أميركا بعد العراق: سطوة الأسرار بديلاً عن علنية الاستعمار

أربع سنوات عجاف مرّت على غزو الولايات المتحدة وبريطانيا وحلفائهما العراق واحتلالها هذا البلد الغارق في مآسيه منذ جريمة قتل "الحسين" حتى دكتاتورية "صدام حسين"، وفي عمل عسكري فاشي همجي لم يكن أول أفعال أميركا مثلما لم يكن سوى تكرار لاحتلالات شهدتها خريطة العالم خلال الأعوام التسعين التي تلت الحرب العالمية لأولى في العقد الثاني من القرن العشرين.
لكنني ـ أكاد أتجرأ على الجزم أن مثل هذا الاحتلال لن يتكرر بسهولة في المدى المنظور ليس لأن الدول الكبرى أُصيبت فجأة "بلوثة" أخلاقية تمنعها من الإفراط في استخدام فائض قوتها العسكرية وملحقاتها ضد أنظمة وبلدان تمتلك فائض ضعف بنيوي هيكلي قيمي حضاري يتناسب طردياً مع فيضان إمكانات وطوفان مظالم وشعارات ـ بل لأن ما ترتب عن جريمة غزو العراق هو كارثة على مرتكبيها بكل المقاييس وفي مقدمتها المعنوية. فالقوة المؤللة والمدرعة التي اجتاحت تراب العراق عبر الكويت ووصلت بغداد خلال ثلاثة أسابيع تاهت في دروب المدن وضاعت في الشوارع والأزقة وذلك الجندي المكابر المنتفخ غروراً وعتاداً وجد نفسه غريباً وحيداً يبحث عن قطرات ماء بارد في هجير العراق الذي زاده الغضب هجيراً، وقاذفات "ستيلث" وصواريخ كروز التي حملت في بطونها وعلى أجنحتها "الصدمة والرعب" أُحيلت إلى الانتظار حين أصبحت سفارة أميركا تحكم العراق من المنطقة الخضراء ومن أحد قصور صدام "رحمه الله" وصار غير آمنٍ وغير ممكن ضرب العراق بالأسلحة الإستراتيجية. فقد يصاب الجنود الأمريكيون المنتشرون في الشوارع أو عملاء المخابرات والسماسرة ورجال الأسرار الذين تزيد أعدادهم عن أعداد الجنود وعن أعداد عملاء الاحتلال أو يتأذى ويُصاب "زوار العتبات المقدسة" ليس من العرب الشيعة الطيبين الفقراء المسالمين بل من عملاء المخابرات الإيرانية التي تعيث فساداً ودماراً في العراق تحت سمع وبصر قوة الاحتلال وتنفيذاً لصفقة شيطانية سوف تنكشف أسرارها حين يخرج بوش من البيت الأبيض أو يتقاعد "زلماي خليل زاد" ويقرر كتابة مذكراته إذا لم يقتلوه قبل ذلك.
أما عن الكارثة المادية فهي أكبر فما تمّ ويتم إنفاقه من الخزينة الأمريكية ومن رافعي الضرائب وعلى حساب البرامج الاجتماعية والتعليمية صار يمثل ثغرة كبيرة في ميزانية الدولة الأغنى في العالم ولم يعد ممكناً سحب المزيد من الأموال دون تعويض من مصادر أخرى ليس من بينها قطعاً نفط العراق الذي تتجاوز نفقات إصلاح التخريب في أنابيبه ومصافيه عوائد بيعه وتسويقه ناهيك عن أن يكفي لإعادة بناء العراق الذي لن تبدأ عمليات بنائه أو إعادته حتى إلى ما كان عليه قبل الاحتلال إلاّ بعد زوال الاحتلال وانتهاء "الاختلال" المتمثل في فوضى الصراع على السلطة والمغانم والذي لا أتصوره يحدث قبل سنوات طويلة يرتوي خلالها العراقيون من دماء بعضهم ويرتوي من دمائهم جيرانهم ويتم على حسابهم وفوق أرضهم وأجسادهم تصفية حسابات تاريخية بين دول وطوائف وأحزاب وجماعات كانت تنتظر هذا الظلام لتطلق خفافيشها تسرح وتمرح وتضرب الناس على غير هدى، وكانت تنتظر هذا المار لتخرج حيّاتها وهوامها ووحوشها من بين تلافيف عقول خربة عاثت فيها أوهام العقائد الضالة والخرافات والأكاذيب خراباً وفساداً ولم يكن ينقصها سوى أن يأتي اليانكي الأمريكي من وراء بحر الظلمات ليفتح الأبواب على آفاق الخراب ثم يغادر تاركاً المنطقة تشتعل بفائض الكراهية لأن ذلك هو السبيل الوحيد أمامه ليضمن تدفق فائض النفط لتستمر حياته فيما ندفن حياتنا وتزدان حضارته فيما نلقي بغبائنا وأحقادنا ما تبقى من حضارتنا إلى غياهب الجبِّ وغيابات الغياب.
ستغادر قوات أميركا العراق قريباً ولن تبقى أكثر مما بقيت وربما تتمركز في قواعد إستراتيجية في الشمال أو على الحدود مع الأردن أو سوريا أو تكتفي بقواعدها في قطر والكويت والسعودية وقاعدتها الإستراتيجية الكبرى على أرض فلسطين المحتلة وقواعدها المتحركة فوق مياه المتوسط والخليج وبحر العرب فليست تلك هي المشكلة فستبقى أميركا إلى أمدٍ بعيد قادرة على تدمير ما تشاء وقتل من تشاء متى وأين وكيف تشاء وسنبقى نحن أكثر الضحايا وأسهل الضحايا وأرخص الضحايا ما دمنا نعيش خارج الحياة والتاريخ في ظل حكام متألهين مستبدين وأحكام جائرة لا حكم لها ولا تفسير سوى في عقول المخدوعين والمخادعين والمجانين.
لكن المشكلة تكمن في أننا لن نستوعب الدرس ولن نستطيع استشراف الآتي، فما أن تنسحب و تغادر قوات الاحتلال شوارع الدن حتى تخرج علينا أبواق الإعلام العربي بقيادة "الجزيرة" هاتفة لقد انتصرنا وها هي أميركا تغادرنا إلى الأبد، طبعاً لن يتحدث فيصل القاسم عن القواعد التي تجاور مقر قناته ويراها بالعين المجردة فذلك يتعارض مع عد العمل المبرم بينه وبين إمارة قطر وهو معذور وكلنا معذورون فلقمة العيش أكثر قداسة من كلمة الحق عند الذين اختاروا الحياة كيفما تكون، وسينبري المشايخ والمعلقون والمحللون الذين يتبنون مدرسة "التحليل بالأمنيات" إلى المتاجرة إعلامياً بدماء شهداء العراق الحقيقيين الذين ماتوا في المواجهات مع المحتلين لا المجرمين الذين قتلوا أبناء لعراق تحت دعاوى التحريف الديني والعقائدي والذين هم عملاء للاحتلال حتى وإن لم يكونوا يعلمون ويدركون، وسيبادر حكام العرب وساستهم وعقلاؤهم إلى مخاطبة الإدارة الأميركية بسؤال يحمل من اللوم والتقريع والشماتة أكثر مما يحمل من استفهام ويبحث عن إجابة (ألم نقل لكم دعونا وشأننا مع هذه الشعوب التي لا أحد يعرفها أكثر منا ونحن أحرى بها وأقدر على خدمة مصالحكم دون أن تضطروا إلى بذل الجهد والمال وإحضار جنودكم المترين من أحضان أمهاتهم وعشيقاتهم إلى أتون الجحيم في بلاد العرب وصحاريها).
ستغادر جيوش الاحتلال العراق ومن حق العراقيين وحدهم والشرفاء منهم تحديداً القول إننا قاومنا وسيقول جميع العراقيين المظلومين على مدى الدهر ما عدا قلة قليلة إننا عانينا وقاسينا فأما لهذا العذاب التاريخي من نهاية؟ ولكن من واجبنا أن نقرأ الدرس بأبصار لا تغشاها ظلمات الانكسارات ولا بريق الشعارات وببصائر كسرت أقفالها وفتحت أبوابها على آفاق الرؤية والإدراك وبعقول تعرف كيف تطرح الأسئلة وتبحث عن الإجابات الحقيقية فتصبح شهوداً عدولاً أمام محكمة التاريخ التي سيمثل أمامها أول من يمثل الذين هم أسود كاسرة على شعوبهم وفئران مذعورة أمام موظف صغير في الإدارة الأميركية أو حارس لأحد أبواب الخارجية الأميركية أو خادم بوفيه في أحد اجتماعات عصابة المحافظين الجدد.
فأن تخرج قوات أميركا فليس يعني ذلك أن الهيمنة الأميركية انتهت مثلما أن سقوط نظام مستبد لا يعني بالضرورة قيام الديمقراطية وانتصار الحرية وانتشار قيم الخير والتقدم، فالنظام الأميركي يملك بطبيعته وصيرورته من الآليات ما يكفل استمرار الإستراتيجيات وإن تعاقبت على البيت الأبيض الإدارات وتغيرت الوسائل والتكتيكات وإستراتيجية أميركا في تأمين مصادر الطاقة ومحاربة الإرهاب وفتح الأسواق ونر قيم الليبرالية واستخدام فائض القوة لديها لضمان استمرار فائض الضعف لدى الآخرين سوف تستمر عقوداً طويلة ولن يتغير فيها سوى وجوه الساسة وأسلوب الخطاب وإن تكن فشلت مرة أخرى في تجربة الاستعمار المباشر فإنها ستعتمد بصورة أكبر على سطوة الأسرار ولا يذهبن بأحد الوهم مذهب الاعتقاد أنها لم تستفد من تجربة احتلال العراق المريرة فقد اقتحمت مغارة الطلاسم العربية وفككت ألغازها وأسرارها وعرفت الكثير وبقى أن نعرف نحن العرب حقيقة أننا أصبحنا وجهاً لوجه أمام الحقيقة، حقيقة أننا شئ مادمنا لم نقرر أن نكون بشراً حقيقيين لا مجرد أشياء بلا معنى وأننا أصبحنا أمام خيارين لا ثالث لهما: فإما أن نتحرر من قيود الظلامية والجهالة والظلم، وإما أن نسقط تحت سنابك خيول الاستعمار والدمار.
وإلى أن يصبح الوعي وعياً لا مجرد وعاء للأساطير سيظل كل واحد فينا ومنّا يسير على حافة الخطر وتصبح هاوية الردى أقرب من سدّة الهدى. محمد بعيو
كاتب ليبي - طرابلس