آخر المعارك

ليست من قبيل المصادفة ابداً ان يُصدر مجلس الامن الدولي قراره الجديد حول تشديد العقوبات على ايران عشية القمة العربية، وتحديداً عشية جولة وزيرة خارجية الولايات المتحدة الاميركية على المنطقة، واجتماعها في أسوان مع وزراء خارجية الرباعية العربية اولاً، ثم مع رؤساء مخابرات هذه الدول اخيراً، وليس اخراً، وهو تقليد جديد درجت عليه الديبلوماسية الاميركية بتجاوزها اللياقات والاصول والذهاب مباشرة الى مراكز صنع القرار في المنطقة، حتى لو كانوا رؤساء اجهزة امنية فيما تدعى الادارة الاميركية الحرص على الشفافية والديمقراطية وحكم المؤسسات واحترام حقوق الانسان.
واشنطن ارادت من هذا القرار أن تقول للرؤساء والملوك العرب المجتمعين في الرياض، التي احتضنت بدورها قبل اسبوعين لقاء قمة سعودي - ايراني، ان الأمر في العالم ما زال لها، وان كل ما تسمعونه عن تراجع في النفوذ الاميركي على المستوى الدولي ليس سوى نوع "التفكير الرغبوي" الذي يسيطر على بعض الجانحين عاطفياً او عقلياً او عقائدياً.
طبعاً واشنطن ليست بحاجة الى مثل هذه الاشارات لكي تضمن انصياع العديد من المسؤولين العرب لاملاءاتها، فهؤلاء مازالوا يعتقدون ان التنازل امام الادارة الاميركية اسلم لهم ولبقائهم في مناصبهم من الاستجابة الى ارادة شعوبهم، لكن ما بين "كأس" الحرب الاميركية وما بين "شفاه" منطقة الشرق الاوسط – وتعبير الكأس والشفاه للاقتصادي البريطاني الشهير جون مينارد كينز – تكمن "تسربات" كثيرة، والتعبير ما زال لكينز صاحب النظرية الاشهر في اخراج عالم الثلاثينات من القرن الماضي من الركود الكبير والازمة الاقتصادية الخانقة.
اول هذه التسربات هو ما يعتقد البعض ان الاجماع على القرار الدولي في مجلس الامن، ما كان ليتم على هذا النحو، لولا رغبة دول دائمة العضوية في مجلس الامن كروسيا والصين – وربما فرنسا – في ابعاد كأس الحرب عن ايران، وارضاء عنهجية بوش المتعاظمة عبر الموافقة على اصدار قرار دولي لا يموت فيه "الراعي ولا يفنى الغنم".
فهذا الاسلوب الانتقالي المعتمد في مجلس الامن، من قبل روسيا والصين تحديداً، ومنذ انتهاء مرحلة الحرب الباردة، يسعى الى تحقيق ثلاثة امور في آن واحد: اولها تخفيف الخسائر الناجمة عن الاندفاعة الاميركية الهوجاء في هذا الاتجاه او ذاك، وثانيها عدم الرغبة في استثارة "الثور" الهائج في زمن لم تتغير فيه موازين القوى، لا سيّما الاقتصادية، بما فيه الكفاية، وثالثها مد الحبل للحماقات الاميركية لكي تغرق اكثر في رمال حروبها المتحركة، فيتسلل الضعف اليها بسرعة، وتصبح حاجتها لغيرها من الدول الكبيرة اكثر من ذي قبل.
ويظن هؤلاء انه ما كان للسقوط المدوي للقوة الثانية الاكبر في العالم، طيلة النصف الثاني من القرن العشرين، (اي الاتحاد السوفياتي)، ان يتسارع لولا ان كل الثغرات البنيوية الكامنة في نظامه قد انكشفت في حرب افغانستان طيلة ثمانينيات القرن الماضي لتتفجر معها ازمات النظام كلها.
ويضيف هؤلاء ان الامر نفسه يتكرر اليوم مع الولايات المتحدة الاميركية، حيث باتت هزيمة قواتها مع القوات الاطلسية وجييش كارازي قريبة جداً في كابل، فرئيس الموساد الصهيوني السابق افرام هاليفي يتوقع انكسار الاطلسي عام 2007 في افغانستان.
اما المستنقع العراقي، فحدّث ولا حرج عن المأزق الاميركي فيه، وعن سقوط الخطط الامنية الواحدة تلوى الاخرى، وبلوغ العمليات العسكرية فيه رقماً قياسياً (140 عملية كل يوم) والقسم الاكبر منها (75 %) ضد القوات الاميركية، والاقل ضد القوات العراقية (14 %) فيما لا تزيد العمليات الارهابية ضد المدنيين عن (7 %) وهي التي يفسح في المجال للاعلام ان يسلط الاضواء عليها دون غيرها كي يظهر وكأن الحرب عراقية – عراقية.
وينبغي ان لا ننسى الهزيمة الصهيونية امام المقاومة اللبنانية في الصيف الماضي، حيث ادى "الاختبار" الاميركي للجيش الصهيوني في ضرب "حزب الله" الى نتائج معاكسة لما كانت تريده واشنطن.
تبقى هناك قضية بالغة الاهمية في هذا الصدد، وهي ان الموقف العربي والاسلامي، على المستوى الشعبي تحديداً، لن يقف مكتوف الايدي ضد اي حرب اميركية ضد ايران، اياً كانت الملاحظات والاعتراضات التي تعلنها شرائح عديدة ضد بعض السياسات الايرانية لاسيّما في العراق وافغانستان، خصوصاً ان ما من عربي او مسلم يستطيع ان يتجاوز هذه الازدواجية الصارخة في المقاييس، التي رآها قبل اربع سنوات ضد العراق، ويراها اليوم ضد ايران، فيما تُحمى ترسانة اسرائيل النووية ويرفض حتى الاشارة "الى تجريد منطقة الشرق الاوسط من اسلحة الدمار الشامل"، من القرار الاممي 1747 علماً انه قد اشير الى هذا الامر في البند 14 من القرار الاممي 661 الصادر في نيسان/ابريل 1991 في اطار العقوبات ضد العراق انذاك.
فهذه الشرائح التي تأخذ على القيادة الايرانية صمتها، او "حيادها"، وربما تعاونها، في حرب اميركا ضد افغانستان (2001) والعراق (2003)، لن تكرر الخطأ الايراني ذاته – حسب تصورها – لأنها تدرك ان اي هجوم اميركي – صهيوني ضد ايران هو هجوم على الامة العربية والاسلامية، وهي تتمنى ان يكون التحضير الصهيو – اميركي لهذا الهجوم فرصة لكي تراجع القيادة الايرانية مواقفها في اكثر من موقع في ضوء ملاحظات المخلصين الذين يعرفون ان التناقض الرئيسي يبقى مع قوى الاحتلال الصهيو – اميركي في المنطقة، ولا مجال لاي خطأ في الاجتهادات او الحسابات او الاولويات في هذا الصدد.
ولكن مع كل هذه التحفظات على احتمالات تطور المجابهة الحالية بين ايران والغرب باتجاه عسكري، علينا ان لا نغفل ثلاثة امور في هذا الصدد، اولها حجم التحريض الصهيوني على شن حرب اميركية على ايران، وهذا ما ظهر بوضوح خلال المؤتمر الاخير "للايباك" – وهو اكبر اللوبيات الصهيونية في اميركا- عبر الضغط على الشيوخ والنواب الاميركيين للضغط على الادارة لشن هذه الحرب، وثانيها محاولة ادارة بوش الهروب الى الامام من مأزقها العراقي والافغاني والفلسطيني واللبناني، عبر مغامرة جديدة قد تعيد لها اعتباراً بات شبه مفقود لدى الرأي العام الاميركي، وثالثها ان الطريقة التي تدير بها الادارة امور اميركا، وتتخذ وفقها القرارات، ليست طريقة عقلانية، او خاضعة لاي منطق، وبالتالي فقد يكون اللامنطق واللاعقلاني هو سيّد الموقف.
في هذه الحال، وبعد الجراح الاميركية النازفة في افغانستان والعراق، والاهتزازات السياسية الاميركية المفتوحة على امتداد الكرة الارضية، نستطيع ان نقول ان بوش يخوض "آخر" معاركه، بل اخر معارك الامبراطورية الاميركية قبل ان يعود القرار الاميركي الى رشده .. والعقل والاتزان والحكمة الى السيطرة على مقاليد الحكم في البيت الابيض.
ومخطئ من يراهن على نصر لادارة بوش في هذه المعركة – اذا ما حصلت بالفعل -، وقد كان لنا في حرب تموز اللبنانية الدليل الاسطع على خطأ مثل هذه الرهانات، وكنا انذاك في طليعة من حذّر من الرهانات الخاطئة. معن بشور