القَصِيدَةُ.. صَدَقَةُ الْغَيْظِ فِي يَدِ الْمَوْتِ

بقلم: مُحَمَّد حِلْمِي الرِّيشَة
الشاعر والقصيدة

1.
أَيَّتُهَا الْقَصِيدَةُ.. لاَ تَتْرُكِي الشَّاعِرَ يَكُونُكِ ثَمَرَةً عَلَى شَجَرَةٍ دُونَ قِطَافٍ!

2.
أَيَّتُهَا الْقَصِيدَةُ.. لأَنَّكِ غَيْرُ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ، تَظَلِّينَ تَنْتَظِرِينَ يَدًا عَارِفَةً مَذَاقَ عَيْنِهَا الثَّالِثَةَ!

3.
أَيَّتُهَا الْقَصِيدَةُ.. لأَنَّكِ تَعُودِينَ الشَّاعِرَ، كُلَّ مَرَّةٍ، بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ.. يُحَاوِلُكِ حِبْرُهُ مِنْ جَدِيدٍ!

4.
أَيَّتُهَا الْقَصِيدَةُ.. لأَنَّكِ تُخْفِينَ دَهْشَةَ الْمَعْنَى بَيْنَ فَرَاغَاتِ كَلِمَاتِكِ، يَخِزُ الشَّاعِرَ عَصْفُ الْقَارِئِ غَيْرِ الْمُتَمَرِّسِ بِكِ!

5.
أَيَّتُهَا الْقَصِيدَةُ.. تَجْعَلِينَ الشَّاعِرَ، أَوَّلاً، وَرَقَةً خَضْرَاءَ، ثُمَّ صَفْرَاءَ، ثُمَّ مَتْنًا بَيْنَ دَفَّتَيْ سِفْرٍ، ثُمَّ لاَ يَجِدُ أَنَاهُ حَتَّى فِي هَوَامِشِهِ!

6.
أَيَّتُهَا الْقَصِيدَةُ.. تَأْخُذِينَ الشَّاعِرَ مِنْ زَمَانِهِ وَمَكَانِهِ لِيَلِدَكِ بَعْدَ حَرَكَاتٍ شِبْهَ عَابِثَةٍ، فَدُخُولٍ مَرِيضٍ، فَيَتِيمٍ عَلَى صَفْحَةِ الْحَيَاةِ!

7.
أَيَّتُهَا الْقَصِيدَةُ.. كَيْفَ يُسَافِرُ الشَّاعِرُ فِيكِ وَلاَ يَصِلُكَ أَبَدًا؟!

8.
أَيَّتُهَا الْقَصِيدَةُ.. يَدَعُ الشَّاعِرُ كُلَّ شَيْءٍ لأَجْلِكِ إِلاَّكِ.. ذَكِيَّةٌ أَنْتِ فِي اجْتِذَابِ لاَ وَعْيِهِ نَحْوَكِ طَائِعًا لانْخِطَافِهِ.. مُنْصِتًا لأُوَارِ صَمْتِكِ يَضِجُّ بَيْنَ خَلاَيَاهُ!

9.
أَيَّتُهَا الْقَصِيدَةُ.. تُشْبِهِينَ الْحُبَّ جَيِّدًا: قَلَقُ الْقَلْبِ.. تَوَتُّرُ الرُّوحِ .. رَجْفَةُ الْجَسَدِ.. خَوْفُ الْغِيَابِ.. سَهَرُ الظَّنِّ.. هَزَّةُ الشَّكِّ.. نَظْرَةُ الْغَيْرَةِ.. مَلَلُ الأَمَلِ... أَلَسْتِ مَنْ عَلَّمَ الشَّاعِرَ؛ أَوَّلَ الْكَائِنَاتِ الْجَمِيلَةِ، هذَا الْمُعْجَمَ؟!

10.
أَيَّتُهَا الْقَصِيدَةُ.. تَقْصِفِينَ أَنْفَاسَ الشَّاعِرِ، كَأَنَّهَا أَعْمِدَةُ سَنَابِلَ، بَحْثًا عَنْ عُشْبَةِ الْخُلُودِ، رَغْمَ أَنَّهُ يَقْتَنِعُ بِوَرْدَةِ الْفَرَحِ!

11.
أَيَّتُهَا الْقَصِيدَةُ.. تُغَيِّرِينَ كُلِّيَّةَ الشَّاعِرِ بِقَسْوَةِ حُنُوِّكِ، وَلاَ تَسْتَطِيعِينَ بِلَمْسَةِ سِحْرِكِ تَغْيِيرَ نِصْفِيَّةِ الْقَارِئِ؛ عَقْلِ قَلْبِهِ!

12.
أَيَّتُهَا الْقَصِيدَةُ.. يُطْلِقُكِ الشَّاعِرُ مِنْ قَفَصِ رُوحِهِ بَعْدَ أَنْ يَشْعُرَ أَنَّكِ انْتَهَيْتِ لاَ اكْتَمَلْتِ.. لَوِ اكْتَمَلْتِ لاَكْتَمَلَ انْتِهَاؤُهُ!

13.
أَيَّتُهَا الْقَصِيدَةُ.. يُقَامِرُ الشَّاعِرُ حَتَّى عَلَى خَسَارَةِ الْحَيَاةِ.. أَنْتِ تُرَاهِنِينَ عَلَى كَسْبِ خَسَارَتِهِ!

14.
أَيَّتُهَا الْقَصِيدَةُ.. لَكِ هَبَّةٌ غَامِضَةٌ تُذِيبُ وَعْيَ الشَّاعِرِ فِي غَيْبُوبَةِ الْمَجْهُولِ!

15.
أَيَّتُهَا الْقَصِيدَةُ.. يَمُدُّ الشَّاعِرُ يَدَهُ الثَّالِثَةَ نَحْوَ الْيَدِ الْوَاحِدَةِ لِلْمَوْتِ كَيْ يَضَعَ فِيهَا صَدَقَةَ الْغَيْظِ!

16.
أَيَّتُهَا الْقَصِيدَةُ.. بَاحِثًا عَنْ مَدَارِكِ الْجَمَالِ، يَسْتَعِرُ الشَّاعِرُ فِي مَسِيرَتِهِ تَحْتَ شَمْسِ الْعَادِيِّ!

17.
أَيَّتُهَا الْقَصِيدَةُ.. تَهَبِينَ الشَّاعِرَ ذَاتَكِ بِأُلْفَةٍ وَحْشِيَّةٍ، فَتُشَاكِسِينَ نِظَامَ يَقَظَتِهِ وَعَيْنَ غَفْوَتِهِ.. كَمْ أَنْتِ بِهذَا بَاذِخَةُ الْوَجَعِ!

18.
أَيَّتُهَا الْقَصِيدَةُ.. تَخْشَيْنَ الْعَوْلَمَةَ؟ الشَّاعِرُ الْحُرُّ يَتَعَوْلَمُ مَعَكِ وَبِكِِ، أَيْضًا!

19.
أَيَّتُهَا الْقَصِيدَةُ.. لَنْ تَكُونِي بِدُونِ عَاطِفَةِ الشَّاعِرِ اللُّغَوِيَّةِ.. كُلُّ ذَاكَ الرُّكَامِ الْجَافِّ لَيْسَ أَنْتِ، مَهْمَا نَزَفَتْ قَدَاسَةُ الْفِكْرَةِ.. السَّيْفُ لِلشَّرِّ.. الْوَرْدَةُ لِلشِّعْرِ!

20.
أَيَّتُهَا الْقَصِيدَةُ.. يَشْدُوكِ الشَّاعِرُ عَلَى فَنَنِ وَحْدَتِهِ.. يُنْشِدُكِ أَمَامَ جُمْهُورٍ غَائِبٍ.. تُنَاشِدِينَهُ أَنْ يُشَفِّفَ لَذَاذَةَ غُمُوضِهِ أَكْثَرَ!

21.
أَيَّتُهَا الْقَصِيدَةُ.. أَنْتِ الطُّعْمُ الَّذِي يَهْبِطُ وَيَعْلُو أَمَامَ بَصِيرَةَ الشَّاعِرِ فِي عَمِيقِ قَلْبِهِ، فَلاَ هُوَ يُصْطَادُ، وَلاَ أَنْتِ تُشْبِعِينَهُ!

22.
أَيَّتُهَا الْقَصِيدَةُ.. كُونِي جَمَالَ كُلِّ شَيْءٍ.. لاَ يَكُونُ الشَّاعِرُ خَارِجَ هذَا التَّأَلُّقِ أَيَّ شَيْءٍ!

23.
أَيَّتُهَا الْقَصِيدَةُ.. تَتَشَابَكُ كَلِمَاتُكِ حَلَقَةً حَلَقَةً.. الشَّاعِرُ الْحَقِيقِيُّ يُدْرِكُ أَنَّهَا أَصْفَادُ حُرِّيَّتِهِ!

24.
أَيَّتُهَا الْقَصِيدَةُ.. إِسْتَمِرِّي فِي جُمُوحِكِ.. لَنْ يَعْتَلِيَ صَهْوَةَ قَوْسِكِ النَّارِيِّ إِلاَّ الشَّاعِرُ السَّهْمُ!

25.
أَيَّتُهَا الْقَصِيدَةُ.. تَتَقَطَّرِينَ فِي حَلْقِ الشَّاعِرِ الْفَرَاشَةِ عَمَاءَ لَهْفَةٍ لِعَطَشِهِ لِلضَّوْءِ!

26.
أَيَّتُهَا الْقَصِيدَةُ.. يَعْرِفُ الشَّاعِرُ أَنْ يَنْزِلَ مَجْرَاكِ، وَلاَ يَعْرِفُ أَيْنَ مَرْسَاكِ.. هكَذَا تَمْضِينَ فِي مَاءِ جَمَالِكِ إِلَى أَبَدِيَّتِهِ!

27.
أَيَّتُهَا الْقَصِيدَةُ.. لاَ تَكُفِّي عَنْ فِتْنَةِ الشَّاعِرِ.. لَقَدْ ضَلَّ صَاحِبُكِ وَغَوَى، فَهَوَى عَالِيًا إِلَى سَرِيرِكِ النَّجْمِيِّ!
28.
أَيَّتُهَا الْقَصِيدَةُ الأَبْجَدِيَّةُ..
أَيُّهَا الشَّاعِرُ التِّلْمِيذُ..
أَيُّهَا الشِّعْرُ الْبَحْرُ! محمد حلمي الريشة

muhammad.h.rishah@gmail.com