المحدد الاستخباراتي في الإدارة الأميركية للأزمة النووية الإيرانية

بقلم: أشرف عبدالعزيز عبدالقادر

لاشك أن عنصر المعلومات يعد من أهم العوامل المؤثرة في إدارة الأزمات الدولية والأزمات بوجه عام على اختلاف مستوياتها. فإدارة أية أزمة دولية تتطلب توافر معلومات كافية ودقيقة حولها، وحول قدرة وإمكانيات الطرف ذاته الذي يدير الأزمة وقدرة الطرف أو الأطراف الأخرى، لأن سوء الإدراك والمغالاة في ردود الأفعال الناتجين عن نقص أو عدم دقة في المعلومات، مع عامل ضغط الوقت وتوقف الاتصال بين أطراف الأزمة، يمكن أن يؤدي إلى تصعيد هذه الأخيرة. ومن ثم فاحتواء الأزمة وتقييم أهداف الخصم يتطلب كفاءة وفعالية نظم الاتصال ونظام الاستخبارات، وهما اللذان يعتمد عليهما صانع القرار في تدفق المعلومات إليه.
ومعروف أن جمع هذه المعلومات لا يخلو من صعوبات ومشاكل، فغالبا ما تتسم هذه العملية بعدم الدقة والافتقار للموضوعية وقد يتم تسييسها لخدمة أغراض معينة. وبالتالي، فإن اتخاذ قرار صحيح باتجاه إدارة الأزمة يتطلب تحديدا دقيقا للخط الفاصل ما بين الحقائق الموضوعية وبين الرؤية الشخصية لهذه الحقائق.
وإذا ما حاولنا تطبيق هذا العنصر على الإدارة الأميركية للأزمة النووية الإيرانية، فإن التساؤل الرئيسي الذي يثار في هذا الصدد: هل يمثل العنصر الاستخباراتي (المعلومات) ورقة قوة في أيدي الولايات المتحدة تساعدها بشكل ايجابي في إدارتها للأزمة النووية الإيرانية؟ أم أنها على العكس تمثل نقطة ضعف تحد كثيرا من قدرتها وكفاءتها في إدارة هذه الأزمة؟
باديء ذي بدء، تنبغي الإشارة إلى أن هناك أكثر من عشرة أجهزة استخباراتية في الولايات المتحدة، بعضها سري و البعض الآخر يعمل في إطار كم كبير من الإدارات البيروقراطية التي تشكل غطاء حيويا لها. وتتمثل أهم هذه الأجهزة في: وكالة الاستخبارات المركزية "سي أي إيه، وكالة الاستخبارات العسكرية، وكالة الأمن القومي، مكتب الاستطلاع القومي، وكالة التصوير والخرائط القومية، استخبارات فرعية تابعة للجيش والبحرية والقوات الجوية ومشاة الأسطول، مكتب التحقيقات الفيدرالي، مكتب الاستخبارات والأبحاث التابع لوزارة الخارجية، وكالة الطاقة.
وتتمثل المهمة المنوطة بهذه الأجهزة –في مجال الانتشار النووي- في تقييم النوايا النووية لأية دولة من خلال رصد وجمع البيانات الفنية المتعلقة بالنشاطات النووية للدولة المعنية، مع تصنيفها وتحليلها. ويتم تقديم تلك التقديرات الاستخباراتية بعد ذلك للإدارة والكونجرس بعد مناقشتها في إطار هيئة الاستخبارات القومية (NIE). وتتولى الإدارة استناداً إلى تلك التقديرات (أو يفترض ذلك) تشكيل السياسة الرسمية تجاه الدولة موضع الاهتمام، في إطار التوجهات العامة الحاكمة للسياسة الأميركية في مرحلة ما.
ويقوم المنظور الأميركي في إدارته للأزمة النووية الإيرانية على أنها تمتلك معلومات ذات مصداقية عالية ولديها حجج قوية تفيد بأن إيران تسعى لامتلاك السلاح النووي وليس كما تدعي الاستفادة من الأغراض السلمية للطاقة النووية. وتروج الإدراة الأميركية في وسائل الإعلام المختلفة بأن أجهزتها الاستخباراتية خلصت إلى أن البرنامج النووي الإيراني أكثر تقدما بكثير مما كان متصورا من قبل، وأن هذا البرنامج قد أصبح أكثر تطورا مما كان قد تحقق في المجال النووي في العراق في النصف الثاني من الثمانينيات. ويكرر مسئولو الاستخبارات الأميركية أيضا اتهامات لإيران بأنها تقوم ببناء مفاعلات لإنتاج الماء الثقيل الذي يمكن استعماله لصنع البلوتونيوم، ومفاعلات أخرى قادرة على استعمال الماء الثقيل. ولكنها لا تمتلك المعلومات المؤكدة التي تثبت ذلك وتقنع المجتمع الدولي –وخاصة الوكالة الدولية للطاقة الذرية- بوجهة نظرها هذه، وهو ما يمثل نقطة ضعف رئيسية في الإدارة الأميركية للأزمة النووية الإيرانية.
فما تحاول الترويج إليه الإدارة الأميركية هو أن امتلاك إيران للقنبلة سوف يؤدى إلى حالة من عدم الاستقرار الإقليمي، وقد يطلق موجة من الانتشار النووي في الشرق الأوسط، وأن مثل هذا "السلاح" سوف يمكن طهران من تهديد مصالح الولايات المتحدة في المنطقة، لاسيما في ظل استمرار تطور برنامجها الصاروخي، كما سيؤدى إلى توجيه ضربة جديدة لمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية. وأن هناك احتمالات لقيام إيران - تبعاً لسيناريو أسوأ حالة - بإمداد عناصر إرهابية بأسلحة نووية، وهو ما يجعل الصورة أكثر حدة مما هي عليه في الواقع. لكنها مع ذلك لا تمتلك المعلومات المؤكدة بشأن نية إيران العسكرية.
وبالتالي فإن الفكرة الرئيسية التي نتيناها في هذا الصدد هي أن العنصر الاستخباراتي أو المعلومات، يمثل أحد القيود الحقيقية بالنسبة للولايات المتحدة في إدارتها للأزمة النووية الإيرانية بشكل يجعلها غير قادرة على توظيفه والاستفادة منه بشكل ايجابي في إدارة هذه الأزمة، وذلك نتيجة لمجموعة من العوامل بعضها يرجع إلى إدارة الولايات المتحدة لأزمات سابقة، وبعضها الآخر يرجع إلى خصوصية الأزمة النووية الإيرانية ذاتها، ويمكن بلورة أهم هذه العوامل من خلال الإشارة إلى النقاط التالية: أولا: فقدان المصداقية في الاستخبارات الأميركية إحدى النتائج الرئيسية التي ترتبت على الإدارة الأميركية للأزمة العراقية هي فقدان الثقة في الاستخبارات الأميركية. فقد اعتمدت الولايات المتحدة في تبريرها احتلال العراق على ما اعتبرته معلومات مؤكدة لأجهزتها الاستخباراتية تفيد بامتلاك العراق لأسلحة دمار شامل، وهو ما ثبت عدم صحته بشكل واضح فيما بعد. وبشكل أكثر توضيحا، يمكن القول أن عمل أجهزة الاستخبارات الأميركية في هذه الأزمة اتسم بما يلي:
(1)- عدم الدقة والتقديرات المحرفة: وهذا ما أثبته تقرير اللجنة الرئاسية التي شكلت للتحقيق في مواقع الضعف في الأجهزة الاستخباراتية الأميركية، بعد فشل القوات الأميركية والبريطانية في العثور علي أسلحة دمار شامل في العراق. وقد صدر هذا التقرير بعد احتلال العراق بعامين، وأشار إلى أن اللجنة قد فوجئت بوجود فشل متعدد الأبعاد من جانب أجهزة الاستخبارات بهذا الشأن. هذا بالإضافة إلى اعتماد أجهزة الاستخبارات الأميركية على تقارير بعض العراقيين المعادين لنظام صدام حسين، دون التحقق فيها بشكل مهني.
(2)- التسييس: إضافة إلى أن تقديرات الاستخبارات قد تبنى على معلومات خاطئة فنياً، فإنها قد تأتي أيضا بناء على تجاهل بعض ما تم الحصول عليه من معلومات، أو المبالغة في تصوير دلالات الوقائع، أو تقديم التقديرات ذاتها بطريقة خاطئة وبشكل متعمد بهدف الوصول إلى استنتاج مرغوب فيه لأهداف سياسية، وهو ما يطلق عليه عامل التسييس في الجانب الاستخباراتي، وهو ما حدث أيضا في الحالة العراقية. وكان لهذا التسييس في تلك الحالة مظاهر عديدة منها:
• رفض الولايات المتحدة لكل التقديرات التي أفادت بعدم امتلاك العراق أسلحة دما شامل، بما في ذلك تقارير لجنة الأمم المتحدة أنموفيك والوكالة الدولية (IAEA) التي استندت على عمليات التفتيش الميداني. فقد بدت الإدارة الأميركية وكأنها متأكدة تماماً من معلوماتها وتقديراتها بشأن إعادة تنشيط البرامج النووية العراقية، بدرجة رفضت معها كل التقديرات الأخرى، ومن ثم سعت إلى توظيف الجانب الاستخباراتي في غزو العراق قبل أن يتضح أن كل ما أثير بهذا الشأن تقريباً قد ارتبط بمعلومات وتقديرات زائفة.
• تعرض أجهزة الاستخبارات الأميركية لضغط كبير في اتجاه تقديم أدلة قوية بشأن امتلاك أسلحة الدمار الشامل في العراق، مما أدى إلى قيامها بإعداد تقارير عاجلة تم فيها رصد معلومات استندت إلى مصادر مشكوك فيها، متجاهلة آراء معارضة لوكالات مختلفة داخل جماعة الاستخبارات القومية، مما أناح فرصة لبروز التوجهات السياسية.
هذه السمات كان لها مردود سلبي بالنسبة لمصداقية الأجهزة الاستخباراتية الأميركية، خاصة في تعاملها مع أزمات لاحقة، ومن بينها الأزمة النووية الإيرانية. ثانيا: تجاهل أخطاء الماضي وعدم الاستفادة من دروس التجربة العراقية يبدو أن الإدارة الأميركية تتجه نحو تكرار الخطأ الاستخباراتي في الحالة العراقية، مع الأزمة النووية المثارة حاليا مع إيران. ودون الخوض في الجدل الدائر حول إمكانية لجوء الولايات المتحدة إلى القوة العسكرية في إدارتها للأزمة النووية الإيرانية، فإنها تسعى جاهدة في الوقت ذاته إلى توظيف الجانب الاستخباراتي في هذه الأزمة لتحقيق أهداف سياسية، سواء كانت تمهيدا للجوء إلى استخدام القوة العسكرية-وإن كان ذلك مستبعد بدرجة كبيرة على الأقل في الوقت الحالي-، أو تحقيق أهداف أخرى تتيح لها فرض المزيد من العقوبات على إيران وتضييق الخناق عليها. ومن ملامح تكرار هذا الخطأ مع الملف الإيراني، يمكن الإشارة إلى النقاط التالية، وهي نقاط مرتبطة ببعضها البعض:
(1)- دون الخوض أيضا في الجدل الدائر حول نية إيران الحقيقية من تطوير برنامجها النووي –هل لأغراض عسكرية كما يدعي الغرب أم مدنية كما تدعي طهران-، فإنه حتى هذه اللحظة التي وصل إليها تطور البرنامج النووي الإيراني، يلاحظ أن الولايات المتحدة لا تميز في حالة إيران بين امتلاك أسلحة نووية وإقامة برنامج مدني يتمتع ببعض الملامح المزدوجة التي تتيح إمكانية للتحول في اتجاهات عسكرية. فالإدارة الأميركية لا يهمها الإجابة عن تساؤلات تتعلق بمستوى تطور القدرات النووية الإيرانية، وإلى أي مدى تمكنها بنيتها التحتية الحالية من مرافق ومعدات ومواد من الحصول على مكونات السلاح النووي؟، ولكنها تتعامل مع الأزمة وكأنها تمتلك معلومات مؤكدة بأن إيران تطور برنامج نووي عسكري. أي أن إحدى السمات التي تميز أجهزة الاستخبارات الأميركية في تعاملها مع الملف النووي الإيراني هي عدم التمييز بين القدرات النووية المدنية والبرامج النووية العسكرية، بشكل يخدم أهداف الأجندة السياسية الأميركية، وبالتالي تقع مرة أخرى في خطأ عدم الدقة والتقديرات المحرفة وتسييس المعلومات الاستخباراتية.
(2)- يرتبط بعدم الدقة في المعلومات عدم كفايتها أيضا، فإذا كانت معلومات الاستخبارات حول العراق بهذا المستوي الذي وصفه تقرير اللجنة الرئاسية بأنه خطأ قاتل مع أن العراق كان تحت الرصد الأميركي الشامل (ميدانيا وجويا عبر الأقمار الصناعية، ومن خلال فرق التفتيش الدولية) فهذا يعكس أن معلوماتها حول إيران أقل كثيرا. بل أن بعض المصادر تشير إلى عدم وجود معلومات محددة لدى الولايات المتحدة حول أماكن تواجد المنشآت النووية الإيرانية.
هذه الملامح تعكس أن الإدارة الأميركية تحاول مرة أخرى توظيف العامل الاستخباراتي سياسيا في إدارتها للأزمة النووية الإيرانية، ولكنها لن تنجح في هذا الصدد، لسبب بسيط وهو عدم المصداقية التي أصبحت سمة لصيقة بأجهزة الاستخبارات الأميركية بسبب الطريقة التي تعاملت بها مع الملف العراقي. فأحد الدروس الأساسية المستفادة من التجربة العراقية –والذي يبدو أن الإدارة الأميركية لم تدركه بعد- هو ضرورة إبقاء الأجهزة الاستخباراتية والعسكرية بمنأي عن التسييس، والسماح لها بتطوير قدراتها الوظيفية بعيدا عن الضغوط والتوجيه السياسي. ثالثا: الإدارة الإيراينة الجيدة للجانب المعلوماتي أحد الأمور التي تزيد من القيود التي يفرضها عنصر المعلومات بالنسبة للإدارة الأميركية للأزمة النووية الإيرانية، هو الإدارة الجيدة حتى الآن من جانب إيران لهذه الأزمة خاصة في الجانب المعلوماتي. فعلى الرغم من النهج التصعيدي الذي تتخذه إيران في الفترة الأخيرة في إدارتها للأزمة –وهو نهج بدأت ملامحه تظهر بشدة منذ وصول أخمدي نجاد إلى الحكم- إلا أنها في الوقت ذاته لم تتح للولايات المتحدة فرصة حقيقية تستطيع أن تثبت من خلالها الأخيرة أن إيران تطور سلاح نووي، حتى وإن كانت بالفعل تسعى طهران لتطوير برنامج نووي عسكري وليس سلمي كما تدعي.
وحتى الآن أيضا لم تصدر الوكالة الدولية للطاقة الذرية تقريرا يفيد صراحة بأن إيران تطور سلاح نووي. وإن كان هذا يعكس الإدارة الجيدة من جانب إيران، فإنه يعكس ما سبقت الإشارة إليه بشأن عدم توافر معلومات استخباراتية مؤكدة لدى الولايات المتحدة يمكن أن تفيد بها الوكالة الدولية للطاقة الذرية في هذا الشأن، والتي أصدرت بدورها تقارير أيضا حول هذه الأزمة ولكنها تدور في مجملها حول عدم تعاون إيران مع مفتشي الوكالة أو عدم التزامها بقواعد التفتيش دون أن تشير صراحة وبشكل مؤكد إلى وجود مكون عسكري في البرنامج النووي الإيراني.
خلاصة الأمر أن المحدد الاستخباراتي هو أحد المحددات التي تفرض قيودا على الولايات المتحدة في إدارتها للأزمة النووية الإيرانية وليس العكس كما تحاول الإدارة الأميركية. ولكن الأزمة أعقد بكثير من مجرد القول بأن هذا المحدد سيضيف كثيرا لصالح إيران على حساب الولايات المتحدة، فهو مجرد جزء من كل، فالأزمة تحكمها محددات كثيرة، بعضها يمثل قيود بالنسبة للإدارة الأميركية والبعض الآخر يمثل قيود بالنسبة لإيران، ويؤشر التفاعل بين هذه المحددات للمسارات التي يمكن أن تتخذها الأزمة خلال الفترة المقبلة. أشرف عبدالعزيز عبدالقادر
باحث سياسي بمجلس الشعب المصري