نظام المحاصصة الطائفية والمصالحة نقيضان لا يجتمعان!

يجب ان تسوى قرطاجة بالارض كل عشرة سنوات! لقد ظلت خواطري هذه حبيسة صدري، فلقد اعتزلت وانضممت الى الاكثرية الصامتة في هذا الشعب الحزين طوال اكثر من عقد ونصف، ولكن المشاعر المهانة المستفزة تصرخ، فلا يمكن السكوت. حيث لا يمكن الحياة بسلام واطمئنان حين تتوالى الصدمات والخيبات، فعندما ينكبّك الدهر وترى كل ما في بلدك مظلم كجرح عميق، فلا مجال للحياد أو ما يسمونه "الواقعية" او الرضوخ للأمر الواقع والصمت.
ففي خضم هذه الفوضى الهدامة يشعر المرء وكانه متفرج في جحيم دانتي على لوحة عن الالم الانساني الازلي للبشر، فالصورة ليست تأريخية عن غزوات هولاكو وفظاعات تيمورلنك، انها صور للغزو الحديث والاحتلال الذي يربض على صدر العراق بكل بشاعة كجسدٍ كففت عن حبه.
فدم العراقيين يسيح من على شاشات التلفزيون، وعمليات نهب وسرقة قوت الفقراء والموت المتربص بثرواته البشرية وسرقة ومصادرة ثروته النفطية واستباحة تاريخه وخزائن اثاره وتفكيك كل مصانعه ومعامله ومختبراته التي بنيت بسواعد وعقول ابناءه على مرعقود من الزمن وبيعها خردة في مزادات اعداءه، واحراق تاريخ وذاكرة وشواهد حضارته الانسانية، منذ اليوم الأسود الذي وقع فيه العراق الفريسة الاولى لمطامع التوسع الامبراطوري صوب المنطقة والعالم في بداية التسعينات، حينما اصابوه وتركوه جريحا ًيأن تحت حصارهم القاتل، انقضوا عليه ثانية لتقطيع اوصاله للاجهاز عليه وانهائه.
ولكن في خضم الاحداث وجد جميع اعداء العراق انفسهم يقعون في شراك شر أفعالهم، فسادة العالم واقوى قوة عسكرية في العالم وفي التاريخ وحلفائهم ومن خلفهم من يسمون انفسهم بالساسة المحليون الذين لا هم ساسة ولا محليون في مأزق وورطة.
فالمحتل وكل اتباعه واعوانه وكل من جاء بمعيته وحكومته " دود الخّل" وكل من تورط في تأييد حربه وتواطأ وتعاون معه بل حتى الانتهازيين الذين برروا ترحيبهم المراوغ من اجل التخلص من نظام صدام حسين "عدوهم المشترك"!! يجدون انفسهم في خضم الحيرة والتخبط.
فالمشروع الامريكي قد تعثر على كل المستويات وخاصة على المستوى الحاسم في المشروع الشرق الاوسطي الكبير وبؤرته العراق. فما هو واضح ان هناك مأزق وازمة عميقة في امكانات وعوامل تأمين فرص نجاحه او على الاقل تحقيقه بيسر وسهولة، بالمقابل تبرز ثغرات وضعف في وسائل السيطرة تؤدي الى فشل المشروع بالاهداف التي كانت مرسومة له.
ولكن وكما معروف عن القوى العظمى وخاصة عندما تتصرف كإمبراطورية كونية فهي تنكر الاعتراف بالهزيمة والفشل بل تنكر الواقع عندما تجد ان هيبتها في خطر فكل ما يهمها هو وكما فعل بوش ان يجعل بلدان العالم تخشاه وترتعد لتهديده، فاجتذاب القلوب و العقول غير ذي بال في حال الامبراطورية الجديدة بل الرضوخ باستخدام جبروت القوة العسكرية والانقياد والاكراه وان كره الناس ما يفعلون.
فلنحاول التبصر في المشهد منذ 9 نيسان ولغاية الان فما الذي وقع ولماذا تعثر المشروع:
منذ الاسبوع الاول للاحتلال وبسرعة فائقة ظهرت على الارض اطراف وقوى مناهضة ورافضة ومقاومة للغزو والاحتلال وكل مشروعه الذي شن حربه على العراق من اجله. فبغض النظر عن الموقف من النظام السابق، ادرك الكثير من الوطنيين العراقيين ومن مختلف المشارب والاتجاهات اليسارية والقومية والاسلامية التي رفضت الحرب منذ البداية ومعها كل قوى الرأي العام العربي والعالمي، المخاطر والنتائج الكارثية لتسليم العراق للامريكان والويلات التي سيسببها من اجل تحقيق اهدافه وغاياته في العراق والمنطقة.
فانبثقت قوى المقاومة الوطنية المسلحة العراقية ومن خلفها القوى الوطنية المخلصة الداعمة للمقاومة والتي تعمل بجد واخلاص سوياً من اجل التحرير والاستقلال من ربقة الغزاة والدخلاء.
بعد ان تحولت الزهور والرياحين التي كانوا يتوهمون ان يُستقبلوا بها من قبل البعض المغرر بهم، الى حمم نار أقضت مضاجعهم وافقدتهم صوابهم وتوازنهم وبثت الذعر في قواتهم. صدمت الادارة والقيادة العسكرية، بالعمليات اليومية للمقاومة التي بدأت ضرباتها القوية توقع الخسائر البشرية والمادية الموجعة وتحقق ما تصبوا له في تحطيم معنويات المحتل ومرتزقته واعوانه، فاصبحوا محاصرين في ثكناتهم وبين اسوار المنطقة الخضراء، علاوة على تأثيراتها السياسية المتلاحقة على الرأي الامريكي، فاكثرية الامريكان بدأت تعي وتكتشف الحجج الكاذبة لحكومتهم وتتعرف على الخسائر رغم الدعاية المتواصلة بادعاء تحقيق التقدم في حربهم على الارهاب والقاعدة في العراق!! مما غير في اتجاهات الرأي في دعمها للحكومة وأدت الى خسارة الجمهوريين في الكونغرس وحولت الادارة الى بطة عرجاء في مواجهة ضغط المشرعين في تقييد تمويل الحرب والمطالبة بجدولة انسحاب القوات من العراق.
اما على صعيد ما يسمونه بالعملية السياسية الجارية:
فان ما سُميّ بالمعارضة العراقية للنظام، التي لم تكن الا احزابا انتهازية لا تملك اي مشروع وطني مستقل، واهمها الحزبين الكرديين والاحزاب ذات الهوية الطائفية، التي ارتضت بالرؤية والمنظور الامريكي لتصنيف الشعب العراقي على انه عبارة عن مجموعات طائفية وعرقية مختلفة وعليه فان اتباع نظام المحاصصة الطائفية والعرقية هو النظام المناسب او بالاحرى هو النظام الجديد الذي ترتأيه واشنطن في العراق.
لقد انضموا للعملية السياسية على اساس ذلك المشروع المزمع تطبيقه، فما كانوا الا عبيدا للسادة الامريكان ومنفذين لمشروعهم السياسي المبني على اساس تفكيك الدولة المركزية الوطنية وتقسيم المجتمع الى مكونات طائفية وعرقية مختلفة ومتصارعة وتشكيل هياكل سياسية مبنية على نظام المحاصصة بين هذه الشرائح والمكونات مقابل التنازل عن المصالح الوطنية العليا للشعب. فولدت ما يسمى بالعملية السياسية مسخاً لتجربة بريمر الشوهاء، غير قابلة للحياة ومحكومة بالفشل والموت.
ان المشروع السياسي المبني على الطائفية دفع المحتل الى استخدام ورقة السيستاني لتحييد فئات واسعة في المجتمع، ليلغوا عقولهم وينقادوا بيسر للمرجعية وفتاويها الهادفة ضمنا للترحيب بالاحتلال لانه خلصهم من نظام صدام! وما عليهم الا دفع الثمن مقابل الفرصة التي سيوفرها ويضمنها لهم في الحكم والقصاص من الطائفة المهزومة! ومن البعثيين! ومن كل افراد وعناصر اجهزته المختلفة وعلى رأسها مؤسسة الجيش وكل العاملين والكوادر في أجهزتها الاكاديمية والعلمية والتصنيعية على ايدي ميليشيات الاحزاب وعصاباتها التي تشكلت وتدربت برعاية المخابرات الامريكية، والمخابرات الاسرائيلية والايرانية وغيرها للانتقام والتصفيات الجسدية للخصوم والمعارضين لهم والابرياء لاشاعة الخوف والتسليم بالقوة للوضع القائم تحت الاحتلال.
جهدوا ايضا في خلق بيئة واجواء سياسية وفكرية وثقافية فاسدة محمومة هدفها تدمير شخصية الانسان العراقي وهويته وولاءاته، كمحاولة الطرق على الاوتار البالية، مثل عدم وجود دولة عراقية اصلا؛ فالعراق ليس الا ارضا تعيش عليها مجاميع من البشر المتناحرين لاختلافهم الطائفي والعرقي؛ بهدف تغليب الهويات الطائفية والعرقية وضرب وطمس الهوية الوطنية الموحدة الجامعة.
علاوة على الضرب القوي المشبوه على الهوية العربية للعراق باسم الطائفية التي تنكر عروبة العراق من ناحية، وتعبيراً عن مطامح الحزبين الكرديين في استغلال وجود الاحتلال في رفض عروبة العراق اضافة الى توسيع مناطق سيطرتهم منتهزين فرصة الفراغ والانهيار بهدف الاستحواذ والسطو والتزوير للحقائق والوقائع مستقوين بالمحتل لتغيير الواقع الديموغرافي والتطهير العرقي كل في ضيعته تحت ستار تطبيع الاوضاع في مناطق كردستان لمصلحة تقاسم الحزبين للسلطة والثروة، فروجوا لمنطق ان العراق "حارة كلمن إيدوا إلوا" ونسوا منطق إما العراق وإما كردستان، فلا يمكنهم الاستحواذ على الاثنين معاً، مع بث ثقافة التبعية والتخلي عن الثوابت الوطنية باعتبارها نهجا قديماً عفى عليه الزمن وتجاوزته التطورات والاحداث. هنري كيسنجر:"ليس من مصلحتنا بقاء عراق موحد". فالالحاح على التقسيم عبر ما يسمونه بمشروع الفدراليات وسلطات الاقاليم وانهاء دور الدولة المركزية، الذي كرسوه في الدستور، ما هو الا وسيلة هدفها اضعاف وحدته وتحويله الى إمارات واقطاعيات يحكمها امراء الطوائف في الوسط والجنوب والاغوات في الشمال، لاضعافه ولتسهيل السيطرة عليه، اضافة لتجزأ الشعب وفك وحدته وتحييد دوره في الرفض والمقاومة لهذا المشروع الخبيث. الاحتلال والمقاومة ان الصراع الدائر في العراق اليوم يقوم بين قوتين فاعلتين على الارض وهما قوة الاحتلال وقوة المقاومة الوطنية المسلحة ومعها القوى والعناصر الوطنية المناهضة للاحتلال والرافضة لكل نتائجه وتداعياته واجراءاته ودستوره وعمليته السياسية وحكوماته المتعاقبة.
اما ذوي العقول الرثة واللحى الكثة من زعماء الطوائف والعمائم التي يعشش تحتها قراد وبراغيث الشر والغل للعراق واهله، من رجال الدين والدين منهم براء "فليس للطائفي دين" اضافة للافندية والمتأمركين والمتأرجحين بين اليسارواليمين"من الاشتراكية الى الخصخصة" واللصوص المحترفون وعملاء المخابرات الاجنبية المختلفة، الذين افصحوا عن ماهيتهم وحقيقتهم وخلفيتهم التافهة، فالاحداث والوقائع والتجربة برهنت على خطلهم وعماء بصيرتهم وسوء سمعتهم وتاريخهم ، ان روائح تعفن لحومهم تزكم الانوف، فعندما اراهم على الشاشات اشم بعقلي رائحة كريهة،
فلا قيمة ولا وزنا لهم من دون سفاحي ميليشياتهم وفرق القتل وعصي المحتل.
اذن فالمصالحة من وجهة نظر الادارة الامريكية تنطلق من ذات الرؤية والمنظور القائم على اساس المحاصصة الطائفية والعرقية. هذه المصالحة الطائفية لا تستقيم ولن تحل اطلاقا المشكلة، فنظام المحاصصة البغيض والمصالحة الوطنية لا يجتمعان، بل هما نقيضين لايلتقيان فحسب الرؤية نفسها يعيدون النظر بوضع "السُنّة" الذين أُبعدوا كثيراً بعد ان دفعوا ثمن اوزارهم التاريخية في حكم العراق!!!علاوة على كونهم كانوا قاعدة النظام السابق!!! ويقاومون الاحتلال حالياً!
المهم انه قد قضي على سيطرة السنة على الحكم، فلم يعودوا يستأثرون بالحكم كما كانوا على مدى قرونا او عقودا!
لا ادري!!! وانهم كأقلية طائفية!!! اصبح من الضروري الانفتاح عليها وتوسيع حصتها في المحاصصة اي في مشاركتها في العملية السياسية، والضغط على جماعة "الحكيم" ليتنازلوا بعض الشيء لها !!!
اذن هذه هي المصالحة من وجهة نظر المحتل والاطراف المتعاونة معه!!! ما دام جميعهم قد اخذ حصته حسب ميزان العدل الذي صممته ادارة المحافظين الجدد للعراق فما عليهم الا التصالح التاريخي!!! فلا غالب ولا مغلوب ولا مغبون ولا
مظلوم، وليس امام السنّة الا قبول هذه القسمة الضيزة والتنازل عن امتيازات الماضي وقبول الحل الامريكي العادل!
وما على الامريكان الا ضمان هذه القسمة والا فان السيف الامريكي المهدد بالدفع باتجاه الحرب الاهلية المسلط على رقاب العراقيين قائم.
ولكن يبدوا ان آل "الحكيم" وآل البرزاني والطالباني لازالوا خائفين من المستقبل ومن التطورات، ومسكينة امريكا لا تعرف كيف تداوي قلقهم المرضي المزمن باكثرمما فعلت! فمن المفروض ان يجنوا اوينتحروا!!!! او يظلوا ميتين من الخوف حتى الموت!!! "فالشق كبير، والرقعة صغيرة" وما يسترعي الانتباه في ظل المسخرة والجعجعة لما يسمى باصلاح العملية السياسية وحلحلة انسدادها ولانتشالها من التدهور من قبل بعض اطرافها، ومنها تحركات اياد علاوي وجماعته من خلال اظهار التململ او انتقاد بعض مظاهر المحاصصة، وتقديم أنفسهم كعصا قوية بديلة بيد المحتل للسيطرة على الاوضاع لصالحه.
وكعادته يحاول علاوي تصوير نفسه كبعبع مدعوم عربيا، لاستعادة بعض التوازن في الوضع المختل لصالح الميليشيات الطائفية واصحابها وانه القادر على محاصرتها او ضربها في نفس الوقت الذي يضرب فيه المقاومة والتمرد والارهاب!! واعادة ترتيب بعض التكتلات لتشكيل حلف المعتدلين لاقناع الامريكان بهذا التوجه ومن ثم ايجاد الوسائل المناسبة للعمل به. ان بهلوانيات علاوي تواجه من قبل "البيت الشيعي" بالهجوم كخير وسيلة للدفاع: باعتبارها انقلاباً على "دم- قراطية" الطوائف، في نفس الوقت يريدون التعجيل بعقد المعاهدات! مع المحتل لاعلان اقامة قواعده العسكرية من اجل ضمان تواجده لحمايتهم والخلاص من عقدة احتمال خروجه وتركهم يواجهون مصيرهم.
ان الترقيعات ومحاولات اصلاح ما افسده المحتل لن تنجدهم. والحل لن يكون الا بطرد من أتى بهم، ولن يتم ذلك الا على يد المقاومة الوطنية على اساس مشروع يمثل مصالح الوطن العليا واسقاط مشروعه الذي انهى الدولة وخرّب الأسس التي بنيّ عليها المجتمع العراقي.
لتنهض المقاومة سويا مع كل القوى الوطنية المخلصة بمهمة اعادة العراق وطنا موحدا ودولة قوية. فاطمة محمد تقي Fatma.taki@hotmail.com