شركاء لا مقاولين!

المسئولية الاجتماعية للشركات أصبحت اليوم من أهم أدوات تقييمها تماما كما هو الحال فيما يتصل بدور الشركات في الاهتمام بالبيئة والحفاظ عليها عند تنفيذ مشاريعها مهما كانت تلك المشاريع. والمسئولية الاجتماعية تأخذ بعدين رئيسيين أولهما: البعد المحلي أي الداخلي على مستوى الشركة آو المؤسسة من حيث الاهتمام بتوفير نوع من الحياة الاجتماعية للعاملين فيها يشمل الاعتناء بمشاكلهم الاجتماعية ومساعدتهم على حلها ويتسع ليضم الاهتمام بحياة العاملين الأسرية ومشاركتهم في أفراحهم وأتراحهم وثاني تلك الأبعاد هو البعد "المجتمعي" بمعنى البعد الأوسع الذي يتسع ليضم البيئة الاجتماعية التي توجد فيها الشركة قرية كانت ام مدينة او البلد بأسرها (أن كانت الشركة كبيرة) ويتمثل هذا الاهتمام في لعب الشركة لدور أكبر في المجتمع يتخطى حدود عملها التقليدية والطبيعية كأن ترعى الشركة الجمعيات الأهلية آو أن تشارك في المواسم الثقافية آو أن تنشئ برامج للتدريب و التطوير للأفراد.
هذه المفاهيم أصبحت اليوم سائدة في الغرب لدرجة ان الشركات تتفاخر في إعلاناتها التجارية بكيفية اهتمامها بالبيئة مثلا وكثيرا ما نرى إعلانات دعائية لشركات كبرى تفخر بأنها تساهم في التنمية في موقع عملها وخارج أطار نشاطها التقليدي. ولو نظرنا إلى الأمر من زاوية أوسع لرأينا شركات كبرى في مجالات النفط مثلا، يصل حجم عملها إلى المليارات من الدولارات، تفخر بأنها تمول البحث العلمي وتتبنى الباحثين وتؤهل العاملين و تحافظ على البيئة بل وتنظم نشاطات من قبيل تعليم الكبار والارتقاء بالمرأة وحتى الاهتمام بالطفل! تفعل الشركات هذا بسبب التزامها الذاتي أحيانا وبسبب العقود الذكية التي تبرم معها أحيانا أخرى فتصبح هذا الأنشطة جزءا من التعاقد. هذا المنظور الأشمل هو ما يميز الشركات الشريكة في التنمية عن المقاولين الدين يهمهم تنفيذ التعاقد وانجاز الأعمال المطلوبة فقط.
وفي الكثير من الدول العربية والدول النامية أجمالا نرى الحالة الثانية أكثر من الأولى بمعنى: نرى كثيرا من المقاولين وقليلا من الشركاء حتى في أضخم العقود وأكبرها، وإذا ما أخدنا الشركات الأجنبية العاملة في قطاع النفط والتي تتزايد يوميا وتتبعنا دورها التنموي المجتمعي خارج حقول النفط لوجدنا ان هذا الدور لا يكاد يذكر بل أنه معدوم في أكثر الحالات، بالرغم من ان القوانين المحلية لتلك الدول تفرض على تلك الشركات ضريبة لدعم بعض القطاعات إلا ان هذه الضريبة لا تصل أبدا إلى القطاعات المستهدفة هذا ان تم تحصيلها أصلا! واللوم هنا لا يقع على الشركات وحدها بل ويشمل أيضا الجهات الحكومية المحلية المسئولة عن إبرام تلك العقود.
فنادرا ما نسمع عن دور تنموي اجتماعي آو بيئي لآية شركة أجنبية وقعت عقودا بالمليارات مع بلد من البلدان العربية بصفة خاص والأكثر من ذلك أن تلك الشركات غالبا ما ترتكب مخالفات كبيرة في مجالات البيئة وفي حق المجتمع إلا انها لا تلاحق ولا تعالج ما ارتكبته من انتهاكات وأخطاء وهكذا تخسر الدول المعنية مرتين الأولى حينما لا تتحصل على أي مساهمة من الشركات المعنية والثانية حينما لا تلزم تلك الشركات بإصلاح ما أفسدت أثناء عملها وخاصة في مجال البيئة.
وتكثر مثل هذه التجاوزات وحالات التقصير في أفريقيا ويمثل النموذج النيجيري أشهرها خاصة في قطاع النفط وتشهد دلتا النيجر، حيث يتركز عمل تلك الشركات، أغلب حالات الخطف لعمال تلك الشركات على أيدي مجموعات مسلحة من الأهالي ممن يرون ثروتهم تستنزف امام أعينهم وبالقرب من بيوتهم البائسة وهم يفتقدون إلي أبسط الإمكانيات في الرعاية الصحية والتعليم ومحو الأمية وغيرها في حالة من أشد حالات التناقض بين الفقر والغناء بل والأنكى من ذلك فقد تبث أن تلك الشركات تساهم في انتشار الفساد المالي عبر تقديم الرشا لبعض المسئولين وتلعب دورا سلبيا في انتشار الأنانية والتفريق بين أفراد المجتمع حسب المناطق التي تقع فيه الامتيازات.
ان هذه الأعمال تعتبر انتهاكا حقيقا لحقوق الإنسان وحتى حقوق المواطنة وغالبا ما تذهب دونما محاسبة بالرغم من أن السنوات الأخيرة شهدت تزايدا في عدد المؤسسات والجمعيات الغير حكومية في الغرب التي تسعى إلي تعديل هذا الوضع ومعالجة النتائج المترتبة عليه إلا ان صوتها يظل ضعيفا طالما انها لا تلقى التجاوب المطلوب من الدول المعنية نفسها ويظل صوت الشركات الكبرى أقوى دويا لانه مدعوم بأموال طائلة قد لا تضاهى! د. مصطفى الفيتوري mustafafetouri@hotmail.com