضارات العالمية يتضح جليا مدى التباين الموجود بين المجتمعات الإنسانية، ليس فقط في الاختلافات العقلية والذهنية، وإنما أيضا في رد فعل الأفراد والمجتمعات في عالم برغماتي، واقعي، نعيش فيه والقائم على المصالح، ويسير وفق مصالح وكتل معينة.
بالتوازي مع التقدم، غالباً ما يضع معطف يانوس، وهو عبارة عن إله ذو وجهين يرقب الداخل / المستقبل، الخارج / الماضي.
وبنظرة إلى البدايات الجديدة لكل عام (يانوا، يناير/كانون الثاني = البوابة) تظهر لنا على التوالي الأشياء الطيبة التي تتعلق بالرفاهية، وكذلك المخاطر والتغيرات السلبية الحاصلة لكوكبنا مثل الانحباس الحراري وارتفاع درجة الحرارة، والاستقطاب الاجتماعي، فالعديد من القضايا الاجتماعية المحورية قد تم تجاهل إيجاد حلول ناجحة لها.
الدبلوماسية والمنظمات العالمية التي ينبغي عليها أن تمنع كوكبنا من تجريب مخاطر النزاعات المدمرة، تفتقر تلك المساعي إلى الفاعلية الكافية عند مجابهة المصالح الكبرى للقوى المسيطرة، فالعالم يتغير بصورة لا رجعة فيها، في الوقت الحالي.
العولمة وبطريقة ما، تعتبر مسؤولة عن فرز سياسات متناقضة وغريبة، وخاصة أنها أتاحت الفرص لوسائل الإعلام والحملات الدعائية المغرضة والتي تسيطر عليها تلك القوى بأن تروج ما تراه مناسبا لمصالح تلك القوى المهيمنة، مستخدمة أساليب متكررة باستغلال الفن في خدمة أغراضها الدعائية.
دورة التطور الجديدة لقارتنا ترسم منظوراً آخر لأفكار قد أسهمت في البقاء على وحدة الشعوب في القرن التاسع عشر.
الأمة والأرض القومية والقيم التقليدية رموز مصلحات تعطي تكافؤا جديدا، دون تفسير واضح من قبل أولئك الذين يقومون بإنتاج ملابس جديدة.
لذا نقول: لا جديد تحت الشمس، باستثناء النسب وحدّة المباراة والمنافسة.
في ظل هذه الظروف، ماذا تعني كلمة الثقافة، والتقاليد والآداب بالمقارنة مع القطب الذي تحكمه النفوذ والمصالح والمال؟
حقيقة ما أريد التأكيد عليه، حسب تقديري كمفهوم عام، هو أن البشرية، وبطريقة ما، تبدو بأنها تعيش في عوالم متوازية، وبالتالي، ليس من جل اهتماماتي أن أتصور كيفية اندماج وتفاعل تلك العوالم مع بعضها البعض، ولا من هي تلك القوى المسيطرة والطريقة التي تتحكم بها والقوة المحركة لها.
ولكن من جانب آخر، فالبشر، وعلى اختلاف أعراقهم وجنسياتهم واختلاف المناطق الجغرافية المتعددة في هذا العالم، تبقى مشكلتهم الجوهرية التي تواجهه الفرد هي نفس المشاكل المتعلقة بالحياة اليومية، سواء كانت للفرد أو الجماعات.
فربما إذن، العديد من المشاعر الإنسانية للأفراد أو الجماعات ترى وعلى المستوى الشخصي أو المصلحة العامة، بأن العالم بعيدٌ كل البعد عن عالم السياسة، وعلى هذا الصعيد يستطيع المرء مناقشة، أو الخوض في، مواضيع الحب والصداقة والشعر .
إحدى المشاكل الجوهرية في بداية الألفية الجديدة هي كيفية إيجاد الطريقة المثلى للتعامل مع ما يسمى بصراع الحضارات، والتي تم تحليلها ووضع تصور لوجود مثل هذا الصراع وحتمية وقوعه.
وعلى جوانب هذه اللوحة والتي تصور العلاقة ما بين العالم الغربي من جهة والعالم العربي / الفارسي من جهة أخرى، توجد أشياء كثيرة يمكن الحديث عنها، بدءاً من التقدير الاستقرائي لبعض أنظمة القيم والمفاهيم وبعيداً عن مناطق النزاع التي قد تؤدي إلى فشل مؤلم.
هؤلاء الذين يؤمنون بالله يتهمون، وبشكل مباشر تقريباً، المسيحيين والديمقراطية الغربية، وكذلك يتهم الغرب الإسلام.
وهناك مصطلحات مثل الأصولية والتطرف والحرب المقدسة والجهاد أخذت زخماً وشكلاً آخر تحت صولجان المؤسسات الدعائية في كل أنحاء العالم.
وبلاء الإرهاب قد جعل الأشياء تبدو أكثر سوءاً. فالهجمات الإرهابية التي حدثت في نيويورك في 11 سبتمبر/أيلول، والهجمات على محطات قطارات مدريد في 11 مارس/آذار، وكذلك العديد من الهجمات الإرهابية التي حصلت في أفغانستان والعراق والهند وباكستان وأندونيسيا الخ، لا يمكن تبريرها أو حتى القبول بها مهما كانت الذرائع، حتى وإن حاول البعض تصويرها كجزء من الحرب المقدسة.
كما أن الهجوم على دول، حسب ما يراه الطرف الآخر ذرائع يمكن قبولها، هو أمر مرفوض قطعياً .
احيانا، تُستغل آراء الناس العاديين، وذلك بسبب الجهل، ففي مفاهيم سوتارا القديمة المستوحاة من ميكايّو والتي غطاها غبار النسيان، والتي تم اعتمادها في فنون القتال، تذكرنا بأن الحقد هو نتيجة الخوف، والخوف هو نتيجة الجهل، والجهل هو النتيجة الطبيعية لقلة وعدم المعرفة.
لذا علينا أن لا ننسَ الشخصيات العظيمة التي قدمها الإسلام للبشرية من أمثال ابن سينا والرازي وابن طفيل والفارابي والغزالي والخيام وشيرازي وابن رشد، وكذلك شعراء العصر الحالي أمثال أدونيس ومحمود درويش ومنير مزيد وكثيرين غيرهم ممن كان لهم تأثير مفيد على العالم وخاصة الغرب المسيحي.
وعلى الجانب الآخر، يبدو أن العالم الإسلامي قد نسي أيضا بأن أبي نصر الفارابي (872 ـ 950) الذي وضع رؤيته وفلسفته تجاه العالم يعتبر المعلم الثاني في العالم الإسلامي، حيث إن المعلم الأول هو الفيلسوف اليوناني أرسطو.
لقد كتب ابن سينا بأنه قد استوعب وفهم أفكار أرسطو من خلال قراءته ودراسته لأعمال الفارابي. وكتب ذلك في نفس الفترة التي حاول فيها أبو الحسن البصري حماية الدين من التآكل بسبب سطحية النهج.
إذن، لا يوجد شيء اسمه الكامل في المجتمع، ولا يمكن أن تستمر الأوضاع الحالية لفترة طويلة، ولكن على الدولة أن تنشر تقاليد وطقوس الأخلاق الحقيقية، يبدو أننا في الغرب قد نسينا، فيما عدا بعض الأمور التي تعتبر أقل ملاءمة، أشياء عظيمة وتنويرية جاءت من الشرق الإسلامي.
إذن، كيف تسير الأمور فيما يتعلق بالأدب؟
يعتقد العديد من كتاب العرب وبسبب وجيه وليس استعباطاً، بأن القرن العشرين وبدايات القرن الحالي قد جلب رياح التغيير في الأدب العربي، من خلال الهجرة وبمساعدة الكتاب العرب الذين درسوا في الغرب حيث أنشأوا العديد من الصحف والمجلات الثقافية ودور النشر في باريس ولندن وحتى الولايات المتحدة الأميركية.
وقد أطلق على هؤلاء بشعراء وأدباء المجهر، فالعديد من المفكرين العرب قد اختاروا الهجرة، وقد أسهموا باطلاع الآخرين في العالم على فنون وآداب العرب من خلال نشاطاتهم، متسلحين بثقافاتهم الإنسانية، وقيمهم الروحانية، وكذلك عاداتهم وتقاليدهم المتأصلة التي ورثوها عن الأجيال التي سبقتهم، لقد جلبوا تلك المفاهيم والقيم معهم إلى هجرتهم، وخاصة إلى فرنسا وبريطانيا اللتين كانتا وثيقتي الصلة مع العالم العربي منذ عهد الاستعمار، وكذلك نحو الولايات المتحدة الأميركية وألمانيا.
أما منير مزيد فقد اختار رومانيا لتكون المنطلق الأساسي له والمكان في بناء عالمه كمؤلف وكاتب.
منير مزيد والملقب بـ (انديميون) شاعر وروائي ومترجم، أردني من أصل فلسطيني، درس في إنجلترا والولايات المتحدة الأميركية، يكتب الشعر والقصة القصيرة والرواية والمقالات الأدبية باللغة الإنكليزية والعربية.
يقيم حاليا في رومانيا، استطاع في وقت قصير أن يضع اسمه بين كبار شعراء وكتاب رومانيا، وبناء صداقات وعلاقات متينة ومثمرة معهم.
وقد قامت دار جونيما للطباعة والنشر، التي تعتبر واحدة من أعرق دور النشر في أوروبا في مجال الأدب، بنشر روايته "الحب والكراهية" باللغة الإنكليزية، وقد لاقت نجاحا ورواجا في رومانيا، بحيث تناولها العديد من نقاد الأدب بالدراسة والتحليل.
وقد أطلق عليها البروفسور أنطون كراجا (رواية القرن الواحد والعشرين) ومن ثم قامت رابطة شعراء ياش بإصدار مجموعتين شعريتين، الأولى "فصل من الإنجيل"، وقد تم إصدار هذه المجموعة بثلاث لغات: العربية والرومانية والإنكليزية، وسوف يتم نشر تلك المجموعة بثلاث لغات أخرى: الإنكليزية والإسبانية والفرنسية.
أما المجموعة الثانية "جداريات الشعر" فقد صدرت في أربع لغات: الإنكليزية والعربية والرومانية والإسبانية.
وحاليا في صدد إعداد مجموعة جديدة أخرى "صور في الذاكرة" التي سوف يتم نشرها في خمس لغات: الإنكليزية والعربية والرومانية والفرنسية والبولندية، بالتزامن مع روايته "الحب والكراهية" باللغة الرومانية.
ومازال في جعبة منير مزيد العديد من الأعمال الشعرية والروائية، ففي الشعر "الألواح المفقودة"، و"صور من الوجه الأخر للجحيم"، و"تأملات جمالية"، و"آلام شاعر". أما في الرواية "عروس النيل والسقوط".
لقد سبق وأن قدمت شرحاً لرواية منير مزيد "الحب والكراهية" وقمت بنشر العديد من المقالات النقدية حول تلك الرواية وسوف أشير هنا إلى موجز عام لتلك الدراسة.
منير مزيد ليس فقط قاصا ماهرا، وإنما أيضا في المنهج والطريقة التي تم فيها كتابة الرواية، والتي هي مدار البحث والاهتمام، استطاع الكاتب تطوير أسلوب الحبكة الدرامية إلى عدة مراحل مختلفة، وبطريقة رياضية يبدو أنها كانت مجرد ذريعة للتخطيط لشرح بعض أفكاره وإعادة تفسير بعض الخرافات (وهو نهج عالمي) كتكرار لبعض الرموز على مستويات مختلفة من الفهم.
وبما أن منير مزيد لديه الاطلاع على جوانب مختلفة من عالم الأساطير والفلسفة، استطاع توصيل رؤيته الخاصة لنا، وهي ببساطة "الحب دواء لكل علة ولا يوجد سبب لتبرير الإرهاب، وأن السلام يستحق دوماً البحث عنه والسعي الجاد من أجل تحقيقه، وكذلك هو حال الدفاع عن القيم العائلية وصلة القرابة والدم، والصداقة وإظهار مفاهيم التسامح الديني والعرقي."
على سبيل المثال، عن فترة ما قبل حرب الخليج الأولى بين قوى التحالف والعراق إبان احتلال العراق للكويت، ذكر المؤلف وعلى لسان بطل الرواية (أندرو) بأن الحرب حتمية، معللاً، بأنها تخدم مصلحة رجال السياسة وبعض القوى الاقتصادية، وبالتالي فإن القرارات السياسية تؤثر فعلياً في حياة الناس.
بعبارة أخرى، وبالنسبة لنا، نحن الذين نعيش في منطقة بعيدة نوعاً ما عن منطقة الصراع ونجهل بالتالي ما يحدث هناك بالضبط، إلا من خلال ما تتناقله وسائل الإعلام، نرى الوضع هناك مأساويا حقاً.
وبالنسبة لنا أيضا فمن الصعب علينا معرفة من هو على حق وعلى خطأ، وكذلك من الصعب أن يفهم الإنسان إذا كان لا يزال يعرف معنى العدل، أن يُقتل العديد من البشر في سبيل السلام، في عالم مازال يكتب فيه الشعراء بالعربية والعبرية واللاتينية والرومانية والفرنسية .. الخ.
فكل البشر الذين يعيشون هناك سواء أكانوا عربا أو يهودا قد تأثروا بهذا النزاع بطريقة ما أو بأخرى. كتابات الناس هناك تحمل في أرواحهم الحزن والألم والقلق والانزعاج والإحباط وكذلك الأمل بإحلال السلام والسعادة والهدوء مكان القتل والتدمير.
في أعمال منير مزيد الإبداعية، لا يشعر المرء بوجود أي تعصب أو تطرف، حتى في حين التطرق إلى القضايا الأكثر حساسية وتعقيداً، وإنما يجد لغة الحب والتسامح، وعندما اضطر (أندرو) إلى مفارقة أبيه العائد إلى وطنه الأم، أبدى رغبته في البقاء في أميركا على الرغم من المشاكل التي تواجهه وظروف الحياة المعقدة بالإضافة إلى خلافه مع زوج أمه.
يبدو أن الكاتب أراد أن يعزز مفهوماً آخر لمعنى المواطنة وخاصة أن هنالك العديد من البشر في العصر الحالي يقطنون خارج حدود الوطن، ومع ذلك، يطالبنا الكاتب بالمحافظة على عاداتنا وقيمنا الأخلاقية والروحية وثقافاتنا في أي بقعة نتواجد فيها مع الإحساس بالارتباط وتعزيز هذا الارتباط مع أرض الاغتراب التي هي في الأساس ليست الوطن الأم وإنما البديل.
على سبيل المثال كتب حسونة موشابي عما يشعر به خلال وجوده في ألمانيا، شارحا، إن كان هناك علاقة قوية مع ما يعني الوطن (الدين واللغة والثقافة) وبعد سنوات في الغربة والمنفى في عالم كل شيء فيه مختلف تقريبا، من اللغة إلى الموسيقى، وبالتالي يمكن ملاحظة تلك التغيرات، تجد بأن المرء لا يفقد وجهه أو يتغير، وإنما يغير هويته وحتى الطريقة التي يًُلفظُ بها اسمه.
منير مزيد مولع بالخفايا والماورائية وبدراسة الدلالات السحرية للأرقام وبعالم الأحلام وتفسيراته، وبأهمية الألوان وماهيتها وأثرها النفسي على الإنسان.
استناداً إلى تلك الأسباب فإنني لن أقوم بتصنيف الرواية في إطار محدد، وإنما أفضل أن اعتبرها وبطريقة شاعرية على أنها عرض تسجيلي لأفكار ورؤى الكاتب.
لقد كتب الرواية بدون تعقيد وبدون اللجوء إلى استخدام بعض التقنيات السردية المعقدة، وإنما كتبها بطريقة سلسة وسهلة ومركبة، ولكن دون الإفراط في السردية السطحية، لهذا أستطيع القول بأنها من السهل الممتنع.
أما الحديث عن التقنيات اللغوية فيمكن القول بأن الكاتب قد استخدم لغة حديثة وبعض التعابير المجازية والرمزية التي تستخدم عادة لإضفاء بعض المقاطع الموسيقية التي تماثل القصيدة .
بالإضافة إلى عشق الكاتب للشعر، هناك تدرج في الخطوط، وهذا واضح تقريبا في العديد من فصول الرواية، فلا يكاد يخلو فصل دون التطرق إلى الشعر ولغته وهذا يدلنا على محاولة منير مزيد في البحث عن أسلوب جديد ومبتكر في فن الكتابة مع الاحتفاظ ايضا، حسب وجهة نظره، بعادات وتقاليد شعبه وقيمه الروحية والثقافية بطريقة تكشف لنا عن العادات والتسامح الديني والعرقي وفق مفاهيم الغرب.
لقد ركز منير مزيد في روايته على عمق المشكلات والتحديات التي شهدها العالم في نهايات القرن العشرين وبدايات القرن الواحد والعشرين، ليست فقط تلك الأحداث المتعلقة بمنطقة الشرق الأوسط وإنما في العالم.
وقد وردت تلك الأحداث في بعض فصول الرواية ولكن الفصل رقم ثلاثين والذي يحمل عنوان "بؤس الحرب" كان أكثر تفصيلا في هذا الفصل عن بقية الفصول الأخرى، ولهذا السبب يجعل الرواية مثيرة وشيقة لأي قارئ في أي بقعة من العالم.
كثير من وجهات النظر تقول بأن الشعر العربي يمثل عالما مختلفا عن مواقفنا ورؤيتنا له في الغرب، فإذا كان لنا أن نذكر تلك الرؤى المتباينة، فبالتالي، علينا إذن دراسة الشعر العربي ومراحل تطوره ومنهاج النقد، بدءاً من القصيدة العمودية ومن ثم قصيدة التفعيلة ومن ثم لاحقاً قصيدة النثر التي ما تزال موضع جدل في العالم العربي حول شرعيتها.
أما في يتعلق بالنظرية الأدبية، فإن قراءة بعض كتب نقد الشعر العربي مثل قواعد الشعر أو كتاب نقد الشعر لقدامة بن جعفر سيكون حتماً مفيداً وممتعاً.
اللغة هي من المشاكل الكبيرة في عالم الشعر، وهذا ينطبق بالتالي على الشعر العربي.
قبل فترة قصيرة وفي مقابلة مع الشاعر أدونيس قال "إن الشعر العربي يعيش تحت علامة معينة تؤدي إلى اتجاهين: فكرية ودينية ذات أصل موسيقي واحد."
الشعر العربي في جوهره كما يرى بعض النقاد العرب يجب أن يكتب كما كان يكتب في الماضي وفقاً لنظام عروضي صارم حسب الأوزان والبحور التي وضعها الخليل بن أحمد الفراهيدي.
مع بداية القرن التاسع عشر بدأت بعض التغييرات الواضحة في الأدب العربي تأخذ مكانها وقد عرفت تلك الحقبة بـ "عصر النهضة".
يقول البعض إن هذا الاتجاه قد ظهر في القرن العشرين خصوصاً في مصر، ثم انتقل إلى باقي دول العالم العربي، بالإضافة إلى تلك التغييرات لا يمكن إغفال تنشيط الاهتمام في ترجمة الآداب الغربية.
هنالك أصوات تفترض أنه من الصعب تحليل الشعر العربي من وجهة نظر غربية ولا حتى في مجال النظريات النقدية أو في أسلوب وكيفية الكتابة، لأن المفاهيم والقيم والأنماط التفكيرية والثقافات مختلفة ومتباينة.
ولكن من المسائل التي تحظى بمناقشات ساخنة في عالم الأدب العربي هي تحديث الشعر العربي وذلك بقبول أو عدم قبول بعض الأفكار الغربية المبتكرة وبالتالي تطوير القديم.
أما منير مزيد فقد اختار التغيير في شعره والتخلي تماما عن المفاهيم القديمة مركزا على القضايا العالمية، السياسية والاجتماعية والرموز الدينية المختلفة التي أثرت على العالم بأسره.
نجد ذلك في قصائد له مثل "شكراً هيروشيما"، جدارية النبوءة، وحلم كوني، ورحلة إلى عالم الغيب، وفصل من الإنجيل ..إلخ..
وهو بهذا الأسلوب يتبع خط العالمية ويسعى إلى بناء جسور من أجل التعارف ومعرفة الآخر، أخيه الإنسان، وعدم إغفال خصائص بعض المواضيع الكبرى بما فيها شعراء كبار في العالم الإسلامي من أمثال الشاعر الإيراني سهراب سهيري، وفؤاد رفقة، وبدر شاكر السياب، وعبد الوهاب البياتي وغيرهم.
أما من الناحية الأسلوبية يتبع منير مزيد البساطة في اللغة والعمق معاً بحيث يستخدم أسلوب التناص، وهو يلجأ إلى استحضار عبارات سواء بنصها أو بإعادة صياغة لها من الكتب المقدسة مثل التوراة والإنجيل والقرآن الكريم والافستا الخ، إلى جانب من بعض الأساطير الشرقية والغربية والصينية واليابانية وأميركا اللاتينية.
لقد جمعت قصائد منير مزيد العديد من الأشكال الشعرية ما بين السرد الشعري وقصيدة الومضة كما يطلق عليها في العالم العربي، وما يقع بينهما من عناصر غنائية ودرامية.
إذن، يمكن أن يفهم شعر منير مزيد من جهة بدءاً من كونه عربيا، كما إنه لا يمكن أن ينسى ذلك أو يحاول تجاهل تلك الحقيقة، ولكنه مستعد للتفكير والكتابة كما لو أنه كان مواطنا عالمياً.
بعبارة أخرى، منير مزيد يحرص في كتاباته على العادات والقيم الاجتماعية والروحية المتعلقة بالعالم الإسلامي، ويحاول أن يكشف لنا حسب وجهة نظره ما يراه متناسباً مع المفهوم الغربي كما أسلفت سابقاً.
في كتابيه "فصل من الإنجيل" و"جداريات الشعر" يلاحظ المرء محاولة الشاعر في إيجاد نوع من التوازن بين الأجزاء التي تعنى بالموسيقى والإيجاز والتجريد والبساطة والعمق والابتكار والبعد عن التقليد والكلام المنمق والعبارات الرنانة والكلمات المبتذلة والصور التقليدية والإيقاعات الموزونة بل ضد الأنماط التفكيرية السائدة والسطحية والتراكيب البنيوية المعهودة.
إنه يرى أن الخطاب النقدي الحديث قد تجاوز هذا الأمر الخارجي للبحث في قوالب داخلية أكثر فعالية من واقع النصوص الشعرية نفسها، وليس من واقع نظريات قديمة أو حديثة تفرض قسراً على النص.
وهذا ما لاحظه أيضا الشاعر والناقد المصري أحمد فضل شبلول حين وضع مقدمته لديوان منير مزيد "جداريات الشعر".
وبهذا يؤكد الأستاذ شبلول رؤيتي والتي تقول بأن كتابات وأشعار منير مزيد ولادة أدبية جديدة لا تخضع للتصنيفات المعهودة أو المعايير المتداولة، وبأن هناك إمكانية لبناء جسر بحيث تلتقي عليه الثقافات المختلفة والمتعددة، وبالتالي، هذا ما سعى إليه شاعرنا منير مزيد، وقد حقق ما أراد وما سعى إليه من خلال تجربته الإبداعية في عالم الكتابة.
كتب منير مزيد أطروحته باللغة العربية حول مفاهيم مدرسته الشعرية الجديدة وقد أطلق عليها مدرسة أوغاريت، وفي الأطروحة يقر ويعترف بأنه ركز على ثلاث قضايا أساسية في شعره:
أولا: فهم فلسفة الموت وأثرها في حياتنا، وكذلك فهم معنى وماهية الروح. فهناك ارتباط وثيق بين مفهوم الموت والروح، وهذا يتضح في مجموعات منير مزيد الشعرية "فصل من الإنجيل" و"جداريات الشعر" و"الوجه الآخر للجحيم" و"الألواح المفقودة وتأملات جمالية".
ثانيا: العلاقة ما بين الإنسان والخالق، ومحاولة فهم ماهية الفكرة الإلهية، لهذا السبب يمكن تفسير رأي بعض النقاد الذين يرون بأن أشعار منير مزيد ذات طابع ديني، كما أشارت إليه الناقدة البروفسورة الأميركية جين هريس حين قدمت دراستها حول كتاب فصل من الإنجيل.
ثالثا: الأحلام والرؤى التي تجلت بشكل واضح في مجموعته "صور في الذاكرة" دون إغفال ذلك عن بقية مجموعاته الشعرية الأخرى.
فالشعر إذن، وحسب مفهوم منير مزيد كما كتب في مقالته الأدبية "مفهوم الشعر وماهيته" هو عالمٌ مختلف تماماً عن عالمنا المرئي، عالم ملئ بالسحر والجمال والطقوس والخرافة بعيداً ومتجرداً تماماً من المادة. فالأسطورة تنم عن الحكمة، في بحث الإنسان عن وجوده وعن سعيه الدائم وراء الخلود، وتصوره لماهية الأشياء التي تحيط به ولا يمكن تخيل شعر بلا تطرق إلى الأسطورة أو الخرافة.
فالإنسان بطبيعته حالة مركبة من المشاعر الرومانسية والألم الواقعي والرموز السيريالية والقلق الوجودي، فالإنسان إذن حالة تجمع بين حالات متناقضة والشاعر الحقيقي هو الذي يرخي عنان قصائده فتخرج عفوية حصيلة ثقافة إنسانية ومشاعر مركبة بقولبة إبداعية.
أما القصيدة فهي كائن حي "الجسد والروح" فـ "البناء الشكلي البنيوي" و"البياني" يشكلان معاً جسد القصيدة. أما روح القصيدة فهي الصدى الذي يبوح بأسرار روح الشاعر.
وهذا مشهد آخر قد لاحظه الشاعر والناقد أحمد فضل شبلول في مقدمته، وقد لخص منير مزيد هذه اللوحة، فقال: أفتح نافذة الأحلام
وأطل على شرفات الكون
أتأمل …
فأرى ما لا يراه أحد غيري:
كل ما في الكون من آلام
آلام ولادة.
ويقول أيضا: الشاعرُ
طفلٌ نزقٌ
يعبثُ باللغةِ والمنطقِ
يُدمِّرُ صوامعَ اللغةِ
ويُنَبِّشُ المقابرَ
بحثاً عن أيقوناتٍ سحريةٍ
هناك مستوى آخر في شعر منير مزيد، الاعتقاد والمعاناة والتوق إلى الإيمان والمعاناة، الأسطورة والإيمان، السماء والقربان.
تلك حقائق مستترة عميقة إيحائية لا سبيل إلى التعبير عنها بمدلول الكلمات، وإنما بعناصر الشعر الخالصة والتي تتجاوز الجغرافيا (الجغرافيا السياسية وطريقة إدراك مفهوم الدين في بعض المناطق الجغرافية والروحية) لذلك، ربما تكون روحانية أخرى من نوع تختلف مع مفهوم المصالح.
لم يعد هناك مجال للتعصب أو التطرف.
في عالم الشعر، على الشاعر أن يقدم شعاراً فيه كل الخطوط والألوان: آلامُ المسيحِ
حُلمٌ بشريٌ نبيلٌ
ونزوعٌ نحوَ الخلاصِ…
نبوءةُ النبي العربي
حربٌ على الظُلمِ
مواعظُ بوذا
جواهرٌ للروحِ
تعاليمُ لاوتسي
بحثٌ عن المجهول
طبعاً الشاعر فقط هو القادر على رؤية واستكشاف العالم والسفر في حناياه من أجل أن يصل إلى أعماق الكون: لماذا
أحِنُ للسماءِ
للشمسِ
للبحرِ
وأتوقُ أن أكشفَ سر الغيب
وأحطمَ وثنَ المجهول
لست أدري
وبعد كل هذا يبقى السؤال الأكثر حيرة ودهشة: فلماذا إذن تصبحُ النبوءةُ
كفراً
وكتابةُ الشعرِ
خطيئة
لستُ أدري
وأخيرا وليس آخراً، شعر منير مزيد يعني العاطفة والمعاناة والاضطرابات، فالحب والفلسفة يسيران جنباً إلى جنب في شعره، وحتى الحب الجسدي يتخذ شكل خط ويجد مكانه بجوار الأسئلة والأجوبة حول الأساطير العظيمة والألغاز الكبيرة الجزئية منها والكونية من أبعاد روح الإنسان.
ولكن الشاعر حتماً ليس على تلك السذاجة حتى ينسى أننا نعيش وللأسف في عالم كما أسلفت سابقاً ينقسم إلى أجزاء كثيرة وفي عوالم متوازية.
يبدو أن أحدهم قد نزل إلى عناد الرهيبة النهائية يبكي: إنهضْ قليلا
اصحُ
لا أحدَ يغفو
الشوارعُ طافحة بالدموع
والليلُ صار نحيبَ الآلهة
والطفلُ الرضيعُ يقطعُ نهدَ أمِه
فلم تعدْ المأساةُ قرباناً
بَلْ دماراً وفناء
وهنا فقط يمكننا أن نسأل أنفسنا: هل مازال هنالك أي حاجة للشعر؟ في عالم آخر حيث يوجد أناس مازالوا يعيشون على أمل أن يبقى الشعر والموسيقى والصداقة والحب هي الأشياء التي تُعرِّفُ حقأ طبيعة البشر، وإذا كان هناك ثمة طريق للوصول إلى ذلك العالم فهو حتما كتابات وأشعار منير مزيد.
قد يكون هناك بعض التحليلات حول أشعار منير مزيد من منظور النقد العربي، ولكن كل ما يهمني هو أن "جداريات الشعر" هي هدية رائعة وقيمة على شكل روح الشعر أهداها منير مزيد إلى أصدقائه وقرائه.
وهذا طبعاً ينطبق أيضا على مجموعته "فصل من الإنجيل" كمثال على الطريقة التي يريد بها أن يكون جزءا من هذا العالم المترامي الأطراف نعيش كلنا فيه كبشر ونتعامل مع بعضنا البعض باحترام وتقدير لقيمنا الروحية والأخلاقية المتنوعة.
وفي الختام نشكر العالم الإسلامي على الشخصيات العظيمة التي قدمها عبر تاريخه الطويل للعالم وهذه المرة منير مزيد. ماريوس كيلارو ـ رومانيا