بغداد اليوم: عمائم وموت ونساء متشحات بالأسود

مخرج عراقي يسجل ماضي بغداد التي تغادر ذاتها

دمشق - يقول المخرج السينمائي العراقي باسم قهار إن الوطن الذي يتذكره من خلال فيلمين من المقرر عرضهما هذا الشهر لم يعد بامكان جيل الفنانين العلمانيين الذين ينتمي إليهم تمييزه.

ويحكي فيلم "الخاتون" (ذا ليديز) قصة 62 ممثلة عراقية غادرن العراق على مراحل أغلبهن بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة له قبل نحو أربع سنوات.

أما فيلم "سفير في القهوة" (امباسادور ان ذا كافيه) فيدور حول أبو حالوب وهو يساري عراقي يعيش في المنفى الذي دأب على مدى سنوات على الذهاب الى مقهى الروضة في دمشق والجلوس على نفس الطاولة كل يوم.

ويقول قهار إن هذا الصنف من الفنانين والمثقفين الذين تمتعوا يوما ما باحترام كبير آخذ في الانقراض في العالم العربي الذي يتحول على نحو متزايد الى التوجهات الاسلامية.

وقال قهار "أتخيل بغداد الآن محاطة بعمامة كبيرة وملتحية." واضاف "هم كانوا جزءا من النوع المتقدم والتنوع والانوثة العراقية.. هم لا ينتمون للعراق الجديد لان العراق الجديد تحكمه العمامة وما يتبعها من سياسيين أميين. الأمية السياسية تتواصل في العراق منذ عقود".

وقال إن الغزو الاميركي ساهم في مجيء طبقة سياسية مهيمنة متحالفة مع رجال دين يقومون بمحو الفن والفكر العلماني.

وقال "هذه الشخصية (أبو حالوب) بغدادية بروحها.. وبغداد الان تموت بتفاصيلها وبشخصيتها وباشارتها بالملامح الخاصة بها كشخصية حزينة... أحكي عن الخصوصية البغدادية التي وإن فيها الرسم والغناء وروح البيت الذي تدخله.. (فيها) طريقة التعامل مع الاخر والهوية في المقهى.. طريقة الذهاب الى السينما.. وجود المتاحف.. كل شئ كان له هوية بغدادية".

وقال قهار ان المثقفين والفنانين والرسامين ظلوا يعملون في بغداد رغم غياب الحريات تحت حكم صدام حسين ولكنهم بدأوا في "الانقراض".

وقال "الشخصية البغدادية التي كانت قادرة على النهوض بالوطن ثقافيا وعلميا واقتصاديا انقرضت الان. ان روح بغداد قد هجرتها.. أخرجت من مكامنها ومن بيوتها ومن شوارعها.. أزيحت هذه الشخصية ليحل بدلا منها قانون لا ينتمي على الاطلاق للمدينة الحديثة.. فبالتالي نحن عدنا قرونا الى الخلف".

وعندما عاد قهار الى بغداد بعد الغزو للمرة الاولى منذ غادرها في عام 1991 حيث تنقل بين سبع دول لم يشعر بالانتماء للمدينة.

ويقول ان قلة من النساء يمتلكن الجرأة حاليا على السير بشوارع بغداد دون ارتداء الحجاب. وكان ارتداؤه بات شائعا بالفعل خلال حكم صدام حسين ومع الانهيار الاقتصادي الذي ساهمت فيه عقوبات الامم المتحدة.

وكان من السهل الحصول على المشروبات الكحولية قبل الغزو غير أنه منذ ذلك الحين فجر متشددون كثيرا من متاجر بيع الكحوليات. كما اصبح أساتذة الجامعات هدفا مفضلا لعمليات الاغتيال.

ويضيف المخرج العراقي أن بغداد حاليا تفقد التعددية حيث غادرت أقليات من بينها الاقلية المسيحية في مجموعات. كما دمر عدد من تماثيل الشعراء والشخصيات العلمانية الاخرى.

وأصبح العنف وسيلة مألوفة للتعامل مغ الانشطة التي تعتبرها ميليشيات وجماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة مخالفة للشريعة الاسلامية.

ودرس قهار الإخراج في بغداد وهو متخصص أصلا في المسرح غير أنه بدأ مؤخرا في عمل أفلام وثائقية بشأن العراق من أجل الوصول إلى جمهور أكبر.

وقال قهار إن الظهور الأول لفيلم "سفير في القهوة" سيكون على شاشة قناة الجزيرة الفضائية في ابريل/نيسان. كما يأمل المخرج العراقي في عرض الفيلمين خلال مهرجانات دولية في أوروبا هذا العام.

ويقضي قهار (43 عاما) وقته بين سيدني ودمشق التي أصبحت إلى جانب بيروت وبدرجة أقل عمان مركزا للكتاب والفنانين العراقيين في المنفى.

وشملت أعماله اخراج مسرحية "ذا ميدز" (الخادمات) لجان جينيه بمسرح سيدني آرت. كما عرضت له في دمشق مسرحية "ارابيا" التي تدور حول الفوضى التي أعقبت سقوط بغداد.

وقال قهار "أنا الان انظر إلى العراق بغضب. هنالك علاقة متوترة بيني وبين وطني على طريقين.. طريق ان وطني محتل وطريق ان هناك عنفا طائفيا مركزا ينفي بالنسبة لي مفهوم الوطن بما يحمل من امن وسلام وطمأنينة. حتى ذكرياتي في هذا الوطن بدأت اشك بها هل هي حقيقة ام مجرد احلام لا تنتمي لوطن".

ويتذكر بحنين بغداد التي نشأ فيها كعاصمة شهدت ازدهارا للفن والثقافة العلمانية في بعض الأوقات رغم أن عددا كبيرا من الفنانين مثله غادروا البلاد خلال فترة الحظر الذي فرضته الأمم المتحدة في التسعينات.

ورغم تزايد نفوذ الدين خلال العقد الأخير من حكم صدام حسين إلا أن المطربين والموسيقيين كانوا لا يزالون يتجمعون أسبوعيا في متحف ببغداد على ضفة نهر دجلة للعزف على آلات التخت.

وكان الاستقرار والأمن بالشوارع يسمحان لعدد أكبر من الناس بالذهاب إلى المسرح من الآن رغم أنه لم يكن يتم التسامح مع أي انتقادات لصدام أو لنظام حزب البعث.

ويرى قهار أن أحد التوابع المأساوية لما بعد الغزو هو الحط من قدر النساء وتآكل حقوقهن. وقال إنهن تعرضن للاضطهاد في السابق غير أن ذلك الاضطهاد كان أقل درجة مما يتعرضن له الآن.

وفي الفيلم الوثائقي تتحدث الممثلات عن الخوف الذي انتابهن من العيش في بغداد بعد الغزو لأنهن معروفات كممثلات. وكانت الممثلة في السابق يمكنها تحقيق النجاح إذا ظلت بعيدة عن السياسة.

وقال "المرأة محرومة من كل حقوقها في الشارع ومهدورة في القتل.. لانها لا تلبس حجاب.. فلا مساواة ولا ديمقراطية في وطن كانت فيه اول وزيرة في الشرق الاسط اسمها الدكتورة نزيهة الدليمي سنة 1959 وكانت تلبس التنورة بجانب الرئيس عبد الكريم قاسم".