سفر الى وطن لم يعرف الراحة

بقلم: فاطمة محمد تقي

في خريف عام 1978 غادرت وطنها، كانت لم تزل شابة مليئة بالرومانسية الثورية وتنقصها التجربة. كان لديها رغبات وافكار، او قد تكون احلام، بل ربما اوهام في انها مع امثالها يمكن ان يغيروا العالم.
كانت تعتقد مثل الكثيرين انها تناضل من اجل مستقبل افضل لبلادها، بمعنى اوضح؛ "من اجل وطنٌ حر وشعب سعيد".
ولكن، اللعنة على الخوف والتهديد وعلى من يبثه في النفوس والقلوب، ايضا اللعنة على قلة العقل، بل على الحماقات التي يرتكبها الانسان تحت اسر الخوف واليأس. لم تجد الا الهرب بجلدها، مخرجاً للنجاة. فتركت ورائها طفلين توأمين لم يبلغوا الثلاثة بعد، وزوجاً مختفياً.
يقول الروائي الكبيرعبد الرحمن منيف، في ثلاثيته "ارض السواد"، على لسان احد ابطاله: "الطيور والحيوانات، وكل المخلوقات، عدا الانسان، تدافع عن صغارها والامكنة التي تبات فيها، ولا يهمها بعد ذلك شئ. اما الانسان فانه ينسى، في احيان كثيرة، صغاره، وبيته، ويدافع عن شئ يتوهم انه الاهم".
لقد هجرت صغارها العزل، دون ان يفقهوا ماذا حدث، ولماذاهجروا بيتهم ومدينتهم وعالمهم الامن في كنف الوالدين. لم تدرك في حينها، فداحة ما فعلت. فقد اختارت الالتزام بقناعاتها وعدم التسليم والتنازل عنها. ولكنها دفعت الثمن غاليا لذاك الخيارالاعمى، فمنذ اليوم الاول لحلولها في ذاك البلد الغريب، اخذ الشعور بالذنب يسيطر عليها كالمرض، حيث اصيبت في روحها وضميرها ووجدانها.
الحياة في المنافي اصبحت رحلتها دون تخطيط ، الانتظارلحياة قادمة اصبحت حكايتها.
كانت تجد في احلامها آلاف الحكايات التي تحكي قصصا عن حياة ومصائر نساء لم يغادرن ذاكرتها.
اكواخ القصب، والنخيل على ضفاف دجلة لم تبارح مخيلتها.
رحلتها الى العراق بعد اكثر من ربع قرن اصبحت واحدة من الكوابيس التي تقض مضجعها. ذهبت اليه وهومجتاحا ومحتلا ومسبيا، بل منكوبا، ربما، لرغبة في نفسها ان ترى بام عينها ماذا فعلت اهوال الحروب به وباهله.
ظلت الطائرة التي اقلتهم من دمشق تحوم في سماء بغداد دقائق قبل ان تهبط في المطار. كان الجنود الامريكان بنظاراتهم السوداء الكبيرة واسلحتهم الاوتوماتيكة الكثيرة وخوذهم الداكنة واجسادهم الضخمة يحيطون بالطائرة. انزلوا الركاب، ثم اقتادوهم الى مدخل صالة القادمين. لم ترى نظراتهم ولكنها شعرت بالانقباض وشي من الغثيان لرؤيتهم.
شقيقتها الصغرى التي لم تغادر العراق، كانت تنتظرها خارج المطار بصحبة احد المعارف الذي ابدى استعداده لاستقبال الزائرة القادمة من مكان بعيد! بسيارته، مخاطرا، ان يسلك طريق الموت! طريق المطار.
جلست الشقيقتان متشابكتا الايدي في المعقد الخلفي للسيارة، بينما كان السائق وهو يديرالعربة، متوتراً بعض الشي، معلقا؛ انه يريد تجاوز تلك الساحة الموحشة ، التي تقبض القلب وتحفل بالخطر، انها ساحة "عباس ابن فرناس".
كان الوقت ظهراً في بغداد، وكانت الشمس بكبد السماء، تشع وهجا يغشي العيون.
وها هي تدخل بغداد، وبينما هي تتطلع الى كل ما يقع عليه نظرها في طريقهم الى بغداد الجديدة ، كانت تستذكر تلك الايام والليالي من الرعب والحزن والاسى، عندما كانت بغداد تتعرض للغارات والقصف من البر والجو والبحر، وتحول سماء بغداد الى شجرة مشتعلة. كانوا يشاهدون ذلك عبر شاشات التلفزيون. والان تشاهد، الشواهد الشاخصة على ذاك الدمار الذي الحقوه بها. ظلت تتابع كل شئ يمرفي الطريق ولا تلحق في التعرف ولاستذكار، كانت تشحذ حواسها للامكنة واسمائها، بينما كانت اختها والسائق يحاولون نجدتها حينما تحار في التعيين. ولما اقتربوا من الوزيرية وانعطفت السيارة نحو الشارع الرئيسي ولمحت مبنى المكتبة المركزية، طلبت التوقف.
لم تصدق نفسها، هل انا حقاً هنا؟ نادت على اختها وهي تمسك بذراعها، متعثرةً، تفتش عن مجمع الجامعة، عن الاقسام الداخلية التي قضت فيها اربعة سنوات، عن تلك البيوتات والفلل الفخمة التي ستأجرتها الدولة لهم والتي عاشوا فيها مجاناً. لقد عادت ثلاثون عاماً واكثر للوراء، الى بدايات السبعينيات من القرن الماضي! الى ذلك الزمن الجميل.حين كان كل شئ ينمو ويخضر ويزدهر في البلد. هنا في هذا الحي، وبين جنباته كانت اسعد ايامها، كان حبها الاول، الاحداث الحميمة، الناس، الزملاء والاصدقاء التي تحولوا الى اطياف لم تفارقها.
كانت مثل فراشة تائهة، تتملى المشهد، ولكن كل ما علق في ذاكرتها من تلك السنوات قد اختفى وزال. لم تجد الا مشهداً مؤلما ومؤسفا، فلم تجد الا آثار حطام ودمار. واجهة المكتبة المركزية التي اكلتها النيران، انقاض لبنايات المختبرات ومراكز البحوث العلمية. ركام من السكراب، اكوام من النفايات والازبال تغطي تلكم الشوارع والطرقات والحدائق التي كانت تزهو باشجارها الباسقات وخضرتها المضيئة. كان ما يميز بيوت الويزيرية، حداقهاالواسعة التي تفيض بنباتاتها، معرشتا على الاسيجة والحيطان بعرائش الداليا والجهنمي والياسمين والليلك والياس. كانت تستعيد عطر ورائحة المكان الذي كان يعبق بشذى القداح والرازقي والبنفسج. ولكنها لم تلمح ولا حتى وردة جوري او قرنفل يتيمة واحدة. فغادرت الوزيرية بالدموع.
وفي بغدادالجديدة، كان في انتظارها، زوج شقيقتها الذي لم تره سابقا واطفالهم الثلاثة. ومنذ اليوم الاول، بدات تعيش الحياة اليومية لعائلة عراقية بكل تفاصيلها، كيف يتدبرون امورهم. كيف يواجهون هذه الاجواء الحافلة بالخطر والخوف.
ان الحرب اية حرب، تغيرحياة الناس، تقلبها راس على عقب وتخربها.
كان الدار مهترأً وفي اسوأ حالاته، ولاشئ يعمل فيه بسبب انقطاع الكهرباء والماء، فقد تحولت الشلاجة والفريز الى صناديق او دواليب لحفظ الماد الغذائية الجافة، وليس لحفظ الطعام وتبريد الماء.
وما ان حل المساء، حتى اضاءوا المصابيح النفطية، ووضعوها في اماكن امنة وبعيدة عن متناول الاطفال. كانت ليلتها الاولى في بغداد، لم يتمكن احدا من النوم في الداخل، لذا قرروا النوم في سطح الدار، حملوا الاسرة الحديدية الصدئة من الغرف الى السطح وصفوها جنب بعضها، وغسلوا الارض بالماء المخزون في خزان في اعلى الدار. وهي تستلقي تحت السماء وسط الاطفال الذين اصروا على النوم جنب خالتهم لتحكي لهم بعض الحكايات. لم تكن السماء مثلما كانت، صافية مرصعة بالنجوم المتلألئة، تلك التي كانوا ينامون تحت خيمتها الاليفة من قبل. كانت سحب كثيفة، ثقيلة من الدخان النحاسي اللون، والبقع الداكنة، تحجب السماء. الهواء كان ثقيلا كالرصاص على الصدور يفوح بروائح دخان اسود ينبعث من حرائق النفايات اسفل البيوت.
ليس وحدها، ولانها تعاني من ضيق التنفس، باتت تسعل طيلة اليل، بل الاطفال ايضا كانوا يتنابون السعال والاختناق طوال الوقت. كانت اصوات انفجارات تتناهى من بعيد، وتبادل لاطلاق النارمن امكان تبدو قريبة، وبعدها يسمع، دكا ثقيلا لرتل امريكي طويل يزحف على الشارع ويهزه، ثم تنعطف بعض الدبابات في الشوارع الفرعية في الحي، ومن هناك يسمع صراخا من بعض المنازل المجاورة، حيث يتبين ان مدافع الدبابات قد اصدمت بتلك البيوت واطاحت بجدرانها.
كانت بغدادالجديدة، في تلك الايام، هدفا للتفجيرات والسيارت المفخخة، مثلما في معظم انحاء بغداد. ولقد شهدت واحدة منها بنفسها. فبينما كانت برفقة شقيقتها، في الطريق الى البريد، عبر الشارع، فاذا بانفجارمرعب يهز المنطقة، ويوقع ضحايا كثر، ودمار مخيف. بعدها شهدت مقتل امام جامع "ذا النطاقين" ومؤذنه، القريب من منزلهم. على مدى الاسبوعين التي قضتها في بغداد، لم تتمكن من زيارة الاماكن التي كانت ترغب في الوصول اليها، ولم تفلح في معرفة مصائر الاصدقاء والمعارف، ولا حتى الاقارب، بسبب الاوضاع الامنية المتردية.
كم كانت تود لو تجلس على مقعد في حديقة عامة، لترى اطفالا يمرحون وكبارا يتنزهون بسلام. لكنها لم ترى، الا فراشات صغيرة، لم تجد حدائق تظمها، وانما تاهت بين اكوام النفايات والمزابل. فاطمة محمد تقي Fatma.taki@hotmail.com