الكيل بمكيالين في الشأن الإبداعي

بقلم: زياد العيساوي
لا تقولي شرقي ولا غربي أنا عربي

حينما لمعت فكرة هذا المقال في مخيلتي المُثًخنة والمُنهَكة بالخواطر المختلطة، لا أخفيكم بأنه، قد واجهتني في بادئ الأمر، صعوبة بالغة في عنوّنته، لكنني في نهاية المطاف، تخيّرت له هذه التسمية وبتحفظ.
وما ذلك إلا لأنّ عبارة (الكيل بمكيالين) عادةً ما تتكرر في الشأن السياسي، لا سيما حين تعليق المراقبين السياسيين ووكالات الأنباء على ما يدور في الكواليس المُظلِمة لمنظمة الأمم المتحدة، وما يدور في فلكها من مؤسسات تابعة لها، إذ تصدر قراراتها المُجحِفة، وتدرجها تحت البند السابع من ميثاق مجلس الأمن، لتقتص من بعض الشعوب، ولتنال من كرامتها.
في الوقت الذي نراها فيه تُغمض العينين وتُصاب بالشلل والخرس، إذا ما توجب عليها أن تقف إلى جانب نُصرة الحقِّ، و إعادته إلى ذويه الشرعيين، وإن تعافت من هذه الأمراض المُزمنة (عافاكم الله) نجدها تغضُّ الطرف عن ذلك، وتكتفي بإصدار بيانات الشجب ضد الظالم، على استحياء، مع إعطائه فسحة من الوقت لا سقف لها، حتى يمتثل لقراراتها، أو أن تدرجها، وفي أحسن الأحوال، تحت ما يُسمى بالفصل السادس، الذي لا طائل منه.
الواقع أن ما دفعني إلى اعتماد هذه المشاكلة اللغوية فيما يخص العنوان، إنما هو عائد إلى الازدواجية في المعايير الماثلة في الشأنين الفنّي والثقافي معاً.
ولكوني لست أعلم حتى هذه الآونة التي أخطُّ فيها سطور مقالي هذا، ما إذا كان سوف ينشر في الملف الأول أم الثاني، ارتأيت أن أُعمّمه على الإبداع، تاركاً للأخ المحرر، مهمة النشر وما يتعلق بها من أمور فنية، فهو الخليق بذلك.
عندما ظهر الفنان "أحمد فكرون" بلونه الغنائي الجديد في منتصف سبعينيات القرن المنصرم (استغرب) الكثيرون لونه، والفعل هنا، لا أعني به التعجب والدهشة، بل ورد بقصد تحديد هويته من قِبلهم، أي أنهم أعدّوه غناءً غربياً، ومن ثم حكموا عليه بأنه (غير أصيل) وأضع هذا الوصف بين قوسين، لأنني سأرجع إليه في مناسبة لاحقة.
ونظراً لهذا الحكم، لم يأخذ هذا اللون حقَّه من الإذاعة في المرئية، ولا المسموعة كذلك، إلا فيما ندر.
ولما كان كل ذلك، رحل الفنان "أحمد فكرون" لائذاً بفنه إلى الدول الأوروبية، ليطرح نتاجه الغنائي في عواصمها، ولسان حاله يردد رائعة مواطنه الفنان "عادل عبد المجيد" (لا تقولي شرقي ولا غربي .. أنا عربي).
وفي محطته الثانية (الاغتراب) لاقت أعماله نجاحاً وحضوراً كبيرين، من أفراد الجالية العربية المُقيمة في المهجر، ومن مواطني هذه الدول أنفسهم، حتى أنّ الأخيرين من الجمهور والنقاد، تبرؤوا من نسب لونه إلى الألوان الغنائية السائدة لديهم، فأهل مكة أدرى بشعابها، وقالوا عن تجربته بكل صراحة ونزاهة "إنّ ما يقدمه هذا الفنان من غناء، لا هو بالشرقي، الذي تعرّفوا إليه من خلال عمالقة الغناء العربي، الذين أقبلوا على بلدانهم قبله، وتغنوا بروائعهم، ولا هو بالغربي."
وهذا الحكم، ليس بالأمر الهيّن، كما قد يتهيأ إلى البعض، لأن فيه تفنيداً واضحاً لذلك الحكم الذي أطلقه جُملةُ من المعنيين بالشأن الفني على هذا اللون، ويحمل في طيّاته اعترافاً يحسب لصالحه، لا عليه.
فإذا كانوا وهم العارفون بغنائهم، قد صرحوا بهذه الحقيقة، التي إن برهنت فإنما تبرهن على أنه قد برز بلون، لم تألفه الأسماع سابقاً، وبها يكون قد تحصل على شهادة له من القاصي (الغربيين) قبل الداني (أبناء جلدته) بأن لونه جديد، وهنا مكمن الإبداع.
وبعد أن بُريء من ذلك الحكم الذي أراه جائراً، وتحصل على هذه البراءة في ابتكار هذا اللون المستحدث، ماذا بقيّ لأصحاب ذلك الحكم، كي يبرروا موقفهم؟ وماذا بوسعهم، أن يفعلوا ليحفظوا ماء الوجه، ويخرجوا من هذا التخبط الذي أوقعوا أنفسهم فيه، ومن بعدهم المستمع أيضاً؟
لقد شهد شاهد من أهلها، ورُدت إليهم بضاعتهم الكاسدة، فما كان منهم إلا أن بحثوا عن حكم آخر يطلقونه على هذا اللون، فاصطلحوا له تسمية (الفرانكوا أراب) .
حقاً أنّ اللون الغنائي المنسوب إلى الفنان "أحمد فكرون" إنما هو تطور طبيعي للأغنية العربية، وعلى من يسأل: كيف ذلك؟ أردُّ قائلاً:
لو إننا أدرنا عجلة الزمن إلى المئة عام المنقضية من تاريخ الغناء العربي، لتبّين لنا ذلك جلياً، فقد كانت الأغنية العربية إبان ذلك، وفي بداية القرن الفائت على وجه التحديد، هي ذاتها المعهودة في العشرة الأواخر من القرن الأسبق، واستمرت على ما هي عليه حتى بداية العقد الثاني.
وفي هذه المدة، كانت تُقدم على التخت الشرقي الأصيل، المؤلف من بضع آلات وترية، كالعود والقانون والكمان، بالإضافة إلى آلة الناي النفخية، وآلتي الطبلة والدف الإيقاعيتين، وفيها ساد لون الفنان "سيد درويش" ومن جايله من المخضرمين الذين أدركوا القرنين.
ومع بداية النصف الثاني من العقد الأخير، ظهر للوجود الفنان "محمد عبد الوهاب" ثم لحق به الموسيقار "فريد الأطرش" في بداية الثلاثينيات، اللذان كان لهما فضل الريادة في إدخال بضع آلات غربية على الموسيقا العربية، منها (الجيتار) و(البيانو).
ومع حلول العقد الرابع، قدّما العديد من الأغنيات التي أصبغا عليها الطابع الغربي، غير الأصيل، مثل التي جاءت على لون (الفانس) المعروف في دول غرب أوربا، الذي يقدم على نغماته الرقصات الإفرنجية، ولكنهما لم يكتفيا به، بل ذهب بهما الأمر بعيداً، فزادا على التغريب تغريباً، إذ أنهما توجها إلى ما هو أبعد من أوروبا، واقتبسا من الألوان المعروفة في الأميركتين (الجنوبية واللاتينية) مثل (الرومبا) و(التانجو) وإن نسيت فلا أنسى (السامبا).
وتجدر الإشارة هنا، إلى أن تجاربهما قد جوبهت باستهجان في أول الأمر، مثلها مثل تجربة "أحمد فكرون" في بداياته، إلا أنها لاقت رواجاً من المستمعين فيما بعد، ونتيجةً لهذا التغريب الحثيث، برزت أسماء ومدارس أخرى غير السابقتين، أكثر تغريباً منهما، وذلك مع مطلع الخمسينيات، بظهور الملحنين المطالبين بالتجديد، وليس على سبيل الحصر، بل المثال، أذكر منهم: محمد الموجي، وكمال الطويل، ومنير مراد في مصر، وحليم الرومي، والرحابنة في لبنان.
وما ساعد على تنامي موسيقاهم، أن تغنت بألحانهم، أصوات جديدة، تجيد المزاوجة بين الأداء الشرقي إلى جانب الغربي، من بينها، بل من أبرزها: فيروز، وعبدالحليم حافظ، حتى أنّ الأخيرة بلغ بها الأمر، أن تغنت بكلمات عربية مُعَّدة على لحن غربي صرف، ومأخوذ من أغنية مشهورة، لكنها لم تُمتعض من قبل أحد.
ولعل هذا ما حدا بسيدة الغناء العربي أم كلثوم، هذه القامة الصوتية المهيبة والأصيلة، أن تتنازل بعد عناد طويل، وإصرار شديد، لتقدم بصوتها أغنية كانت علامة فارقة في تاريخها الفني الزاخر بالعطاء، وهي أغنية (أنت عمري) التي امتزجت فيها الآلات الشرقية مع الغربية إلى حد التماهي، على لحن صاغه موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب (عرّاب المزج بين اللونين)، وذلك في منتصف العقد السادس.
ها نحن صرنا شيئاً فشيئاً، نقترب من السبعينيات، التي شهدت انطلاقة الفنان "أحمد فكرون" فبعد كل هذا التدرج المنتظم في فترات، والمطرد في أُخر نحو جلب وتوظيف الآلات الغربية، بل والغناء على موسيقاها وألوانها، حتى من قِبل فطاحلة الغناء العربي الموسومين بنياشين الأصالة والحفاظ على الهويّة من الانسلاخ.
ليس ثمة أية غرابة إذن، في أن يظهر الفنان "أحمد فكرون" بلونه الجديد، لاسيما أنّ ظهوره كان أثناء وجود كبار الفنانين العرب، سالفي الذكر، وفي فترة ازدهار الأغنية العربية وفي عصرها الذهبي، وليس بعد رحيلهم عنّا، وعلى أنقاض زمن الغناء الجميل، كما يحلو لأولئك المهتمين بالشأن الإبداعي، أن يسموه.
لكن الغريب في الواقع، هو أنهم، وبعد هذا الوقت كله، من بداية هذا الفنان في تقديمه لفنه وإلى الآن، ما يزالون يمنعون أعماله من أن تذاع، لا لشيء، إلا لأنّ ذاك الحكم الصادر منهم، الذي هو في أصله رأي انطباعي، ليس إلا، لم يبرح ناشباً وعالقاً برؤوسهم، فما دعواهم بالحفاظ على الهويّة إلا حجة واهية، كما أتضح لنا من خلال استعراض تاريخ الغناء العربي، وما يؤكد ذلك، ولا يدع مجالاً للشك في صحته، لو أننا خضنا في غمار الشأن الإبداعي الآخر (الثقافة والأدب).
ونستهل هذه الجزئية، بهذا السؤال: إن كان ما حدث ويحدث راجعاً بحق إلى ما تزعمون به، ورفض كل ما هو آتٍ من الآخر، فلِمَ هذه الازدواجية المتمظهرة في الترحيب باستيراد وجلب فنون السرد الغربية فيما يتعلق بما يُسمى (قصيدة الومضة)؟ وإن كان على مضض.
ولِمَ تهللون لفن (القصة القصيرة) الدخيلة على الأدب العربي، باعتراف القاصين أنفسهم، وهم يتقفون خُطى الأدباء الغربيين ويتمثلون بهم حين كتاباتهم وسردهم للقصص؟
ثم ألستم، إذ تريدون انتقاد أعمالهم، تقيسونها على قواعد ليس لكم أدنى دور في تأسيسها، إنما هي مناهج نقدية معمول بها هناك؟
فيا ليتني أعرف كيف ستكون إجاباتكم عن هذه الطائفة من التساؤلات، لأعرف بما أرد عليكم، ولكوني انتهج مبدأ الموضوعية في كتاباتي، سأحتمل إجابة واحدة غالباً ما تتمنطقون بها "إننا لا نأخذ من الآخر إلا ما يتماشى مع تقاليدنا."
وسوف لن أكون متحاملاً، إن تساءلت: وأنّى لكم أن تعرفوا ذلك؟ وما هي المقاييس التي تضعونها لأجل هذا المراد؟ أولم تدخل علينا بفعل هذا السرديات المستوردة مناهج لا صلة لها بالقيم والتقاليد الأصيلة إطلاقاً، فيها الإباحية وما شاكلها؟ وما يستدعي الضحك، أن جعلتم لها تسمية (الأدب الجنسي).
وما يستدعي الانتباه، أنكم لم تطلقوا على هذه الفنون السردية تسمية (الفرانكوا أراب) كما حدث في الشأن الغنائي، فالموسيقا لغة عالمية لا هوية لها، على العكس من القصة القصيرة وقصيدة الومضة، ذاتي المنشأ الغربي، فما سر هذا الكيل؟
لقد كان قطع جسر التواصل الممتد لتطور الأغنية العربية من الطرف الذي يقف عنده الفنان "أحمد فكرون" خطأ جسيماً، كان من شأنه ظهور هذه الموجة الهابطة التي هي كجراد غزا بستان الأغنية الملتزمة المزدهر مع مطلع الثمانينيات من القرن المنفرط، فأتى على الأخضر وصيره إلى يابس، ليرتع فيه النعيق والفحيح، صائلين وجائلين من دون رادع، ما جعل من يطلقون الأحكام غير المسؤولة جزافاً وعبثاً، يتحسرون على ما آل إليه الغناء تواً، ويصرحون نادمين "إنّ ما قدّمه الفنان أحمد فكرون كان الأجمل."
وأردُّ عليهم في أعقاب هذا المقال، ومعقباً "وما يزال كذلك، فعلام لا يقدم؟" زياد العيساوي ـ ليبيا