لماذا يحبون النقاش؟

بقلم: فرانسوا باسيلي
من أعمال النقاش

أصدرت مجلة الهلال المصرية العريقة عددا خاصا بعنوان "رجاء النقاش: القلم. الإنسان" شارك فيه أكثر من خمسين كاتبا عربيا تحية وتقديرا للناقد المصري الكبير الذي قدم للأدب العربي والثقافة العربية إسهامات جليلة يندر أن يقدمها شخص واحد.
وذلك عبر ما يزيد عن نصف قرن من العطاء والإبداع في مجالات النقد والأدب والصحافة والثقافة.
وما كان أن تفوتني هذه المناسبة الجميلة المعبقة بعطر التقدير والعرفان لكي أكتب في حب رجاء النقاش، ذلك الفارس النبيل لأدب الزمن الجميل، وللرجل أفضال أدبية شاملة على جيلي كله، وأفضال أدبية بالنسبة لي شخصيا، يهمني هنا أن أكتب عنها. النقاش الإنسان كثيرا ما يعجب قارئ بكاتب أو مبدع أو شاعر إعجابا شديدا من خلال قراءاته له حتى يقابله ويتعرف عليه فيصدم فيه كشخص وإنسان.
وكثيرا ما توجد هوة شاسعة بين ما يكتب المبدع من أحلام ورؤى شاهقة ويرفع من رايات خافقة ملونة وبين واقع هذا المبدع وأخلاقياته وسلوكه اليومي.
وقد حدث هذا لي في مطلع تعرفي بالوسط الأدبي في مصر وكنت طالبا بجامعة القاهرة في نهايات الستينيات، وبدأت في التردد على مقاهى ريش والاتيليه وغيرها من أماكن تجمع الأدباء والشعراء واقتربت من بعضهم شخصيا فكان هذا اللقاء، المفجع وقتها.
أحد مراحل نضوجي الشخصي واكتسابي لمعرفة الفرق بين ما يمكن أن يقوله ويبدعه الإنسان وبين مايفعله كل يوم.
وكان رجاء النقاش من القليليين الذين لم أفجع عند الاقتراب منهم، بل على العكس. فقد كان في شخصه وقوله ومسلكه كما هو في كتاباته، نفس المبادئ النبيلة والمشاعر الجميلة والترفع عن السفاسف والبذاءات اللفظية والفعلية معا.
ويمكن أن يلقي لقائي الأول برجاء النقاش ضوءا على أحد خصال هذا الناقد الأدبي الهامة في علاقته بالأدباء الناشئين.
فعلى أثر تخرجي من كلية هندسة القاهرة في صيف هزيمة 67 الهائلة بدأت استكشاف الوسط الأدبي في مصر، الذي كان يتناقل قصيدة "هوامش على دفتر النكسة" لنزار قباني الممنوعة في مصر تناولا سريا سحريا.
كانت هي المرة الأولى في عمر جيلي، جيل الثورة، التي نقرأ فيها كلمات بها أي نقد للثورة ولزعيمها وللحالة العربية بشكل عام.
وفي جو الإحباط العام والانكسار القاتل واليأس الشامل بعد ضربة الحرب السريعة الباطشة، كتبت قصيدة قصيرة جدا وأرسلتها لمجلة "الهلال" في براءة كانت بلاشك وراء جرأتى في أن أرسل للهلال (مرة واحدة) وهي أهم مجلة ثقافية في مصر، منتظرا أن تنشر لي قصيدة وأنا لم أنشر في أي مكان من قبل!
وبعد ذلك بايأم عدت إلى البيت ذات مساء ليقول لي أبي أن رجاء النقاش اتصل تليفونيا يريدك أن تقابله.
وفعلا ذهبت إلى مكتبه وأنا أكاد أطير من الدهشة المصحوبة بالتوجس من أن يكون الغرض من المقابلة هو تقديم النصيحة المعتادة من ناقد كبير لشاعر ناشئ بأن يستمر في المحاولة والمثابرة لعله يكون من الممكن نشر شئ له في المستقبل.
وحين دخلت إلى مكتبه في خجل وتردد قابلني رجاء النقاش بدفئه الإنساني الذي لا يفارقه مما أراحنى كثيرا، وكان في مكتبه أحمد عبد المعطي حجازى.
أعطى النقاش قصيدتى لحجازي فقرأها وأثنى عليها وقال لي النقاش إنه سينشر قصيدتي القصيرة قريبا.
وفعلا نشرت، وقد كتب النقاش بعد ذلك بما يقرب من ثلاثين عاما عن هذا اللقاء في مقال عني بجريدة الأهرام بعنوان "الشاعر لايضيع" (17 مارس 1997) مايلى:
"الشاعر المصري الذى أتحدث عنه اسمه فرانسوا باسيلي وقد تعرفت عليه سنة 1969 وكنت أيامها رئيسا لتحرير مجلة "الهلال" الشهرية.
وفي أحد الأيام تلقيت رسالة عادية في البريد بها قصيدة، وليس معها سوى كلمات معددودة يقدم فيها الشاعر نفسه ويرجو نشر قصيدته وقد أعجبتنى القصيدة لبساطتها وعذوبتها وطابعها الإنساني الجميل فنشرتها على الفور.
وبعد أن نشرتها جاءنى صاحبها زائراً في مكتبي فوجدته شابا صغيرا وديعا يوحي بالنظافة الروحية والتهذيب الحقيقي الذي لا افتعال فيه ولا ادعاء. ولا أظن أنني لقيته سوى مرة واحدة أخرى قدم لى فيها قصيدة ثانية نشرتها له." مكتشف المبدعين توضح هذه الحادثة الأسلوب المدهش الذي يتعامل به رجاء النقاش مع الأدباء الناشئين.
إنه يبحث عنهم ويشجعهم وينشر لهم بلا قيد ولاشرط ودون أن يطلب أو يتوقع منهم تلك الطقوس الطويلة التي يتطلبها غيره، طقوس الإطراء والمديح والنفاق وتقديم فروض الولاء والطاعة، ولم أكن أجيد أيا منها.
وللمقارنة أقول إنني في نفس تلك الفترة قابلت وأعطيت أشعارى لنقاد مصريين آخرين، هم: د. لويس عوض وكان من أكبر نقاد مصر وقتها، والناقد المميز غالي شكري والأستاذ الكبير يحيى حقى.
ولم أحظَ بتشجيع جميل وحنون من أحدهم سوى من الأستاذ العظيم يحيى حقى، الذي نشر لي ثلاثة قصائد مرة واحدة في عدد واحد من مجلة "المجلة" المصرية.
أما الدكتور لويس عوض فزرته في مكتبه، واستنتجت من أسلوب حديثه معي أن الحصول على تشجيعه ستكون عمليه مجهدة طويلة الأمد، وكان مكتبه في الأهرام بالغ الفخامة، ولكنه لم يعرف عنه طوال حياته النقدية سوى احتضانه لشاعر واحد هو صلاح عبد الصبور.
ولم يكن لويس عوض مهتما باكتشاف أو تشجيع المواهب الناشئة.
أما رجاء النقاش فقد قدم للأدب العربي عددا كبيرا من الأدباء باحتضانه وتشجيعه لهم وتقديم أعمالهم باحتفاء وحماس وبلا قيد أو شرط، ومن أشهر هؤلاء محمود درويش وسميح القاسم.
لقد قدمهما النقاش للعالم العربي باحتفاء خاص باعتبارهما "شعراء المقاومة الفلسطينية" دون أن يهمل التأكيد على أن احتفاءه بهم ليس سببه السياسة او المشاعر الوطنية، وإنما السبب جدارة أشعارهم وقيمتها الفنية والإنسانية.
وقد أثبتت الأيام صدق إحساسه الفني.
كما كان له فضل مساندة أحمد عبد المعطي حجازي الذي كان له، مع صلاح عبد الصبور، دور ريادي في تغيير الذائقة الشعرية في مصر من الشعر العمودي إلى شعر التفعيلة الذي كان يوصف أيامها بـ "الشعر الجديد".
ودخل النقاش بهذا في معارك ضارية ضد سدنة الشعر العمودي وقتها مثل عباس العقاد وصالح جودت وغيرهم، انتصر فيها فرسان الشعر الجديد في النهاية إذ أصبح هو السائد في مصر والعالم العربي حتى تقدمت قصيدة النثر لتصبح هي لسائدة اليوم.
وقد ذكر عدد لابأس به من الكتاب كيف كان لرجاء النقاش معهم مواقف مشابهة لموقفه معي،فلديه دائما ذلك الاهتمام الشديد بالمواهب الجديدة. يتعامل معها بحنو واحترام ومحبة شخصية وأمانة وعفوية هى خصال أساسية في طبيعته النقية الجميلة. عذوبة البساطة يتميز رجاء النقاش بدفء إنساني يلفحك بمجرد اقترابك منه تبثه شخصية مصرية أصيلة تنضح بعذوبة البساطة وعفوية ومرح المصرى "ابن البلد" الذي يمنح بكرم وتلقائية من جيبه ومن نفسه معا.
أضف إلى ذلك إحساس مرهف بالفكاهة يتميز بها معظم المصريين، ولكن يفقدها الكثير من "الكبار" الذين تستولى عليهم مشاعر التعاظم والتكبر وانتفاخ الذات.
ولقد لمست الدفء وعذوبة البساطة في رجاء النقاش عندما زرته في مكتبه بدار الهلال عام 1998 بعدما كتب عني ذلك المقال الطويل بالأهرام الذي أشرت إليه لأشكره.
ولكنه أصر على أن يأخذني معه للعشاء في أحد مطاعم السيدة زينب الشعبية الجميلة.
وهناك، مع أطباق المشويات ومشروب اسمه "ويسكى ابن البلد" لم يكن به أي شئ من الويسكى ولكن كان مزيجا من الشوربة الساخنة وماء المخلل والشطة وربما الحلبة، وكان لشدة سخونته وحرقته يلدغ الذوق ويدفيء الجسد فاعلا فيه فعل الويسكى ولكن بدون الخدر العقلى.
حدثنى النقاش ليلتها بحماس عن كتابه الجديد عن نجيب محفوظ، وحدثته عن إعجابى بالعرض المميز الذي حضرته عن حرب العبور.
وسألته إن كان هناك أعمال فنية أخرى مماثلة عن حرب العبور.
فقال لي في مزيج من الاستنكار والدهشة "تسألني الآن بعد ربع قرن عن حرب العبور، إن مشكلتنا اليوم هى العبور من ميدان التحرير إلى ميدان رمسيس."
وضحكنا معا ضحكة مجلجلة لم تكن ماوراءها من حسرة خافية على أحد. النقاش والسلطة رغم أن نجم النقاش بدأ لمعانه في الستينات بما يكفي لأن يعرضه ذلك، كما تعرض كتاب آخرون في ذلك الوقت، إلى معتقلات ومضايقات، كما حدث للويس عوض ومحمود أمين العالم وغالي شكري وصنع الله إبراهيم وجمال الغيطانى وغيرهم، إلا أن النقاش لم يعتقل مثل غيره.
ولعل ذلك كان بسبب عدم انتماء النقاش للفكر اليسارى أو الشيوعى، إذ نشأ في بيت إسلامى متدين في اعتدال. ولم تجذبه أيديولوجيات غربية لايسارية ولايمينية.
كما أن ميوله الفكرية ذات طابع أدبى وفني وإنساني عام لا يشكل الفكر السياسي فيها رافدا أساسيا.
ولذلك لم يشكل خطرا على النظام الناصري. بل على العكس كان اتجاه الثورة العروبي العلماني سياسيا المنحاز للتجدد والإبداع ثقافيا وفنيا مع الانحياز الاجتماعي للفقراء وأولاد البلد في تمسك عام بالاعتزاز بالتراث العربي والكرامة العربية.
كانت هذه كلها هى نفسها ميول النقاش الطبيعية، وبذلك لم يكن في حاجة للصدام مع السلطة ولا إلى منافقتها إذ كان متسقا تماما معها.
وقد تغير هذا في عهد السادات إذ انقلب السادات على هذه الاتجاهات الناصرية وطرد رموز الثقافة من مواقعهم وسلم مقاليد الثقافة المصرية لرموز اليمين السياسي والديني.
بذلك قد رجاء النقاش رئاسة تحرير "الهلال" ومنحت إلى صالح جودت، فأعادها فجأة إلى أكثر من نصف قرن للوراء.
وترك النقاش مصر، على إثر ذلك، غاضبا حزينا. وكتب مقال وداع مؤثر وذهب إلى قطر حيث أسس جريدة "الراية" ومجلة "الدوحة" وكانت مجلة ثقافية مميزة.
وقد كتبت في ذلك الوقت مقالا ناريا بعنوان "نعي مجلة الهلال" نشرته مجلة الآداب اللبنانية في مكان كلمة المحرر وقتها، قمت فيه بتشريح عدد خاص أصدره صالح جودت عن القمر. وكان الاتحاد السوفيتى قد أطلق أول صاروخ للقمر.
أوضحت كيف أن العدد لا يمت للعصر بصلة رغم أن موضوعه هو الصاروخ العصري. إذ لم تظهر به سوى قصائد عمودية بائسة خالية من الشعر، لشعراء لم يكن معظمهم على قيد الحياة.
وكتب جودت قصيدة يتغزل فيها في القمر، وفي حبيبته بأسلوب شعري قديم مفتعل.
ولم أكن أدري وقتها حتى وأنا أكتب "نعي مجلة الهلال" حجم وفداحة الكارثة الثقافية التي حلت بمصر.
كان العنوان الأكثر دقة لمقالي، لو كنت اقرأ الغيب، هو "نعي الثقافة المصرية".
فالذي أثبتته الأيام هو أن تلك الفترة التي أسلم فيها السادات المجتمع المصري والثقافة المصرية لقوى اليمين المتزمت، كانت هي بداية الانهيار الثقافي الهائل الذي مازلنا نشاهده مستمرا أمام أعيننا إلى اليوم. التصاق المبدع بإبداعه إذا أردنا الخوض في الفلسفة النقدية لرجاء النقاش سنجد أن لها دعامتين أساسيتين.
الدعامة الأولى هي اهتمامه بشخصية المبدع قدر اهتمامه بإبداعه.
فشخصية المبدع وسلوكه وواقعه الحياتي هي محل اهتمام شديد من النقاش، يرى فيها الكثير مما يفسر لديه الاتجاه الإبداعي الخاص للمبدع. فيوغل فيها باحثا عن أسرار النشأة والتكوين والبيت والدراسة والعمل والأنشطة السياسية ليأخذ من مصابيحها كلها أضواء تكشف له أسرار العمل الإبداعي نفسه.
وهناك أمثلة عديدة على اهتمام النقاش بالجوانب الشخصية للمبدعين والكتاب، منها مثلا نشره للرسائل الشخصية المتبادلة بين الناقد المصري أنور المعداوي والشاعرة الفلسطينية فدوى طوفان. وقد اعتمد عليها النقاش في تقديم تحليل نفسي لشخصية المعداوى.
ويبدو أن للنقاش هنا اهتماما، بل هياما كبيرا، بفهم الحياة الشخصية للمبدع كمدخل لفهم إبداعه، وربما كان هذا هو سر اهتمامه الزائد بالأدباء الشبان والمبدعين المغمورين.
إنه لا ينظر إليهم فقط كمنتجين لمادة إبداعيه جديدة وواعدة، ولكنه يرى فيهم جوانب مثيرة من جوانب الظاهرة الإنسانية نفسها.
فكل مبدع هو إنسان مميز معقد فريد يستحق أن نستكشف كل مكنونات نفسه ومزاجه وسلوكه وعواطفه وأفكاره حتى نصل إلى فهم أعمق لما يبدعه لنا من رواية أو قصة أو شعر أو نقد أو فن.
وعلى هذا الضوء تزول الدهشة التي قد تصيبنا لأول وهلة عندما نكتشف أن عددا كبيرا من مؤلفات النقاش تحمل عناوين تتعلق بشخصيات المبدعين أكثر مما تتعلق بإبداعهم. فنجد له العناوين التالية، كمثال:
شخصيات وتجارب. ملكة تبحث عن عريس. عباقرة ومجانين. نساء شكسبير. لغز أم كلثوم. في حب نجيب محفوظ. لويس عوض في الميزان.
في هذه كلها وغيرها يهتم النقاش بشخصية المبدع قدر اهتمامه بإبداعه ذاته ولا يفصل كثيراً بين الاثنين.
وعليه فيمكن القول إن مدرسة النقاش النقدية هى مدرسة نفسية إنسانية واقعية تبحث دائما عن الإنسان، والإنساني، في العمل الإبداعي الذي تتصدى لنقده وتحليله، وتقدم هذا البعد الإنساني كعامل لا ينفصل عن المنتج الإبداعي نفسه. أيديولوجية الإبداع الدعامة الثانية لمدرسة النقاش النقدية، والتي يمكن رؤيتها نتاجا طبيعيا للدعامة الأولى، هي اهتمامه الشديد بالبعد الأيديولوجي للمبدع وللعمل الإبداعي، مما يصل أحيانا إلى حد الحكم على العمل الإبداعي حكما متأثرا بأيديولوجية المبدع.
وإن كان من المهم هنا ملاحظة أن النقاش قد قام بتطوير فلسفته النقدية بشكل أساسي في العقدين الأخيرين بما يخفف من اهتمامه بأيديولوجية المبدع وينحاز أكثر إلى القيمة الفنية للإبداع، وإن لم يكن ذلك بشكل مطلق.
ولعل أشهر مواقف النقاش في هذا الصدد هو موقفه الشديد من أدونيس، أحد أهم الشعراء العرب المعاصريين، وعلى الأغلب أحد أهم عشرة شعراء في تاريخ الشعر العربي كله.
إذ كتب النقاش مقالا شديد اللهجة ضد أدونيس عام 1988 بعنوان "أيها الشاعر الكبير.. إني ارفضك!"، أعاد نشره بعد ذلك مصحوبا بمقال ثان لا يقل عنه هجوما ضد أدونيس في كتابه "ثلاثون عاما مع الشعر والشعراء" الصادر عام 1992.
كتب النقاش "الكتاب (الثابت والمتحول) كله طعن ظاهر على العروبة والآدب العربي والفكر الإسلامي، وهو طعن واضح الغرض، مكشوف الهدف. وليس فيه شئ من الموضوعية أو الأمانة العلمية أو سلامة الفهم للنصوص.
فأدونيس يرفع راية التجديد الشعري الكامل. ولكنه تحت هذه الراية يريد القضاء على كل الجذور في الشعر العربي والشخصية العربية معا في وقت واحد."
وقد قرأت منذ بضعة سنوات أن رجاء النقاش تراجع عن هذا الرأي، وأقام مأدبة كبيرة على شرف أدونيس احتفي به فيها ودعا إليها عددا كبيرا من الأدباء والشعراء.
والحقيقة أن هذا حدث نادر في الوسط الأدبي العربي أو العربي عموما فلا أحد من "الكبار" في أي مجال أدبي أو سياسي أو غيرها يعترف أنه أخطأ، فعدم الاعتراف بالخطأ خاصية عربية أصيلة لم يكسرها سوى جمال عبد الناصر عندما اعترف بمسئوليته الكاملة عن كارثة 67 وقدم استقالته.
ولهذا فإن مراجعة النقاش لموقفه من أدونيس هو دلالة جديدة على ما تتمتع به شخصية النقاش من خصال فريدة ومميزة ونبيلة بشكل يكاد يكون نادر المثال.
ونلاحظ أنه حتى في ذروة غضب النقاش ورفضه لأدونيس أشار إليه بالشاعر الكبير، ولم ينكر عليه شاعريته الكبيرة.
وهو نفس ما فعله بعد ذلك في كتابه عن الناقد الكبير د. لويس عوض "لويس عوض في الميزان".
لقد اختلف النقاش بشدة مع عوض في موقفه من اللغة العربية الفصحى ومواقف أخرى عديدة. لكنه أخذ يكرر ويؤكد في الوقت نفسه اعترافه بدور لويس عوض الكبير في النقد العربي وفي تعريف القراء العرب بعيون الآداب العالمية بحاسة نقدية مميزة وثراء ثقافي موسوعي. الالتزام بالعروبة أحد المواقف الأساسية لرجاء النقاش هو انتمائه العربي الحميم والتزامه بالعروبة فكرا وثقافة ومصيرا. وهو لا يكل في الدفاع عن العروبة بكل جوانبها.
وقد امتد دفاعه والتزامه العربي لأكثر من ثلاثين عاما.
فقد نشر عام 1978 كتابه "الانعزاليون في مصر" يختلف فيه بشدة مع لويس عوض وتوفيق الحكيم، وكانت لهما رؤية مخالفة ترى أن مصر متفردة بتاريخها المصري، وإن كان لها من امتداد فليكن باتجاه أوروبا والحضارة الغربية باعتبارها مستقبل النهضة الإنسانية.
ومؤخرا، في مطلع 2007، قرأت للنقاش مقالا يهاجم فيه الكتاب الذين يهاجمون العروبة ويهزأون بها، فهو إذن كاتب لا يبدل أفكاره حسب الموجة واتجاه الرياح كما فعل بعض اليساريين الذين تحولوا إلى إسلاميين أو ليبراليين أو رأسماليين، وهم كثر.
وهنا أيضا نجد اتساقا بين فكر النقاش وطبيعته التي تنفر من التلون والتنكر والسير في الزفة. فالنقاش رجل يقول ما يؤمن به بغض النظر عن شعبية هذه المواقف.
النقاش ملتزم التزاما حميما بالعروبة والثقافة الإسلامية. ولا يعنى ذلك تشدده أو انغلاقه الديني، فقد كتب مقالات عديدة عن الأقباط وتاريخهم ووطنيتهم.
وقال إنه كان في صغره يستمع من والده عن الزعيم القبطي "ويصا واصف" ومواقفه الوطنية المشرفة، بينما وصف والده بأنه كان من أكثر المتفقهين في الدين الإسلامي علما ومعرفة بأصول الدين، ومع ذلك كان يتحدث لأبنائه في كل مناسبة عن زعماء الأقباط الوطنيين.
ولا شك أن النقاش قد اكتسب من هذا حرصه على تراثه الإسلامي من ناحية مع انفتاح على الآخر واهتمام بالأقباط من ناحية أخرى.
الدفاع عن العروبة والتراث الإسلامي من ناقد عربى مسلم هو أمر طبيعي ومتوقع ومنشود، طالما لا يمنع ذلك من الوقوف إلى جانب حركات التجديد في الخطابين الأدبي والديني معا. فهو موقف يقفه النقاش دائما.
لقد دافع مؤخرا عن كتاب للشوباشي يدعو لتجديد اللغة العربية، فوقف مؤيدا لمطلب تبسيط النحو.
كما كتب مقالات ضد الرجعية والتزمت في الخطاب الديني وفي السلوك الاجتماعي.
إنه مجدد ومؤيد متحمس لحركات التجديد في الخطاب الأدبي والفني والديني، دون أن يجرفه ذلك إلى منزلق معاداة التراث واحتقار الذات والنظر بدونية لكل ماهو عربي أو محلي.
ومن هنا كان حبه وحماسه الشديد لنجيب محفوظ الذي وصل إلى العالمية عن طريق المحلية.
ولهذا أيضا كانت مشكلته مع أدونيس التي قام بتصحيحها حين أثبتت الأيام أن فكر أدونيس، على قسوته في نقد التراث العربي الإسلامي، هو بالضبط الطريق إلى تجديد هذا التراث وجذبه لمجاراة العصر ومعايشته.
لكل ما قدمه رجاء النقاش من فكر وأدب وإبداع نقدي ومعارف وإضافات ثقافية تتسم كلها بمسحة راقية رهيفة من الجمال والنبل والتألق.
ولكل ما له من فضل أدبي عليَّ شخصيا، وعلى عشرات وربما المئات غيري، أشعر بالفرح الحقيقي، وأنا أكتب عنه هذه الكلمات القاصرة، مشتركا مع الآخرين الذين سبقوني، في عدد مجلة الهلال، في الاحتفالية الحارة الجياشة الغارقة في حب رجاء النقاش. فرانسوا باسيلي
كاتب مصري يقيم في نيويورك
fbasili@gmail.com