'زلزالٌ' فجرَ الجمعة المقبل!

موسكو تحرص، أو هكذا تبدو، على أن تُظْهِر نفسها على أنَّها تملك "الخبر اليقين"، فـ "الزلزال"، زلزال بوش، سيضرب إيران فجر الجمعة المقبل (6 نيسان) وسيستمر 12 ساعة؛ أمَّا الاسم، الذي حبَّذت إدارة الرئيس بوش إطلاقه عليه، فهو "عملية اللدغة"، مع أنَّ النتائج والعواقب ستنطوي على مزيد من الأدلَّة على أنَّ الرئيس بوش لا يملك من الإيمان "المفيد" إلا ما يجعله يُلْدَغ من الجحر ذاته غير مرَّة، فثمة مصالح تجعل صاحبها تلميذا غبيا لا يتعلَّم، مهما أوتي من ذكاء، لا من تجاربه، ولا من تجارب غيره.
الرئيس بوش يقود سيارته الآن مسرعا؛ أمَّا إشارة المرور التي أمامه فليست ضوءا أخضر، أو أحمر. إنَّها الضوء الأصفر أو البرتقالي الذي يدعوه إلى المجازفة إذا ما أراد العبور. وسيارته تشبه، على ما أرى، "قطار نجاد النووي" الذي انطلق سريعا من محطة انطلاقه؛ ولكن بلا مكابح. الرئيس بوش يمسك الآن بـ "كأس المغامرة"؛ ولا ريب في أنَّه يرى نصفيه، الملآن والفارغ، فإنْ هو نجح إيرانيا فلسوف تشرع الرياح تجري بما تشتهي سفينته، إيرانيا، وعراقيا، ولبنانيا، وفلسطينيا، وفي عقر داره، فترجح كفة الجمهوريين على كفة الديمقراطيين. وإنْ هو فشل، معمِّقا وموسِّعا، بالتالي، أزمته، وأزمة إدارته وحزبه، والأزمة الاستراتيجية للولايات المتحدة في العراق، وفي محيطه الإقليمي، فسَيَتْرُك لخليفته الديمقراطي خيار "رفع الراية البيضاء"، وكأنَّه مصمِّم على أن يورِّث خليفته الديمقراطي الأزمة وقد عنفت واشتدت، فيقضي عليها، بـ "الراية البيضاء"، أو تقضي عليه.
الرئيس بوش يفهم "الفشل" الآن على أنَّه الأخذ بخيار أن يغادر البيت الأبيض من غير أن يُسدِّد إلى البرنامج النووي الإيراني ضربة قوية، تنجح، على الأقل، في إعادته سنوات عدة إلى الوراء، فإيران بإصرارها على المضي قدما في برنامجها النووي "المستقل"، و"المدني" على ما تؤكِّد، إنَّما تُرْغم الرئيس بوش على أن يحاوِل نجاحا، استعصى واستحال حيث كان ينبغي له أن ينجح.
وقد حاول من قبل أن ينجح في مكان آخر، أي في لبنان؛ ولكنَّ اولمرت عجز عن أن يهديه نصرا، يُفْتَتَح بمفتاحه "الشرق الأوسط الجديد"، ففشل الاثنان، الآمر والمأمور. واليوم، تبدو بعض قوى الرابع عشر من آذار، في بعضٍ من مواقفها السياسية الداخلية، مؤمنةً بأنَّ ضرب، أو "لدغ"، إيران وشيك، وبأنَّ نصرها الداخلي سيأتي، لا محالة، بعد ذلك، وبفضله.
هل ينجح الرئيس بوش في "لدغته" إذا ما أقْدَم عليها؟ النجاح إنَّما يتألَّف من جزأين: نجاح الضربة ذاتها في أن تُوْقِع بالبرنامج النووي الإيراني دمارا يتسبَّب، على الأقل، بإعادته سنوات عدة إلى الوراء، وفي أن تُفَجِّر في "إيران العسكرية والاقتصادية" ما يتسبَّب بتفجير في "إيران السياسية الداخلية"؛ وهذا الجزء من النجاح (في التدمير عن بُعْد) ليس بالأمر المتعذَّر، وإنْ تعذَّر تحقُّقه على النحو، وبالمقدار، الذي تريده إدارة الرئيس بوش. أمَّا الجزء الآخر، والذي أكَّدت تجربة غزو واحتلال العراق أنَّه أكثر أهمية من الجزء الأول، فهو أن ينجح "الضارب" في أن يقي نفسه شرَّ "المضروب"، أي أن يهزمه في قدرته العسكرية والسياسية على الردِّ والانتقام.
بقي أن نقول شيئا في "النجاح الأعظم" والذي لن يكون حيث وقعت الضربة، فسُحُب الحرب التي تجمَّعت واحتشدت هناك يجب أن تجود بغيثها هنا، أي في النزاع بين العرب وإسرائيل، فلا معنى لحرب جديدة إنْ لم تُتَرْجَم بـ "نصر سياسي كبير"، قوامه ابتناء "الشرق الأوسط الجديد" من الحجارة التي يأتي بها هَدْم صرح العداء بين العرب وإسرائيل.
قبل، أو قبيل، الحرب التي لم تنشب بعد، كان أمرا ليس من الصعوبة بمكان أن تُعْقَد قمة الرياض، وأن تقرِّر تفعيل "المبادرة"، التي جُدِّد التزامها "حرفيا"، مع "تلميح" أهم من هذا "التصريح"، وهو التلميح إلى أنَّها يمكن أن تكون مَدْخلا إلى تفاوض سياسي مع إسرائيل، قد ينتهي إلى تحويلها من مَدْخل إليه إلى موضع له. أمَّا لو حَدَث هذا الذي حَدَث بعد، أو بعيد، تلك الحرب لشقَّ "التصريح"، ولشقَّ أكثر "التلميح". جواد البشيتي