سباقات الفورمولا نافذة على الشهرة وأخرى على القبر

نيقوسيا - من سهيل الحويك
الشهرة في كف والموت في كف اخر

يحلو للبعض إطلاق تسمية "حلبات الموت" على المضامير التي تستضيف سباقات سيارات فورمولا واحد على خلفية السرعة الهائلة التي تعتبر اللغة الموحدة في هذا النوع من الرياضة الميكانيكية.
ولا شك في أن سائق هذا النوع من السيارات يعرض حياته للخطر في كل مرة يعتمر فيها خوذته ويجلس خلف مقود تلك السيارة الملتصقة بالأرض املا في اجتياز خط النهاية قبل غيره، ولكن هذه ليس "القصة" كاملة، ولا خلاف على أن من اطلق على مضامير فورمولا واحد تسمية "حلبات الموت" أصاب جانبا من واقع هذه الرياضة.
والسائق الأرجنتيني الراحل خوان مانويل فانجيو، بطل العالم خمس مرات أعوام 1951 و1954 و1955 و1956 و1957 قال في هذا الصدد: "المشاركة في سباقات فورمولا واحد تساوي الحياة. لكن هؤلاء الذين ماتوا خلال تلك المشاركة كانوا يدركون، ربما، كيف يعيشون على نحو أفضل من غيرهم".
وعرفت بطولة العالم للفورمولا واحد على مستوى قوانينها التنظيمية الكثير من التعديلات منذ ولادتها في عام 1950 في محاولة للحد من سرعة السيارات وتفعيل عوامل السلامة، إلا أن ذلك لم يقف حائلا امام وقوع ضحايا خلال السباقات حيث دفع 45 سائقا عمرهم ثمنا لهذه الرياضة الميكانيكية، 32 منهم قضوا خلال أحد سباقات البطولة، تسعة خلال التجارب، وأربعة خارج إطار البطولة.
وقضى 16 سائقا في حقبة خمسينات القرن الماضي، و13 في ستيناته، و10 في السبعينات، و4 في الثمانينات، و2 في التسعينات، أضف إلى كل ذلك لائحة طويلة جدا من السائقين الذين تعرضوا لعاهات جسدية مستديمة نتيجة حوادث متفاوتة الخطورة.
أول ضحايا "حلبات الموت" هو الفرنسي ريمون سومر الذي وافته المنية في العاشر من أيلول/سبتمبر 1950 خلال سباق جائزة هوت غارونّ الكبرى في فرنسا عندما كان يقود إحدى سيارات فريق كوبر.
أما آخر الضحايا وأشهرهم على الإطلاق فهو البرازيلي آيرتون سينا الذي افتقدته الحلبات منذ الأول من أيار/مايو 1994 إثر الإصطدام المأسوي الذي ادى إلى مصرعه نتيجة فقدانه السيطرة على سيارة فريق ويليامس عند منعطف "تامبوريللو" خلال جائزة سان مارينو الكبرى.
حلبة انديانابوليس في الولايات المتحدة الاميركية تعتبر ثاني اقدم حلبة سباق على الإطلاق بعد حلبة "ميلووكي مايل" إذ ابصرت النور في عام 1909، وهي أكبر وأعلى صرح رياضي في العالم إذ تستوعب مدرجاتها ومرافقها المختلفة حوالي 270 ألف "نسمة".
ولكن هذه ليست القصة الكاملة إذ أن حلبة انديانابوليس نفسها هي بمثابة "مقبرة لسائقي فورمولا واحد" في كل ما للكلمة من معنى بدليل أنها شهدت مصرع تسعة منهم، ثمانية أميركيين هم شت ميلر (1953 خلال التمارين)، كارل سكاربورو (1953 خلال السباق)، ماني أيولو (1955 خلال التمارين)، بيل فوكوفيتش (1955 خلال السباق)، كيث أندروز (1957 خلال التمارين)، بات أوكونور (1958 خلال السباق)، جيري أنسر وبوب كورتنر (1959 خلال تجارب ما قبل السباق)، وواحد بريطاني هو مايك سبنس (1968 خلال التجارب الرسمية).
كما سقط سائقان آخران في الولايات المتحدة بالتحديد ولكن على حلبة "واتكنز غلن" هما الفرنسي فرانسوا سيفير (1973 خلال التصفيات التأهيلية)، والنمسوي هلموت كوينيغ (1974 خلال السباق).
وتتقاسم بريطانيا والولايات المتحدة صدارة ترتيب الدول الأكثر تضحية بالسائقين في عالم فورمولا واحد، فقد توفي 11 سائقا من كل من البلدين، في مقابل 6 من ايطاليا، 4 من فرنسا، 3 من النمسا، 2 من المانيا، وواحد من كل من البرازيل وكندا والسويد وسويسرا وهولندا والمكسيك والارجنتين وبلجيكا.
وشهدت الأراضي العربية وفاة سائق واحد هو البريطاني ستيوارت لويس - إيفانز في 19 أيلول/سبتمبر 1958 خلال سباق جائزة المغرب الكبرى.
وبين السائقين الـ 45 الراحلين، 21 قضوا خلال السباق الرئيسي، 8 خلال التمارين، 8 في التجارب، 5 في التصفيات التأهيلية، و3 في تجارب ما قبل السباق.
أما أكثر الفرق التي تضحية بالسائقين على حلبات السباق فهي فيراري (7 ضحايا)، كورتيس كرافت (6)، كوبر ولوتوس (5 لكل منهما).
ومن المفارقات المسجلة على صعيد ضحايا فورمولا واحد وفاة السائقين البريطانيين كريس بريستو (فريق كوبر) وآلان ستايسي (لوتوس) خلال سباق جائزة بلجيكا الكبرى في 19 حزيران/يونيو 1960 إلا أنهما لم يلقيا حتفهما في حادث واحد بل في حادثين مستقلين عن بعضهما البعض.
الموت كان في انتظار بريستو خلال اللفة 19 من السباق عندما فقد السيطرة على سيارته التي لفظته خارجها، أما ستيسي فقد توفي خلال اللفة الرابعة والعشرين بعد اصطدام طير بوجهه ما أدى الى فقدانه السيطرة على السيارة.
وخلال سباق جائزة ايطاليا الكبرى عام 1961، لم يكتف الألماني فولفغانغ فون تريبس سائق فيراري في دفع حياته ثمنا لفورمولا واحد، بل أن المأساة امتدت الى المدرجات حيث راح 15 متفرجاً ضحية الحادث المأسوي نفسه.
أما البريطاني جون تايلور فقد توفي متأثراً بحروقات عدة لحقت بجسده حوالي الشهر بعد تعرضه لحادث مروع خلال سباق جائزة ألمانيا الكبرى في 7 آب/أغسطس 1966.
وكان الألماني غيرهارد ميتر يقود سيارة فورمولا 2 خلال التمارين الخاصة بسباق جائزة المانيا الكبرى 1969 عندما دقت ساعته، وفي حينها كان نظام السباقات يجيز مشاركة سيارات فورمولا 2 الى جانب سيارات فورمولا 1 في سباق واحد ولكن في إطار ترتيبين نهائيين منفصلين.
من جانبه، توج النمسوي جوشن رينت بطلاً للعالم في فورمولا واحد عام 1970 رغم مقتله في 5 أيلول/سبتمبر من تلك السنة خلال التصفيات التأهيلية لسباق جائزة إيطاليا الكبرى، بعد أن فشل كل منافسيه في تجاوز الرصيد الذي جمعه من النقاط قبل وفاته، رغم أن أربع جولات كانت متبقية من عمر البطولة.
وتعرض السويدي روني بيترسون لحادث مروع في 11 أيلول/سبتمبر 1978 خلال جائزة ايطاليا الكبرى، إلا أنه لم يفارق الحياة على الفور بل في اليوم التالي للسباق وتحديداً في المستشفى، فيما لقي الكندي جيل فيلنوف المصير نفسه إذ توفي بعد ساعات من الحادث الذي تعرض له خلال التصفيات التأهيلية لسباق جائزة بلجيكا الكبرى عام 1982.