وفد إعلامي يكتشف كنوز القاهرة الثقافية والفنية

القاهرة ـ من يحيى القيسي
سحر النيل وجمال الفور سيزن

فرصة جديدة لاكتشاف ما خفي من كنوز القاهرة الثقافية والفنية جاءتني رفقة مجموعة مختارة من الكتاب والصحفيين العرب والأجانب بدعوة كريمة بدعوة كريمة من فندق الفصول الأربعة "الفور سيزن – نايل بلازا".
وقد عجبت لاهتمامهم بإعداد برنامج خاص للزيارة جاء بعنوان "القاهرة: ثقافة وفن".
وفي العادة تركز الفنادق على الجانب السياحي التسويقي من طعام وشراب وتسلية وسياحة فقط، ولكن الداخل أصلا إلى الفندق يكتشف أنه وصل متحفا فريدا يضم مئات اللوحات التشكيلية والصور الفوتوغرافية والمنحوتات والقطع الخزفية الأصلية لكبار الفنانين المصريين.
وهذا ما سأمر عليه لاحقا، ثم أن البرنامج المعد ضم أماكن بعضها عرفته من قبل وبعضها الآخر جديد، حتى أن الكثير من الأصدقاء المصريين الذين قابلتهم فيما بعد لم يروا هذه الأماكن من قبل، وبعضهم الآخر لم يسمع بها أساسا.
قلت هي فرصة عظيمة للغوص مجددا في أسرار القاهرة التاريخية والفنية والتعرف عليها من قرب، والدخول إلى القاهرة من بوابة الفخامة الباهظة الجمال والكلفة عبر ضيافة "الفور سيزن".
وفي الحقيقة فإنني لم أتلق يوما دعوة من وزارة الثقافة في مصر أو وزارة السياحة مثلا لا ككاتب ولا كصحفي، ولهذا بدت الدعوة بالنسبة لي فرصة للتعرف على الكتاب الآخرين المدعوين مثلي.
من هؤلاء الكتاب، الكاتب البريطاني والناشر ساجد رضوي، وهو من جذور هندية إيرانية, والروائية والصحفية هاديا سعيد من مجلة "سيدتي" وهي تعيش اليوم في دبي.
إضافة إلى الصحفي المقيم في لندن سليم زريق من دار الصياد اللبنانية، وعدد آخر من الصحفيين الأجانب المقيمين في دبي والعاملين في مجلاتها الإنجليزية، وقد رافقنا الصديق لي سبينكس من "IF " للعلاقات العامة في لندن، هي الجهة التي أشرفت على تنظيم الرحلة.
إضافة إلى زيارة بعض قصور القاهرة التاريخية وما تحويه من الكنوز مثل قصر عابدين، ومتحف السيراميك، ومتحف أم كلثوم، وجامع ابن طولون، ومتحف غاير اندرسون.
أما الشيء الجديد فهو أن إدارة الفندق قد وزعت علينا رواية "عمارة يعقوبيان" والفيلم بالعربية للعرب، والنسخة المترجمة للإنجليزية للأجانب من أجل الالتقاء بالمخرج مروان حامد ومناقشته في الفيلم. متاحف قصر عابدين تفيض بالأسرار زرنا "قصر عابدين" في محاولة لاكتشافه من جديد، وهو يعد أهم وأشهر القصور التي شيدت خلال حكم أسرة محمد علي باشا لمصر.
كان القصر مقرا للحكم من عام 1872 حتى عام 1952 كما يقول الكتاب الخاص بالقصر والذي يباع في بوابة الدخول باللغتين العربية والإنجليزية، وللأسف فهو كتاب غير مشبع، وغير شامل في مادته أو صوره، هذا عدا عن النوعية الهابطة للصور.
وقد عجبت خلال تجوالي في آثار مصر الثقافية والمعمارية عبر ثلاث زيارت من عدم وجود قرص مدمج مثلا أو موقع إلكتروني خاص بالقصر أو غيره من الأماكن.
على كل أعود إلى هذا القصر الذي شهد أهم الأحداث التي كان لها دور كبير في تاريخ مصر الحديث والمعاصر.
كان الخديوي إسماعيل قد أمر ببناء هذا القصر فور توليه حكم مصر عام 1863، أما اسم القصر فيرجع إلى "عابدين بك"، وهو أحد القادة العسكريين في عهد "محمد علي باشا".
كان عابدين بك يمتلك قصرا صغيرا في مكان القصر الحالي، فاشتراه اسماعيل من أرملته وهدمه وضم إليه أراض واسعة، ثم شرع في تشييد القصر الذي يعد البداية الأولى لظهور القاهرة الحديثة.
وفي المكان نفسه الذي كان يجري فيه بناء القصر أمر إسماعيل بتخطيط القاهرة على النمط الأوروبي من ميادين فسيحة وشوارع واسعة وجسور على النيل، وحدائق غنية بأشجار النخيل والنباتات النادرة.
وبعد الانتهاء من تشييد القصر وتأسيسه انتقل إليه الخديوي اسماعيل عام 1872 مع أسرته وحاشيته وخدمه تاركا القلعة التي كانت مقرا للحكم في مصر منذ أن شيدها صلاح الدين الأيوبي عام 1171.
كان أبناء وأحفاد الخديوي إسماعيل الذين حكموا مصر من بعده مولعين بوضع لمساتهم على القصر، وعمل الإضافات التي تناسب ميول كل منهم وتطور عصره.
ومن ذلك ما قام به الملك فؤاد الأول ابن اسماعيل والذي حكم مصر من عام 1917 وحتى العام 1936 بتخصيص بعض قاعات القصر لإعداد مقتنيات الأسرة من أسلحة وأوسمة ونياشين وغيرها.
ثم قام ابنه الملك فاروق الأول الذي حكم من عام 1936 وحتى العام 1952 باستكمال المتحف وإضافة الكثير من المقتنيات، خاصة الأسلحة بأنواعها، وألحق بالمتحف مكتبة متخصصة في هذا المجال.
وفي عهد الرئيس مبارك تم ترميم القصر ترميما معماريا وفنيا شاملا، وتحديث المتحف الحربي إضافة إلى قاعة لعرض الأسلحة والهدايا التي تلقاها الرئيس مبارك من رؤساء الدول العربية والأجنبية.
وهناك متحف خصص لمقتنيات أسرة محمد علي باشا من أدوات وأوانٍ من الفضة والكريستال والبللور الملوَّن وعمر بعضها يزيد على 200 عام.
يمكن أن يرى الزائر أيضا متحف الأسلحة ومنها "الأسلحة البيضاء" حيث تتسيد جدران وأرفف القاعات والطاولات فؤوس ودبابيس ومطارق وسيوف وخناجر وياطاجانات (سيوف تركية قصيرة) وسكاكين، وسيوف مبارزة (شيش).
بالإضافة إلى أدوات صيد، تعود إلى عصور شتى، وبعض مقابضها أو أجزائها مصنوع من الذهب أو الفضة أو مرصع بالياقوت والمرجان والفيروز والأحجار الكريمة، أو مطعم بالعاج, أو موشى بالزخارف أو بالكتابات والآيات القرآنية.
هذا عدا الأسلحة الدفاعية مثل الدروع والتروس والدرقات والخوذات وواقيات الأذرع والأرجل والصدريات والزرد.
ومن هذه الكنوز سيف يعود للسلطان العثماني سليم الأول من القرن 16، وسيف خاص بالملك الإيطالي غليوم من القرن 19، وسيف لنابليون بونابرت وغيرها.
وفي "ساحة المدافع" هناك مدافع أوروبية وأميركية يعود بعضها إلى القرنين 18 و19، إضافة إلى بعض المقذوفات التي كانت تستخدمها.
أما قسم "الأسلحة النارية" وهو الأكبر، فيضم بنادق ورشاشات ومسدسات وطبنجات تمثل مراحل اختراعها وتطورها، بعضها نمساوي وفرنسي وألماني وبلجيكي.
وهناك قاعة للمقتنيات الخاصة تضم ما كان لدى الملك فاروق من بنادق خاصة وأسلحة صيد وبعضها من أغلى الأنواع في العالم.
وهناك سيف نادر مرصع بالأحجار الكريمة بأحجام مختلفة، بالاضافة إلى الزخارف المنفذة بالمينا الملوَّنة، ويعرف باسم سيف التتويج، حيث كان يتم به تتويج أباطرة روسيا، وقد اشتره فاروق من أحد المزادات العالمية.
وهناك حافظة نقود بها مسدس صغير الحجم بست طلقات.
ومن الطريف أيضا علبة المجوهرات للملكة التي كانت مزودة بأربع فوهات مسدسات تنطلق جميعا إذا فتحت عنوة، إي فلتحلُّ الرحمة على من كان يفكر بالأمر.
أما قسم النياشين فأمره عجيب، وهو يضم القلادات والأوشحة والنياشين والأنواط والأوسمة التي كانت توزع على الطبقات من القادة والأمراء والنبلاء ورجال الدولة حسب البروتوكولات المتبعة, ولا سيما في عصر أسرة محمد علي، وهي في شتى الألوان والأشكال. قصر محمد علي الصيفي للاحتفالات يقع اليوم في حي شبرا الخيمة، وكان من قبل بعيدا في الضواحي القاهرية قبل أن تزحف إلى جواره البنايات.
وهو عبارة عن مبنى على شكل أربعة أروقة ضخمة تحيط ببركة داخلية واسعة, وقد جعل المعماريون في منتصفها دكة لجلوس الموسيقيين والمغنين والراقصين.
ولعل محمد علي باشا قد رغب في تخصيص القصر لضيوفه, للتسامر في ليالي الصيف خصوصا, والتمتع بالغناء, أو ركوب قارب صغير ليجوب فيه البركة أو البحيرة المصطنعة.
وقد زينت سقوف الأروقة الأربعة بالرسومات ذات الطابع الإغريقي تحديدا, وربما هذا يعود لاستقدامه فنانين من اليونان وإيطاليا لينجزوا اللوحات والتزويقات التي جاءت بأشكال نباتية أو إنسانية, وذات ألوان ما تزال تحتفظ ببهائها حتى اليوم.
في زوايا الأروقة تقبع غرف أو قاعات مغلقة ذات طابع خاص, فهذه قاعة الجوز المغلفة جدرانها وأرضيتها بخشب الجوز الثمين, والمزينة بالتكوينات ذات النمط الأندلسي أو المغربي.
وهي قاعة على ما يبدو كان يستقبل فيها محمد علي ضيوفه قبل أن ينطلقوا إلى الأسرة والنمارق تحت الأروقة لمشاهدة الاحتفالات أو التمتع بالمياه والوجه الحسن, فيما الخضرة خلفهم حيث الشجر الكثيف الذي زحفت عليه المباني اليوم ولم تبق منه غير القليل.
ثمة قاعة أخرى اسمها قاعة الأسماء مزين سقفها بأسماء الباشوات من الشخصيات التي تولت الحكم, وقد رصعت بالخط العربي الجميل, ويبدو أن الأسماء قد تغيرت مرارا نتيجة تغير الحكام.
وثمة قاعة البلياردو التي كانت تضم طاولة بلياردو, وهي لعبة الباشا الأثيرة وقد بنيت على الطرازالإيطالي، وتم نقل طاولة البلياردو إلى قصر آخر على ما يبدو.
وهناك قاعة الطعام التي تزينها لوحة زيتية لإحدى الأميرات واسمها "جناينا يار" وكانت زوجة للخديوي إسماعيل، وتبدو للناظر إليها كأنها رسمت للتو, وتكاد تنبض بالحياة وتنطق.
ورأيت أيضا أربعة أسود رابضة في أركان البركة، وتخرج المياه من أفواهها لينساب على مجار بيضاء من المرمر نحتت فيها أشكال لأسماك متنوعة حتى إذا فاضت بالماء بدت الأسماك حية تبلبط من شدة الإتقان فيا لبديع من نحتها من الفنانين، وتبارك الله أحسن الخالقين.
وثمة 24 تمساحا تحمل الفسقية وسط البركة ويبدو أنها كانت جميعها تخرج الماء منها بقدر معلوم وكأنها ساعات لبيان الزمن.
على أنه من الجميل اهتمام الدولة بمثل هذه المعالم، وترميمها وفتحها للسياح.
ولعل مما أثار انتباهي ذلك الاهتمام الخاص الذي أولاه محمد علي لنهضة مصر مع أنه ألباني الأصل.
كان الرجل رغم ما بدا من انهماك ظاهري بالملذات والترفيه رجل دولة وتأسيس، رغب بأن يجاري الأمم الكبيرة ليصنع من مصر نموذجا يحتذى.
وتقول سيرته أنه من مواليد قونية في العام 1769 وتوفي في العام 1849, وحكم مصر من 1805- 1848، وقام بإصلاحات عديدة إدارية وزراعية من أجل تقوية مصر.
فتقدمت الزراعة فى عهده تقدما سريعا مما مهد الطريق لإصلاح الجيش حيث أدرك محمد علي أهمية تكوين جيش نظامى قوى.
وقد تطلب تكوين الجيش وجهاز الدولة الجديد مجموعة من المثقفين والمتعلمين، فأوفد العشرات من الشبان المصريين إلى أوروبا لدراسة العلوم الحربية والفنية والهندسية والزراعية والطب واللغات والحقوق.
كما فتحت للمرة الأولى فى مصر المدارس العلمانية بجانب الأزهر والكتاتيب.
وفى عام 1812 فتح محمد علي لأول مرة فى مصر دارا للطباعة، وصدرت أول جريدة مصرية هي "الوقائع المصرية".
كما أنشأ جيشا وأسطولا قويا وجهازا للدولة لتساير مصر بموجب هذه الإصلاحات التقدم الأوروبي الحديث. متحف أم كلثوم هذه هي المرة الأولى التي أزور فيها متحف سيدة الغناء العربي، وهو ليس الفيلا التي كانت تسكن فيها بل مكان آخر خصص للتعريف بها وبنتاجها الغنائي المذهل.
هنا يمكن للزائر أن يرى تشكيلة من فساتينها الشهرية التي كانت تظهر بها في حفلاتها الشهرية، أثواب طويلة ساترة سوداء وبيضاء وقرمزية موشاة بالتزاويق البديعة من الخيوط الحريرية والخرز الملون.
ويمكن أيضا رؤية تشكيلة من أحذيتها ذات الماركات العالمية، وثمة نظارات مرصعة بالماس. وهناك مجموعة من النياشين والأوسمة والميداليات التي قدمت لها.
وثمة إشارات إلى تفاصيل هذه الأشياء، فهذا فستان أحيت به حفلة باريس في نوفمبر 1967 وغنت به "الأطلال".
وهذه أوسمة منحت لها من الملوك والأمراء، وقد خصص القائمون على المتحف غرفة للاستماع إلى أسطوانات مدمجة لمن يرغب بالتعرف على أغانيها.
وهناك قاعة صغيرة لعروض الفيديو لبعض حفلاتها، وثمة مكتبة مصغرة ضمت الكتب التي ألفت عنها وأيضا النوتات الموسيقية لأغانيها ليستفيد منها الموسيقيون والباحثون.
وهناك قاعة مظلمة بشاشة طويلة خصصت للعروض الصوتية البصرية لبعض صورها.
تقول السيرة الذاتية لأم كلثوم بأنها من مواليد 1898 بقرية طماى الزهايرة بمحافظة الدقهلية.
كان والدها إبراهيم السيد البلتاجى مؤذن القرية، كما كان يعمل فى الإنشاد الديني.
وقد اشتهرت أم كلثوم منذ الصغر بجمال صوتها حيث كانت تردد أناشيد أبيها وأخيها خالد، وشجعها والدها وأصدقاؤه على تكرار الغناء واصطحبها معه فى حفلاته فجابت قرى ومدن ومحافظات مصر.
وفي عام 1922 جاءت أم كلثوم إلى القاهرة، وهناك تعرفت على أحمد رامي، وتضاعفت شهرتها مع بدء بث أغانيها مع انطلاق إرسال الإذاعة المصرية عام 1934.
وخلال مسيرتها الحافلة غنت أم كلثوم نحو 700 أغنية ولحن لها أشهر ملحني عصرها أمثال: أبو العلا محمد، زكريا أحمد, رياض السنباطي, محمد القصبجي، محمد عبد الوهاب، محمد الموجي, بليغ حمدي, كمال الطويل، وغيرهم.
كما قدمت أم كلثوم للسينما ستة أفلام، كان أولها فيلم "وداد" عام 1936 عن قصة لأحمد رامي. ثم قدمت فيلم "نشيد الأمل" الذي عرض فى 1937، أما ثالث هذه الأفلام فكان فيلم "دنانير" عام 1939 عن قصة لأحمد رامي.
والفيلم الرابع "عايدة" عام 1942 عن قصة لعبدالوارث عسر. وفى عام 1944 قدمت فيلم "سلامة".
أما آخر أفلامها فكان "فاطمة" الذي عرض عام 1946 عن قصة لمصطفى أمين.
وقد توفيت أم كلثوم في العام 1975 وشيعت في جنازة مهيبة حضرها أكثر من 4 ملايين عاشق.
وهي اليوم بأغانيها باقية في وجدان الشعب العربي، وقد وصلت شهرتها إلى العالمية، ولم يجد الزمان بمثيل لها منذ رحيلها إلى اليوم.
إنها من الظواهر الفنية الخارقة التي تأتي مرة كل قرن أو يزيد، وظاهرتها تستحق الكثير من الكتابة والانتباه إليها.
ومن الطريف أن متحفها لا يضم "بروشورا" أو معلومات عنها تنفع للزائرين. جامع ابن طولون ومتاحف أخرى من يزر جامع ابن طولون لا بد أن يمر على متحف غاير أندرسون الذي يجاوره، بل يكاد يكون جزءا منه تم اقتطاعه ذات حقبة ليبنى منه بيت متعدد الطبقات.
وجامع أحمد بن طولون يعود في بنائه إلى عام 263 هـ، ويعد واحدا من أقدم المساجد في مصر.
وقد جرى ترميمه حديثا وافتتح في العام 2005 وهو واسع البناء، حجري الطابع له أروقة واسعة، وأعمدة كثيرة وضخمة، وهو متقشف في تزويقاته، وزخارفه، وألوان حجارته اليوم مائلة للصفرة.
تتوسط ساحته السماوية المكشوفة قبة للوضوء، وهناك منارة على شكل ملوية يصعد إليها المؤذن ليقيم الصلاة.
وهو مكان يقصده السياح اليوم، وفي عهد الأيوبيين أصبح جامع ابن طولون جامعة تدرس فيه المذاهب الفقهية الأربعة، وكذلك الحديث والطب إلى جانب تعليم الأيتام.
يذكر أن طولون كان مملوكا تركيا من منجوليا ويقال إنه كان ضمن الجزية التي أرسلها حاكم بخارى إلى بلاط الخليفة العباسي في سنة من السنين.
واسم (طولون) مشتق من كلمة تركية معناها (البدر الكامل)، وغالب الظن أن طولون وصل إلى بلاط الخلافة في نحو سنة 200 هـ وأنه تقدم بمواهبه وصفاته العسكرية إلى رئاسة حرس الخليفة.
وقد ولد لطولون ابنه أحمد سنة 835/ 220 هـ في مدينة بغداد على أرجح الأقوال.
قدم أحمد بن طولون إلى وادي النيل في رمضان 254 هـ واستقدم معه بعض الجند للدفاع عنه ضد أية ثورة يقوم بها الشعب.
واستطاع أحمد بن طولون بعد خمس سنوات من مجيئه إلى مصر، أي في عام 254 هـ، أن يصبح نائبا للوالي، وأن يضم لنفسه إدارة الخراج في البلاد بعد أن عزل ابن المدبر عنها.
وأن يكون أميرا على مصر كلها بما في ذلك الإسكندرية وبرقة، وأن يكوِّن جيشا قويا، كما بنى عددا من القصور وهذا المسجد الضخم.
أما بيت البريطاني "جون غاير أندرسون" الذي اشتراه عام 1935 وكان أطلالا فرممه وأحياه من جديد رغم أنه يعود إلى العام 1630.
وقد أقام فيه وحيدا مع خادمه النوبي كما تقول دليلتنا في الرحلة، حتى العام 1942 حينما وهب البيت بما فيه إلى الدولة "تذكارا لأيام إقامته السعيدة في مصر." على ذمة اللافتة المعلقة على بابه اليوم.
وقد منحه الملك فاروق لقب "باشا" والرجل كان عاشقا للتاريخ وجمع قطعا أثرية لا تقدر بثمن تعود إلى العصور الإسلامية والفرعونية وما بينهما.
وقد قسمت غرف البيت وقاعاته إلى فضاءات متخصصة بنوع من الأثاث أو الآثار أو حسب طبيعتها، مثل: الغرفة الدمشقية، قاعة الاحتفالات، قاعة الحريم، الغرفة الفارسية، غرفة الصور وغيرها.
هنا لوحة مكتوبة بخط عربي متداخل، ومن الواضح أنها تعود إلى عصور سابقة.
وقد أيقظتني من أحلامي وتخيلي لحياة أندرسون هنا وهي تقول "كل من يعشق محمدا ينبغي أن لا ينام."
بقي أن أشير أخيرا إلى زيارتنا لمتحف السيراميك، وهو في الأساس قصر الأمير عمرو إبراهيم من الأسرة المالكة، ويعود إلى العام 1923.
وقد جمعت في قاعاته أوانٍ خزفية تعود إلى العصر الفاطمي القرن 11، والعصر التركي 17، وهناك القاعة المملوكية، وقاعة سعيد الصدر، وأخرى مخصصة للخزف السوري من منطقة الرقة.
هنا يمكن للزائر أن يرى: الدوارق والجفان، والصحون والأباريق والأكواب، والمزهريات، وما إلى ذلك من الأواني المشغولة بإتقان والتي تزينها الرسومات والتزاويق والتخريمات النباتية أو الهندسية.
ومن الطبيعي هناك رؤية طلبة الفنون وهم منكهمين بتقليد النقوش على لوحاتهم، والمتحف هذا ربما يضم أفضل مجموعة من التحف السيراميكية التي أبدعها العرب والمسلمون عبر قرون عديدة من حضارتهم. إطلالة على النيل من الطابق 25 قلت من قبل إنني ولجت القاهرة من بوابة الفخامة، وهذا شعور جميل أن يجد المرء نفسه ضيفا خاصا، لا على جهة محددة بل على الفندق نفسه، ابتداء من تفاصيل الاستقبال حتى الوداع ضمن مواصفات خدمة عالية.
أول ما يراه المرء في ردهة "الفور سيزن – بلازا النيل" تلك القوارير الضخمة المدهشة الحاملة للورد. إنها تشكيلة لا يمل المرء من التمعن بها، وبالطبع فإن أفراد الفندق على قدر عال من الود والتعامل المريح.
قال لي أوليفيير ماسون مدير الفندق وعاشق رياضة الدراجات:
"شعارنا أن نهيأ أفضل الظروف للعاملين معنا، أتدري لماذا لأن العامل السعيد سيعكس هذه السعادة على الضيوف وبالتالي نكسب المزيد من الذين يأتون مرة ثم يقررون أن يأتوا إلينا مرات أخرى."
وهذه فلسفة أعجبتني في الحقيقة أنا الذي لا علاقة لي بالفندقة ولا بأعمال التجارة، ففي معظم البلاد العربية يكاد المرء يعاف السياحة من كثرة ما يجد من تكشير العاملين وسوء الضيافة رغم أن المرء يدفع فلوسه من أجل راحة باله لا أن يغتم.
كان نصيبي غرفة فسيحة في الطابق الـ 25، ومن شرفتها الشاهقة رأيت النيل يتهادى تحتي بقواربه وطميه.
وكانت القاهرة تمتد شامخة بأبراجها وعماراتها وسيل السيارات الذي لا يتوقف.
كان المنظر بهيا يكاد المرء لا يطيقه من فرط جماله، فالعواصم العربية لا تمتلك جماليات القاهرة، ويكفي أن النيل يشقها من المنتصف بطريقة ساحرة.
إذن في نزل يرتفع ثلاثين طابقا, ويضم 365 غرفة فاخرة, و77 جناحا, ينشغل العاملون بإرضاء زبائنهم بالطعام والشراب, والمسابح والمساجات, وكل وسائل الترفيه.
ويبدو التشكيل هنا فعلا فنيا يقود المقيم والزائر إلى تذوق الأعمال والتفاعل معها في معرض مفتوح ليل نهار, كواحد من المقترحات الجمالية التي تعطي الجانب الثقافي دوره, وأثره ولو بعد حين.
رأيت لوحات وأعمال لكبار الفنانين المصريين من أمثال: فاروق حسني, فرغلي عبدالحفيظ, جاذبية سري, عمرو إسلام النجدي, محمد رزق, رنا شلبي, صلاح طاهر, محمد عبلة, حسين الجبالي, عفت ناجي وغيرهم.
وقد أصدر الفندق مجلدا في مائتي صفحة يضم الأعمال التي يحتويها ومعلومات عن الفنانين.
كانت فقرة الإبحار عبر النيل بالقارب الشراعي الفرعوني "الفلوكة" من أجمل ما شهدت.
فعبر ساعة ونصف من الزمن كنا معا أفراد الفريق الإعلامي نتأمل صفحة النيل فيما عازف الغيتار المرافق لنا يقدم أجمل المقطوعات, وفيما فريق الطعام يعد مائدة عامرة بما لذ وطاب.
تذكرت بعض الأفلام القديمة التي كان فيها عبدالوهاب يغني مع فرقته الموسيقية في قارب.
رافقنا سيزر رشدي مدير التسويق والعلاقات العامة، ودينا العشماوي.
وفي مرة سابقة كانت هبة بلال رفيقتنا، لكنها كانت هذه المرة منشغلة بـ "عائشة" الصغيرة.
ومن الواضح أن دينا ابنة الدبلوماسي المصري اختارت العمل في الفندق على الذهاب إلى الخارجية أو الهيئات الدولية, وهي التي تتقن الإنجليزية مثل أهلها أو أفضل، وتخرجت من أهم الجامعات الكندية.
كان نصيبنا في أحد المساءات أن نلتقي المخرج مروان حامد في عشاء تخلله نقاش لفيلمه "عمارة يعقوبيان"، وكيف استطاع أن يعالج الرواية الطويلة المتعددة الشخصيات والأحداث والأزمنة.
ودار النقاش بيننا عفويا بالعربية والإنجليزية التي يجيدها أيضا.
من الواضح أن هذا المخرج الشاب المتحمس سيكون له شأن في المستقبل أيضا فهو يدرك عمله، ومطلع بشكل جلي على السينما العالمية.
ولهذا لا بد أنه أدرك أن السينما التجارية حسب الرأي القائل "الجمهور عاوز كده" لن تسهم في تقديم السينما المصرية إلى العالم ولا في تطورها، ولا بد من البحث عن السينما البديلة التي تطرح قضايا جادة بتقنيات إخراجية عالية.
كان علي أن أقضي أياما أخرى في القاهرة في فندق آخر قريب من شارع طلعت حرب، وأماكن تواجد المثقفين لأكتشف القاهرة من جديد، ولألتقي ببعض الأصدقاء الكتَّاب، ولأشتري بعض الإصدارات الحديثة.
وتلك أيضا حكاية أخرى لا مكان لها هنا، ربما يأتي أوان الحديث عنها ذات مقال. يحيى القيسي ـ القاهرة