اكاديمية الدراسات العليا الليبية: تجربة تستحق المحاكاة

بقلم: د. هيثم الزبيدي
د. صالح ابراهيم: البعد عن المدرسية والبحث عن الجديد

من حق اكاديمية الدراسات العليا الليبية ان تفخر بما حققته. فتأسيس ونجاح مؤسسة تعليمية ليس بالمهمة السهلة. ولا يزيد العمل في مناخ التعليم العالي في دول العالم الثالث الامر الا تعقيدا. ولك ان تتخيل كيف يكون الامر في دولة ظلت الى وقت ليس بالبعيد، الى خمسينات القرن الماضي، تكاد تخلو من التعليم الجامعي، دع عنك الدراسات العليا.
لادراك ان اولئك المئات من الخريجين الحاملين لشهادات الماجستير والدكتوراه والتي زهت بهم مدرجات قاعة الاكاديمية الاربعاء الماضي، عليك ان تقوم بزيارة هذه المؤسسة التعليمية الشابة. فكل شيء فيها ينبض بالحياة. بدءا من امينها الدكتور صالح ابراهيم، مرورا بالاساتذة والطاقم الاداري، وصولا الى ابسط التفصيلات الادارية والفنية في ارجائها.
كان لقاء الدكتور صالح ابراهيم فرصة حقيقة لاستكشاف اسرار هذا النجاح. كان يمكن لامين الاكاديمية ان يصبح شخصية متمردة من الطراز الاول. فالطريقة التي يتكلم بها، والاهم الطريقة التي يكتب فيها، تبوحان بمنهجية لا تقبل بالحلول الوسطى. هذا الرجل الاكاديمي الاداري بامتياز وضع نصب عينيه ان ينشئ مؤسسة اكاديمية بمستوى عالمي.
التجول في ارجاء الاكاديمية يروي قصة انشائها، فلا شيء ترك للصدفة. ثمة تنظيم عال ومتابعة دقيقة: من المكتبة الكبيرة والجديدة، الى النظافة اللافتة التي تلاحظها. ثمة هيكل واضح للعمل والتدريب ودراية بما يمكن تحقيقه دون مبالغات ومزايدات. قسم الكمبيوتر مثلا يذكرك بافضل مختبرات الحاسوب في أي جامعة بريطانية عريقة. والمكتبة تحوي امهات الكتب واخر ما نشر من بحوث ودراسات في انحاء العالم مع وصلات معلوماتية عبر الانترنت الى مكتبات المعرفة العالمية.
طالب الدراسات العليا في الاكاديمية يعرف ما هو مطلوب منه منذ اول ايام يسجل فيها. فالخبرات التي تستقطبها الاكاديمية لا يمكن وصفها باقل من عالمية المستوى. وعلى العكس من المؤسسات التعليمية العربية التقليدية، حيث تبدو الجامعات وكأنها مدارس ما بعد الثانوية، منهجا وطريقة في التدريس والعمل، تضع اكاديمية الدراسات العليا الليبية امام طلابها حقيقة ان عليه استنباط الجديد اذا اراد الحصول على شهاداتها العليا. وهذا بالضبط ما يحدث.
عندما تدردش مع الدكتور صالح ابراهيم فانك تعرج على الكثير من المواضيع. وتكتشف بعد وقت قصير ان اية كلمة تقولها لا تمر مرور الكرام. فيكفي ان تذكر كتابا قرأته باللغة الانجليزية حتى تراه يلتقط قلمه ليسجل اسم الكتاب والكاتب ويطلب من احد مساعديه الحصول على اكثر من نسخة منه، له شخصيا وللاساتذة ولمكتبة الاكاديمية.
كان بالامكان ان تصبح الاكاديمية مدرسية: هذا خيار سهل ولن يجد صعوبة في التناغم مع ما هو سائد عربياً وليبياً. لكن الدكتور صالح لم يكن يريد لها منذ البدء ان تكون كذلك. كان يضع نصب عينيه ان التغيير والاصلاح يحتاج الى هيكل بحثي حقيقي وموضوعي. فمؤسسات الدولة الليبية تحتاج الى الكثير من الفكر الحر والافق الرحب. وهذا لن يتحقق من خلال تخريج نسخ مكررة من الطلبة يعيدون مضغ ما تعلموه مرة بعد اخرى.
خبرة الدكتور صالح في هذا المجال تستحق الاهتمام. فقد درس لمستوى البكالوريوس في ليبيا، ثم انتقل للدراسات العليا في يوغسلافيا وبريطانيا. ولعل هذا ما جعله يدرك مبكرا ان المنهج الدراسي التقليدي لن يفيد بلده وان النمطية الاشتراكية (كحال التجربة اليوغسلافية كما خبرها) ستقود الى الجمود وان الليبرالية الغربية (كما عاشها في بريطانيا) غير متوافقة مع الموروث الفكري والسياسي العربي والاسلامي. وهو لا يخفي ايمانه بالفكر الجماهيري الذي بشر به الزعيم الليبي معمر القذافي. لكنه لا يتردد عن توجيه الانتقادات الى اليات التطبيق التي تتعثر في ليبيا مبتعدة كما يرى عن روح الفكر الجماهيري.
يرى الدكتور صالح ان الاكاديمية تمثل تجربة رائدة في تطبيق الفكر الجماهيري. فهي مستقلة ماديا وخارج الاطار التقليدي للتعليم العالي الليبي وتعيد التفكير بمناهجها دائما. فكل شيء خاضع للتجريب والتمحيص والاستنباط. وهذا ما يريد امين الاكاديمية ان ينقله الى طلبتها ومن خلالهم الى المؤسسات التي يعملون فيها. يريدهم ان يبتعدوا عن النمطية وان ينتهزوا الفرصة العملية والتجريبية التي توفرها بلادهم لهم. وهو لا يفترض النجاح مقدما، بل العكس، تراه متخوفا على تجربة الاكاديمية كتخوف الطالب الذي يدخل الامتحان.
وهو امتحان صعب بحق. فثمة تيارات في جهاز الدولة الليبية لا يروق له النجاحات التي تحققها الاكاديمية. ولا يخشى العاملون في الاكاديمية من القول انهم لولا "الحماية" التي يوفرها لهم الزعيم الليبي لكانوا اليوم جزءا من البيروقراطية الجامعية الليبية وما كانوا بقادرين على تحقيق الكثير مما وصلوا اليه الان.
تجربة الاكاديمية تستحق التقدير. وجهود العاملين فيها، وفي مقدمتهم الدكتور صالح ابراهيم، تستأهل المحاكاة ليبيا اولا وعربيا ثانيا. فما احوج جامعاتنا الى ان تخرج من تقوقعها المؤسف الذي ما يزال يجرها، ومعها مجتمعاتنا العربية، الى الوراء. د. هيثم الزبيدي – طرابلس