المراوغة والتجريب في 'نزهة الدلفين'

بقلم: شوقى بدر يوسف
بنية سردية، تتكئُ على رؤية شعورية، والمحيميد في الإطار

"الحب هو شعر الحواس، ومفتاح كل ما هو عظيم في الحياة الإنسانية."
بلزاك
بصدور روايته الأخيرة "نزهة الدلفين" عن دار الريس للكتب 2006 والتي جاءت بعد مجموعتين قصصيتين هما "ظهيرة لا مشاة لها" 1989، و"رجفة أثوابهم البيض" 1993، وثلاث روايات هي "لغط موتى" 2003، و"فخاخ الرائحة" 2003، و"القارورة" 2004.
يدخل الكاتب السعودى يوسف المحيميد بهذا النص تجربة ومنطقة جديدة من مناطق الإبداع، تختلف تماما عما ذهب إليه في رواياته، ونصوصه السابقة.
وهي تجربة المراوغة، والتجريب في الشكل السردي من خلال تجسيد بنية سردية، تتكئُ على رؤية شعورية تتمحور في تجربتها حول الواقع.
وفي نفس الوقت يتكأ على تجربة عاطفية لا شعورية مأزومة، تعتمد على حالة من حالات الوجد، والانجذاب نحو الآخر، عبر تجسيد مظهر من مظاهر الحميمة الحسية المتواجدة في الطبيعة.
لقد أخذ الكاتب عن الحيوان البحري المعروف باسم "الدولفين" ككيان رمزي مكثف، وشفرة خاصة وظَّفها بإلحاح شديد داخل نسيج النص للتعبير عن شبقية الحياة ورعونتها، من خلال تقديم شخصيات ذات طبيعة نفسية خاصة، قدمت نفسها من خلال تعدد الأصوات، والتكنيك النفسي.
عرض الكاتب كثيرا من الأفكار المتسمة بالخفاء، والجرأة في تناول مناطق مسكوت عنها، ومضمرة من النفس، في رحلة كاشفة للذات، وتجربة فاعلة تتماهى فيها الأحداث إلى أبعد حدود التماهى، ومن خلال عاطفة حب جياشة، متقدة، شكلت المحور الرئيسى للنص.
وقد جسَّد الكاتب هذه العاطفة عبر ثلاث شخصيات خليجية، رجلان وامرأة، جمعتهم أمكنة عديدة في مدن عربية وأجنبية مختلفة، في دبي، والقاهرة، ولندن، في حالة من حالات التنقل، وضرورة خاصة من ضرورات السفر، وحضور المؤتمرات.
وفي نطاق عاطفة حب مشبوبة، ومشاعر متوهجة، وأحداث رمزية طالت هذه الشخصيات الثلاثة التي تمثل داخل النص مثلثا متساوي الأضلاع.
إن كل ضلع له تجربته الخاصة المسرودة عبر واقعها الخاص، وعبر زمن راهن يغطى وجودها الذاتي والحسي، وذاكرة ذاتية نشطة تلاحقها، وتحيل إلى الماضي وقائع محددة شكلت جزءا محددا من تاريخها الاجتماعي الخاص.
كما حوت ما تختزنه ذاكرتها من وقائع وإحالات هي جزء من التجربة الإنسانية الفاعلة التي مرت بها هذه الشخصيات في حياتها، وتشكلت منها شخصيتها وهويتها الثقافية والاجتماعية والعاطفية. مراوغة النص قسم الكاتب نصه الروائي إلى متواليات حكائية قصيرة تشبه إلى حد كبير تكنيك القصة القصيرة الوامضة.
وضع في كل متوالية خلاصة رؤيته تجاه واقع الشخصية في إيقاع حكائى سريع، ورسم لكل منها ملمحا من ملامح ممارساتها في هذا المناخ المحدد، وهو بهذه الطريقة لم يفصح عن وجود حدث رئيسي تتحلق حوله الشخصيات.
إنما جاء هذا النسق من خلال مراوغة نصية، استبانت ملامحها عبر التنقل السريع بين أماكن ومدن مختلفة لتحرير التجربة من التحديدات والثوابت، وترك الحرية لذات الشخصية لتعبر عما يجول بداخلها من مشاعر، وهواجس ذاتية حسب ما يملي عليها مناخ المكان، وخصوصية الموقف.
ولاشك أن هذا التغّير المكاني الذي طرحه الكاتب قد شارك مشاركة فعالة في صنع مراوغة النص، ودينامية تغيره من آن لآخر حسبما تتواجد الشخصية وترفد من ذاتها وهواجسها وبوحها الذاتي.
يبدأ النص بهذه العبارة:
"كانوا ثلاثة. امرأة ورجلين. يمشى الرجل الطويل أمامهما متغاضيا عمّا يحدث، بينما الرجل القصير يشبك يده بيد المرأة ويمشيان خلفه، حين يتوقف الطويل ملتفتا، مطمئنا أو سائلا، تفترق اليدان سريعا باتفاق مضمر، تهربان فزعتين كما لو كانت طيور يحفّها الحذر، تهربان مثل دلفينين يركضان بانسياب في بهاء الماء."
بهذه العبارة التي تختزل النص بأكمله يتجسد اللقاء الذي يجمع هذه الشخصيات الثلاث في مشهد سريع، يعبر عن عاطفة حميمية متقلبة، ومستثارة دائما على طول النص.
تجمع العاطفة هذه الشخصيات في بوتقة واحدة، تتنقل معهما أينما كانوا، وأينما حلوا، وإن كانت عاطفة الحب المتقدة والمشبوبة تخص رجلا وامرأة منهم بخصوصية التوهج.
كما تتجسد هذه العاطفة في نفس الوقت في هذا السياق، الهيئة الجسدية للرجلين، أحدهما طويل، يأخذ سمة الأب، وهو الناقد أحمد الجساسي، أحد مثقفي الخليج، والآخر قصير، يأخذ سمة مغايرة، وهو الشاعر خالد اللحياني من المملكة العربية السعودية.
والرجلان تجمعهما أواصر صداقة قوية، أما المرأة فهي آمنة المشيري، وهى كاتبة من الإمارات، كما قدمها خالد إلى إحدى الشاعرات.
ومنذ البداية تبدأ المراوغة النصية في شكل هواجس، وأفكار مستثارة، تراود عقل خالد اللحياني، وتتحرك داخله في حالة من حالات الشك، والوساوس، والاضطراب نحو طبيعة علاقة صديقة أحمد بحبيبته آمنة.
إن هذه الهواجس لها ما يؤيدها في ممارسات كل من أحمد وآمنة اللذين جلسا متجاورين في سيارة الأجرة بطريقة متعمدة، أثناء توجههم إلى حي الحسين بالقاهرة، بينما أجبر هو على الركوب بجوار السائق.
كذلك حين تسللا معا من ندوة الأتيلييه أثناء إلقائه قصائده، وتركاه وحده، وهو أشد ما يكون أحوج إليهما في هذه اللحظات الحادة والمشحونة بالتوتر والقلق، مما انعكس على إلقائه الشعرى فبدا كما لو كان يطحن حجرا:
"كم كان وحيدا بأناقته المفرطة وهو يقرأ قصائده على المنصة، ويبحث عن وجه حبيبته دون جدوى، حتى شعر في لحظة حاسمة أنه يقرأ أمام مقاعد خشبية فارغة!
أو ربما رأى دمى ملقاة على المقاعد جامدة لا تبتسم ولا تصفّق، لا تجلس ولا تذهب.
وقت أن خرج من القاعة هائما، اعترضه صحافي ليسأله سريعا عن موقفه من قصيدة النثر العربية، لكنه أزاحه عن طريقه برفق، كمن يهّش طيفا لا مرئيا، وانحدر راكضا في الشارع مضطربا، لا يرى غير ما يريد."
تلك كانت مأساة خالد اللحياني الذاتية، حساسيته المفرطه، والسقوط في وهدة الشك والوساوس تجاه من يحب ومن يأمن له، صديقه الصدوق الذي يعشق دريدا، وبارت، والتفكيك، والبنيوية، والذي قال عنه أرسطو "الصديق إنسان هو أنت إلا أنه بالشخص غيرك."، والمرأة التي اختارها لتشاركه عاطفته، ولتتجسد من خلالها المشاركة الوجدانية في لحظات نشأة المشاعر وتناميها.
ولاشك أن نوازع الالتباس التي راودت خالد اللحياني في هذه المواقف الحادة والمشحونة بالتوتر والتي أطلق على واحد منها، وهو يوم ندوة الأتيلييه، "الثلاثاء الأسود"، هو صلب الحدث الهلامي الذي جسده الكاتب في هذا النص المراوغ من خلال هواجسه المرضية المأزومة، وعاطفته المتقدة، وشفرته الغرائبية الموظفة لتحرير عاطفة الشاعر، وكبح جماحها في رحلته الكونية، أو في نزهته المتجددة، مع دلفينه العاشق إن صح هذا التعبير.
فالمفردات والمواقف المتكررة لمشاهد عناق الأيدي، والحوارات الساعية لا إلى تثبيت الزمان الذي تلمح إليه العاطفة المشبوبة المتبادلة بين خالد وآمنة، بل إلى تفاعل شفرة الدلفين مع النفس الحائرة والحاملة لهواجسها، ونوازعها، تجاه تغريب بعض المواقف، لاستحضار التجربة بكل أبعادها، وتعقيداتها، وتداخلاتها.
لا التجربة بصفتها واقعا، وإنما بصفتها صورة من الصور الذهنية المشوشة التي نبعت من الغيرة والشك والظنون المتأصلة داخل نفسية شخصية خالد اللحياني.
إنها شخصية مستثارة دائما بفعل بعض المواقف المتفاقمة بطريقة مأزومة, والظاهرة بطريقة مرضية عبر المسار السردي للنص.
ولا شك إنها كانت في الحالتين هى المحرك للأحداث، وأن مركزية المراوغة كانت تنبع من مفردة دالة واحدة، كانت هي الأخرى المحرك والباعث على الاحتفاء بها والإتكاء عليها داخل البنية السردية.
ففي سرد الذات وهو ما ظهر واضحا جليا داخل النص تبدو الحكاية، إن كانت هناك حكاية تحكى على نحو مألوف، تبدو كما لو كانت تنحو نحو الشعرية بمفهوم الذاتية وهو ما نجح الكاتب في التعبير عنها من خلال طرح بعض الأسئلة والهموم الفكرية وعذابات النفس وأحلامها.
لقد عبّر كل من خالد وأحمد وآمنة عن همومهم الحياتية أثناء نزهتهم في كل الأماكن التي حضروا إليها خاصة في القاهرة.
وقد منح هذا التداعي في الخواطر لكل منهم تعددية في أصوات التعبير عن الهموم الذاتية، وآلية في محاكاة النفس وبحثها عن الانعتاق الدائم من كل ما مر بها، وما يراودها في حياتها العاطفية اليومية. التخييل وواقعية الذات على الرغم من حالة الواقعية التي يتسم بها النص، ويرتسم حدودها، ويتفاعل مع تفاصيلها المعرفية الدقيقة من خلال الوصف المسهب لكل ما جاء في نسيجه من أمكنة، وممارسات، ووقائع، وأساطير، وموروثات، وخبرات خاصة، طالت شخصيات الرواية الثلاثة، بأبعادها النفسية والجسدية وأصداء سيرتها الذاتية.
على الرغم من هذا فإن الكاتب قد عوّل على البحث عن الخيالي في الشئ الواقعي، وهذا الخيالي هو الاحتفاء بتخيل الأيدى المتشابكة لتكون كالدلفين العابث، الشبق، الباحث عن الحب، والمتعة في ذات الوقائع المراوغة التي حفل بها النص ونسيجه السردي.
لقد تكررت كلمة الدلفين، كمفردة دالة بطريقة مكثفة، في مناطق كثيرة من النص، عند التعبير عن التلاحم العاطفي، والشبقى خاصة في لقاءات كل من خالد و آمنة في أماكن كثيرة، في سيارة الأجرة عند ذهابهم إلى حي الحسين، عند دخول المتحف البحري، عند خروجهم من الفندق تجاه النيل، فسيرهم بشارع إدجوار رود بلندن، عند مشاهدتهم لفيلم تيتانك.
حتى في تراسلهما عن بعد، كانت كلمة الدلفين هذا المعنى الدال، وهذه الشفرة الخاصة بينهما هى محور هذا التراسل والتخاطب العاطفي، وهو الرمز الجامح والجامع لمشاعرهما المتدفقة المتقدة.
وفي أماكن كثيرة، كانت أيديهما هما المتحاورتان، والعابثتان والمعبرتان عن المراوغة التي يجيدان اللعب بها، حتى في لحظات صمتهما، كانت شبقية الصمت هي الدفقة الزاعقة خلال مواقفهما العاطفية المتواترة:
"في سيارة الضيوف جلسا معا في المقعد الخلفي، حيث ألقى يده دون قصد في المساحة بينهما على مرتبة الجلد داخل سيارة الكابريس الكحلي، بينما رمت دلفينها لأول مرة قرب يده، كأنما أحدهما صيّاد يرمي سنّارته وينتظر.
كانت المسافة بينهما لا تزيد على مليمترات معدودة، أنفاس الدلافين الساخنة تفضي بشئ سرّي وسحري، كان التخاطب بينهما صامتا، فلا يعرف آنذاك إن كانت قصدت أن تجعل يدها على مسافة شهقة من يده أم لا.
ولم تعرف هي أيضا إن كان قد تعلّقت روحه بعينيها أم لا.
كانت اللحظة مشوّشة كثيرا، ولم يجرؤ أي منهما على سحب دلفينه إلى محيطه، كما لم يجرؤ أي منهما أن يدفعها قليلا باتجاه الآخر!
اللحظة آنذاك كانت صعبة، ممتعة ومؤلمة معا!"
في هذا المقطع من النص يبرز نسق خاص رامز لعلاقة عاطفية طاغية، ومتقاربة ولكنها في نفس الوقت صامتة، وغير مكتملة، رمز لها الكاتب بشفرته الخاصة، الفاعلة، والمؤثرة، والحاملة لدلالة المعنى في كل أبعادها النصية وهى كلمة "الدلفين".
ولعل هذا البعد النفسى في هذا المشهد أيضا يعطينا دلالة على عمق الرؤية التي عبر عنها الكاتب بخطاب صامت بين خالد وآمنة، وهو ما تنسحب دلالته وترتكز على هذه المفردة المتكررة، والملحة في الحضور.
حيث نجدها توجد في أكثر من مشهد، وأكثر من فصل لتعبر عن الواقع الممتزج بتخييل خاص يستخدم لإبراز وجهة نظر الكاتب في تجربته السردية، وفي التيمة الحكائية الأساسية في النص، والمعبرة في الإتكاء عليها عن العلاقة الأزلية بين الرجل والمرأة.
والدليل على ذلك أن الكاتب قد صدر بها النص في عتبته الأولى من خلال: أولا، العنوان، وثانيا، حين اجتزأ من كتاب "عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات " للإمام العالم زكريا القزويني هذا المقطع وصدر بها نصه الروائي:
"الدلفين حيوان مبارك إذا رآه أصحاب المركب استبشروا، وذلك أنه إذا رأى غريقا في البحر ساقه نحو الساحل، وربما دخل تحته وحمله، وربما جعل ذنبه في يده ليمشي به إلى الساحل.
وقيل له جناحان طويلان، فإذا رأى المركب تسير بقلوعها رفع جناحيه تشبيها بالمركب، وينادي، وإذا رأى غريقا قصده."
لذا كان الدلفين هو الدلالة التي أراد الكاتب بها التعبير عن ماهية النص بأكمله وبالتالي فهو من وجهة نظرنا البطل في هذا النص الروائي المراوغ. وهو المحور الأساسي له، سواء جاء على شكل شفرة فاعلة داخل النص، أم جاء على شكل رمزي للأيدي الحانية العاشقة، أم على شكل شخصية عابثة لها وجودها الرمزي والمكثف للغاية على طول نسيج النص ومحاوره المختلفة.
أو جاء على شكل تفسير ذاتي عند كل شخصية، ترى دلالته الذاتية بما يحقق لها طموحاتها الخاصة. شوقي بدر يوسف shawkibdr@hotmail.com