الموت يطل من 'آخر الرؤيا'

بقلم: حسن عبيد عيسى
أوراق مفعمة بالموت

بإقبالك على محتويات كتاب "آخر الرؤيا"، وهو قصص قصيرة للقاص العراقي جاسم عاصي، وصدر مؤخرا عن دار الشؤون الثقافية العامة، فإنك تستجلب، شئت أم لم تشأ، كل المقابر والتوابيت وأشباح الموتى ونداءاتهم الخفية ويافطات نعيهم السوداء وطقوس تشييعهم ودفنهم مما اختزن جاسم عاصي في تلافيف مخه لعشرات من السنين المتخمة بالمآسي والأموات والشهداء.
وستستعرض جنازات لا تعرف أصحابها وهي تشيَّع إلى مثاويها الأخيرة، وستدخل غرفا عششت فيها الظلمة، يصنع فيها نجارون محترفون توابيت الموتى، وستجد نفسك واقفا أمام أبواب ثلاجات حفظ الجثث وهي مشرعة، حتى يخيل إليك وأنت بعيد عنها أنك ترى صورتك على وجوه الجثث المسجاة فيها، كأنك تنظر في مرآة صقيلة.
ستعترض طريقك يافطات سود تحمل نعي أشخاص كثر. إنه أكبر حشد للموت تراه في كتاب حديث صدر بعد كتاب الموتى الذي خلفه لنا الفراعنة.
فماذا كان يدفع جاسم عاصي لحشر كل ذلك الحجم والأصناف من الموت ولوازمه ومهنه وألوانه وطقوسه في كتابه الجديد ذي المائة وست وثلاثين صفحة من الحجم المتوسط؟
إنه بلا شك لا ينوي تقليد الفراعنة الذين تركوا لنا كتاب "الموتى" فذاك كتاب تعليمي ومهني بحت، وإنما وجد ذاته منغمسا في جو من البؤس والشقاء ملوثا بالحروب والحصارات والقمع والفساد، فاستل أبطاله من ذاك الحيز المعتم الكئيب ليلبسهم الموت.
كان الأبطال يتفلتون من بين يديه، يتذمر بعضهم من حياته كمن أعلن رفضه لإقحامه في حياة لم يشأها أو يختارها، وكان جاسم هو الذي يزج بعض هؤلاء إلى الموت والتوابيت والمقابر عنوة.
ولعل المثال الأول للشريحة الأولى، الشاعر الفيلسوف أبو العلاء المعري الذي طلب أن يخط على شاهد قبره (هذا ما جناه أبي عليَّ وما جنيتُ على أحد).
ومن الأبطال من رأى جاسم عاصي أنه خليق بالموت، أرسل جثته إلى المقبرة القريبة من المدينة، أو إلى مدفن صحراي بعيد.
فالأديب جاسم عاصي الذي يعشق الموت، متشبث بالحياة، إلا أنه تمعن كثيرا في كنه الموت فلسفة وطقوسا ومآلا وحرفة يماهنها كثير من الناس، حتى تخال أن الكاتب رأى المجتمع إما أمواتا أو نجارين يصنعون التوابيت أو دفانين أو سائقي عربات لنقل التوابيت أو مشيعين وغير تلك من حرف مَوْتية تماهن أبشع مهنة.
إنها مهنة لها من يعشقها، ويتغنى بها، فهي قد تبدو الخلاص والملاذ الوحيد من العناء والشقاء والخواء ومجتمع قاس لا يرحم عزيز قوم ذل.
ألم يذهب كثير من أبطاله إلى الموت بأنفسهم، وبعضهم يعلن رغبته في الدفن حاملا جثته على منكبيه يطالب الناس العون في دفنها قبل أن تتعفن؟.
فأولى لآلئ هذا العقد المَوْتي قصة (المرآة)، التي لم تكن بعيدة عن الموت كما يبدو من بداياتها، إلا إنها شكلت خلاصة للحظة مواجهة عنيفة مع الموت، فالبطل الذي تلبسه جاسم عاصي وتوحد معه اكتشف في لحظة حرجة أن أمه محشورة في خانة داخل ثلاجة حفظ الجثث في المستشفى.
إنها لحظة الاضطرام التي يتصارع فيها مع ضميره المستفز بموت الأم، فهو ترك أمه فريسة للموت ولم يسأل عنها مذ عصر أمس، فينتصر الضمير الذي صحا على فاجعة كان فيها مغمسا بالإثم.
إنه يرى جثة أخرى في خانة ليست بعيدة عن التي حشرت فيها جثة أمه، كان ينظر إليها وكأنه يحدق في مرآة صقيلة، فيرفع عينيه ويغادر قاعة الأموات راكضا ونداء مسؤول الثلاجة يلاحقه (لا تنس أن تحضر تابوتين اثنين. ص13).
وحتى عندما يغيب طقس الموت عن قصة (طرقات) فإن مشهد التشييع لم يكن قصيا عنها، فيخبرنا جاسم أنه لحظة شروعه بالسفر "كان الجميع يشيعونني." ص14، فالتشييع من مشاهد الموت وطقوس الدفن، فهل عنى الرحيل الأبدي وهو يمشي في الـ (طرقات) متجها نحو المعسكر ليؤدي خدمة الاحتياط؟
أليست تلك كانت حالة الجندي المغادر بيته إلى ثكنته في زمن الحروب المتواصلة؟
وما أن يستقر في الثكنة حتى يخيم عليه الموت، ويلفه، يتسرب إلى مخه عبر أذنيه السمِّيعَتين، ثم تقتحم صوره الكيان الفضولي، إنه ينقاد لفضوله العبثي مستطلعا كنه الطَرْق الشديد الذي تناهى إلى سمعه من الغرفة المجاورة، فيكتشف أن مصدر الطَرْق معمل نجارة متخصص في صناعة توابيت الموتى، فيندم على فضوله وينسحب دون أن يراه أحد.
إنه يود لو "انطلق خارج المعسكر راكضا" لكن التوابيت كانت تلاحقه. بدت مفتوحة الأغطية، وكل منها يطلب منه الدخول إلى جوفه (ص17).
وعلى الرغم من أن (الإيداع) هي القصة الوحيدة في هذه المجموعة التي لم يقتحمها الموت علانية، إلا أنها كانت حبلى به، فالأديب المبدع بطل القصة يرهن رأسه مقابل ثمن ضئيل. وعندما نَكِلَ لشعوره بالحاجة إلى رأسه ليمارس إبداعه، كان عليه أن يدفع تعويضا هائلا للراهن، ما جعله يجد نفسه "محاصرا كجرذ في المصيدة." ص25). ترى ماذا ينتظر هذا الجرذ المحاصر غير الموت؟
وكان جاسم أكثر جرأة وهو يزج قارئه في المقبرة (وهذا هو عنوان القصة) ولو أن اختيار عنوان كهذا تكرر في قصة أخرى هي (المدفن الصحراوي). وكان عنوان ثالثة (المدفن) ما يجعلك تفكر في إصرار جاسم على أن "يزور المقابر" مستصحبا قراءه وأبطاله.
عموما فإن كل ما كان يريده في قصة (المقبرة) هو "طمر جثته التي تنتظر في الخارج، بعد أن تنجز أوراق التصريح." ص27.
فلماذا الطمر يا جاسم (والطمر مفردة ترافق القمامة التي يلقون بها إلى منطقة: الطمر الصحي) أكثر مما تستخدم مع الموت البشري، هل هو التقزز من الحياة إلى حد جعل البدن الإنساني يُطمر بعد موته بدلا من أن يُدفن أو يُقبر؟
إنه في هذه القصة يختار المدفن الصحراوي ليكون مثوى أخيرا له، فلماذا الصحراوي؟ هل إن ذلك رغبة في أن يدفن في منأى عن أهله ومحبيه؟
وعندما يُحال إلى التقاعد في القصة التي حملت مقدار ما دفع له كمكافأة عن خدماته الطويلة وهو(3895) ثلاثة آلاف وثمانمائة وخمسة وتسعون دينارا فقط، عنوانا لها، فإنه يصف التقاعد بأنه (مقبرة..ص37).
إنها حكاية لمعاناة ذاتية.
ثم يُكَشِّرُ عنوان القصة التالية الموحش (المدفن الصحراوي) فهو مصطلح موحش سبق وأن ورد في قصة (المقبرة). إنه مدفن. وهو صحراوي. فهو الوحشة بكل ما تعني من جنس ومكان.
ونتوقف عند تاريخَي كتابة القصتين، فـ (المقبرة) التي ورد فيها مصطلح (المدفن الصحراوي) كتبت في مارس/آذار 1996، فيما كتبت قصة (المدفن الصحراوي) قبلها بشهر.
ولولا عبارة "وفاة زميلنا المفاجئ" التي وردت في قصة (ما حدث في المدينة) لكانت القصة نقية من التلوث بالموت. ولو أنها تحوي على ثيمة تتمحور حول غوريلا ميت. وأن بائسا لم يجد عملا غير أن يدفن جسده داخل جلد ذلك الغوريلا، ليُضْحِكَ الناس في حديقة الحيوانات، ثم يعود ببعض ريع ذلك الضحك ليشتري به خبزا لعياله.
وكأن جاسم عاصي لم يكتف بأن يقارب معمل النجارة الذي تصنع فيه التوابيت في قصة (طرقات) فالهرب من التوابيت أكسبه خبرة ودربة في التعايش والتعامل معها حتى صارت في قصة (مساقط الضوء) مهنة "تسربت خلالها إلى جسده روائح غريبة وخانقة."
ومع إن شيئا من الخوف كان ما يزال يلازمه، على الرغم من مرور أربعة أيام وهو يعكف في القبو المظلم الذي تصنع فيه التوابيت، إلا انه كان يعمل، فهو يخاف من فشله حتى داهمه التعب والإعياء.
إنه تمرن على مشاهد الموت شيئا فشيئا، فمن باب الموت أخذ ينظر إلى الساحة (ص69). ثمة مناظر موحشة، فهناك أجساد مكشوفة للهواء وسط مناظر لا تقل بشاعة، إلا أن الأشد بشاعة هو ما رمت به أيدٍ خفية، إنه تابوت يقطر دماً حياً. إنها مفارقة فسيولوجية، فالموت المعبأ بالتابوت يرافقه دم حي.
هل كان جاسم يبحث عن فسحة أمل في حياة ذلك الدم، وسط مشاهد الموت المقززة، أم عن بشاعة أكثر تقززا من الموت ذاته عندما يصف تسرب الدم خارج التابوت؟
وكأن ردهات المستشفيات هي الحاويات التي يستمد منها جاسم عاصي الموت لينثره على أبطاله ويُعطّر به قصصه.
ما أن نترك أمَّ بطله محشورة في ثلاجة المستشفى في قصة (المرآة) حتى نلتقي ببطل آخر يبحث عن أبيه في ردهة يخيم عليها الموت، وهو يتحسس سريرا رطبا تنبعث منه رائحة البول والعفن خاليا من بدن الأب المريض، فهل مات أبوه في غيابه كما ماتت أم ذلك البطل وحشرت في الثلاجة؟
إننا نلتقي بالأب فجأة فنجده ممتلئا بالخوف، فهو كمن هام في صحراء موحشة.
لقد حَوَّل جاسم عاصي تلك (الردهة) إلى مختبر فحص فيه كل تفاصيل القلق والتوتر والرعب والهواجس، فانعكس ذلك فعلا على بطله الذي راح يقضم الأظافر وينتف شعر الشارب.
كل ذلك يجري تحت مؤثرات تزيد المنظر وحشة ووحشية، فالجو بارد والظلام حالك والكلاب تنبح والمشاعر تحتدم، واللص يسرق البطانيات من فوق أسرة المرضى التي تنبعث منها الروائح الكريهة، والبطل يمارس بطولته من تحت سرير أبيه مختنقا بروائح البول والعفونة والخوف من كل شيء.
كان (العائد) نائما، ولكنه كالأموات، ولولا حركته المفاجأة لظنه الجميع فارق الحياة حتى أفاق من إغفاءته. وعندما أفاق وصار جاهزا للحديث مع الزوجة، فاجأه الموت كما فاجأت حركته الملتفين حوله من أهل بيته، فإحدى ابنتيه التوأم (توفيت).
يدهشني جاسم هنا في خروجه على المألوف، إذ لم يقل ماتت وإنما قال توفيت. كأن وقع الموت أليما لوحده، أما وقد جاء مغلفا بأحداث أخرى تسئ إلى (العائد) فإنه "ترك قدميه تنهبان المسافة على عجالة ودون هدى." ص96.
وهكذا يكون الموت منفِّرا باعثا على فكرة الهرب إلى المجهول.
ونعود إلى (المدفن) الذي تربع اسمه عنوانا فوق سطور القصة الجديدة. هنا يخرج جاسم عاصي على وداعته وسلبيته في القصص التي عوَّدَنا عليها ليدخل معركة نارية هذه المرة.
فرصاصة في عظمة ساق الزوجة، ورصاصة تخترق بطن الابن من الوسط قرب السرة، أتراه هنا يصف لنا مشهدا حربيا، أم أن الموت وحده لم يعد باعثا على البشاعة حتى رأى جاسم أن يجلبه بالإطلاقات النارية كما يُجْلَب العريس في حفلات الزفاف الشعبية؟
لقد أتاح له ذلك خلق أجواء مَوْتية واسعة، إنها عالم من موت "فالموت زاحف ببطء نحو أجسادنا المهددة." إذ "لا مساحة للأحلام في رؤوسنا عدا تلك الصور كبقعة من البرية أو حقل أو مقبرة نلوذ بها." فلقد "أصبح البيت بالنسبة لنا مقبرة واسعة." ص101.
هذا هو الجو الذي خلقه الموت المستقدم إلى صفحات المجموعة بالرصاص الذي يخترق الأجساد.
وتأتي القصة التي أكسبت المجموعة اسمها (آخر الرؤيا) التي يتعدى الموت فيها بني البشر فتحل لعنته بالأغنام التي تموت بفعل البرد والعطش، على الرغم من التناقض والتنافر بين السببين الذين مات لأجلهما الكثير من الغنم.
ثم يعود الموت ليحط رحاله بين الناس كما اعتاد في القصص السابقة، فهذا نايف عكاب الحاتم يُعَرِّفنا بنفسه أغرب تعريف. إنه هو يقول "أريد أن أموت." ص112.
فالموت الذي ينهال من قلم جاسم عاصي صار رغبة ينشدها أبطاله.
ولعل طقس الموت الذي رسمه جاسم بريشة فنان محترف، يأتي أحيانا على شكل زفة عرس كما مر بنا أو على شكل لوحة كونية مؤثرة "فالسماء غائمة ملبدة بشكل غريب، كما لو أنها تنبئ بقدوم شتاء مرعب." عندما يأتي (نمر) البدوي مسرعا يلهث بكلمات متقطعة ليعلن "لقد مات!" فيندهش المتلقون ويسألونه عما قال آنفا فيقول مؤكدا "قلت مات. مات أبي."
ويستمر جاسم عاصي في رسم لوحته ليضمنها علامات دهشة كبيرة تعلو وجوه القوم. وكأنه لم يعودنا على الموت في كل قصص المجموعة. فلماذا هذه الدهشة المصطنعة التي تَكَلَّف جاسم عاصي رسمها خلافا لما قَدَّم في باقي قصصه؟
وما إن ننتهي من قراءة القصة حتى يظهر السبب فيبطل العجب .فالسبب هو أن جاسم عاصي كتب هذه القصة سنة 1967 وهو لم يكن قد احترف تسويق الموت إلى قرائه بعد. مما جعله يسوقه مرسوما على شكل لوحة تصبغها الدهشة.
وتحس وأنت تقرأ (جدار المدينة) أن جاسم عاصي سيأخذك إلى الوحشة والأحزان بدءا من الحيرة والتردد اللذين يتخبط فيهما وهو يصارع الرغبة في الدخول إلى المدينة التي لا نعرف اسمها.
فالقصة حوارية ذاتية جَرَّتْ إلى تداعيات واستذكارات يجتر فيها البطل القصف الذي بقي في ذاكرته منذ زمن الحرب، فيصفه بـ "القصف المميت." ص118.
يعزز ذلك برؤية يافطات النعي التي جعل منها، في مكان سابق، وسيلة لتذكير القارئ بثيمة الموت، فينشر مزيدا منها على صفحات هذه القصة متعكزا على إن جدران المدينة التي تردد في دخولها أول مرة تراكمت عليها اللافتات السود. تنعى أشخاصا متوفين وشهداء ومفقودين.
ولأن جاسم عاصي انحاز إلى الموت وماهنه في قصصه وأحاديثه، فقد صار الفقدان بنظره موتا، وصار الجدار المجلل بالسواد "ذاكرة للموت." ص120، على الرغم من أن مثل هذا الجدار صار "حالة اعتيادية." ص121. لذا لا يدهشنا كثيرا وهو يعلن عن رغبته التي يصفها بأنها تتمثل "في أن أجد لافتتي معلقة مع حشدهم هذا على الجدار."
ولكنه سرعان ما تتحقق رغبته فيرى لافتة نعي سوداء ثبت عليها اسمه واسم أبيه.
وتنط التوابيت لتعترض طريقك وأنت تقرأ القصتين الأخيرتين في هذه المجموعة لتذكرك بأنها والمقابر العلامات الفارقة لمشاهد الموت الذي عبأه جاسم عاصي في هذه المجموعة.
إن سائق العربة العجوز في قصة (الحصان) يوزع التوابيت في مدينة من مدن الموت التي صنعها جاسم عاصي في خياله، إنها المدن "ذات الأزقة الضيقة." ص127.
أما آخر لآلئ عقد الموت هذا، فإنها قصة (نداءات) التي صنع فيها جاسم عاصي مريضا بالوهم ليجعله بطل هذه القصة.
يسمع نداءات من الغرفة العلوية من الدار، وهي الغرفة التي تستقر فيها كتبه.
ولأن التوابيت تأخذ حيزا هائلا من تفكير جاسم عاصي، فإنه أبى إلا أن يضمن القصة الأخيرة من المجموعة عبارة أخيرة، حيث نتعرف على دواعي مرض البطل، ولماذا يسمع نداءات وهمية لا يسمعها سواه، فيتبين لنا أنه صنع رفوف مكتبته من خشب توابيت الشهداء الذين ظل جاسم عاصي وفيا لهم في زمن شح فيه من يذكرهم بخير. حسن عبيد عيسى