عرب اميركا يتبعون استراتيجية 'الاضحاك' لعرض قضاياهم

الكوميديا كأداة للمعرفة

واشنطن - من حفلات في نهاية هذا الشهر بمدينة أناهيم بولاية كاليفورنيا، إلى بوسطن وكليفلاند، ومن لاس فيجاس إلى مينيابوليس يحاول فريق من الشباب الاميركي ذوي الأصول الشرق أوسطية تغيير الصور النمطية عن العرب والمسلمين عند الشعب الاميركي باستخدام وسيلة الإضحاك.
ولا شك أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ايلول وكما غيرت المسارات السياسية العالمية، غيرت أيضا نظرة الاميركيين عن العرب والمسلمين. وبما أن الحروب والقنابل والصواريخ وسعت الفجوة بين الشرق الأوسط والغرب، لذا كان لابد من إيجاد وسيلة أخرى للتفاهم والتعايش، فهل هناك وسيلة أفضل من الضحك؟
من هذا المنطلق بدأ أربعة ممثلين كوميديين موهوبين، ينحدرون من بلدان مختلفة لكنهم جميعا مسلمين اميركيين، في تسخير موهبتهم وقدرتهم على الإضحاك لتعزيز التفاهم، وربط الجسور، وذلك بهدف تغيير الصورة النمطية عن العرب والمسلمين بطريقة محببة إلى القلوب، وأكثر دقة، وأوسع انتشارا.
ومن تقديم عروضهم لمس الكوميدينات الأربعة التغير الحاد في نظرة الاميركيين وطريقة تعاملهم مع المسلمين بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر/ايلول، فقرروا التعريف بأنفسهم وهوياتهم، وتوضيح أن المسلمين بشر وليسوا قنابل موقوتة كما يظن الغرب، عن طريق الكوميديا.
هؤلاء الأربعة هم دين عبيد الله الذي نشأ منذ صغره في نيوجيرسي بين أب فلسطيني وأم إيطالية. تخرج في كلية الحقوق بجامعة فوردهام في العام 2002، وعمل بالفن وشارك في تأسيس مهرجان نيويورك للكوميديا الاميركية العربية في العام 2003، الذي أصبح مهرجانا سنويا منذ ذلك الحين وحقق نجاحا لا بأس به.
والثاني هو أحمد أحمد، مصري اميركي، ويبلغ من العمر 35 عاما. ولد بمدينة حلوان المصرية وانتقل مع أسرته إلى الولايات المتحدة الاميركية عندما كان عمره شهرا واحدا، ونشأ بولاية كاليفورنيا، وعندما كان في التاسعة عشرة من عمره انتقل إلى هوليوود ليصبح ممثلا.
ويقول إنه مل من تقديم دور مسلح عربي أو سائق سيارة أجرة، فتحول إلى الكوميديا كي يتحكم في المادة التي يقدمها. قدم في هوليوود عددا من الأدوار الكوميدية، كما قدم عروضا في الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا والإمارات العربية المتحدة، وأصبح له كثير من المعجبين، وحصل على جائزة ريتشارد برايو للكوميديا العرقية في مهرجان ادنبره. لكنه يعترف بأنه عانى الكثير بسبب "اسمه" الذي يتشابه في بعض الأحيان مع أنصار أسامة بن لادن.
الثالث هو آرون قدير الابن لأب فلسطيني وأم اميركية تنتمي لطائفة المارمون المسيحية. ورغم سخريته التي تكون لاذعة في بعض الأحيان، إلا أن هدفه هو توضيح ميراثه الفلسطيني للاميركيين عن طريق الضحك. ومن الأمثلة على تندراته عندما يقارن بين طائفة والدته وما يعتقد عن المسلمين في اميركا قائلا "عندما تذهب أمي في مهمة دينية تعود إلينا بعد الانتهاء منها، أما المسلمون فلا يعودون من مهامهم".
كما أنه يتعجب من عدم قدرة البعض على النطق بكلمة فلسطين بالطريقة الصحيحة فيقول ساخرا "نحن المسئولون عن نصف الإرهاب في العالم منذ 50 عاما، فكم من الحجارة علينا أن نلقي؟".
أما الرابع فهو ماز جبراني إيراني اميركي متزوج من هندية ويبلغ من العمر 35 عاما. تخرج في جامعة بيركلي بولاية كاليفورنيا، ولعب من قبل دور عميل سري يسمى "مو" في فيلم "المترجمة" من إخراج سيدني بولاك. كما أدى عددا من الأدوار الكوميدية في قنوات تلفزيونية اميركية، والأندية الكبيرة بنيويورك.
تجارب وخبرات مختلفة يحكي هؤلاء الفنانون بعض التجارب الشخصية التي مروا بها من تمييز وتغير في المعاملة بعد هجمات سبتمبر، الأمر الذي دفعهم نحو هذا الاتجاه كسلاح راقي ضد الصور النمطية والتمييز العرقي. فيقول دين عبيد الله إنه في العاشر من سبتمبر 2001 كان اميركي أبيض، وفي اليوم التالي أصبح عربيا، وباتت الصورة أن العرب هم السود الجدد.
كما أنه قبل تلك الهجمات كان يؤدي عروضه في نوادي مدينة نيويورك، وكان نادرا ما يذكر شيئا عن أصوله العرقية. أما بعدها فظل عدة أشهر يعمل باسم دين جوزيف وهو اسمه الأوسط، وذلك بناء على نصيحة صديق له ومدير أحد النوادي، ثم أدرك أن جمهوره من غير العرب يرغبون في سماع نكات حول ما يسمعونه في الأخبار، وبات أصله العرقي هو محور حديثه ولا يتوقف عن الكلام عنه.
كما يرى أن المسلمين لم يكن لهم يوما صوتا مسموعا في اميركا، وأن الكوميديا هي إحدى وسائل التعبير وتغيير الصورة النمطية عنهم. وبرأيه أيضا أنه عندما تنجح في إضحاك جمهور المشاهدين فمن الصعب أن يغضبوا منك بعد ذلك.
أما أحمد أحمد الذي سأم من معاملته كإرهابي محتمل لملامحه الشرق أوسطية، فيقول إنه في كل مرة يصعد فيها على متن طائرة يعرف على الفور رجل الأمن الموجود عليها، فهو ذاك الرجل الذي يمسك بمجلة مقلوبة ويحملق فيه.
كما أنه يتجنب السفر في أي يوم عرض خشية أن يقبض عليه في المطار. وفي أحد عروضه الكوميدية بدأ العرض قائلا "اسمي أحمد أحمد ولا يمكنني الطيران، حين أصل إلى المطار تسألني مسؤولة الأمن 'هل حزمت متاعك بنفسك" وحين أجيب بنعم تقول لي أنت مقبوض عليك'".
لذا قرر استخدام سلاح غير تقليدي هو الكوميديا لتغيير تلك الصورة. ويري أنه بإمكان الفنان طرح آرائه السياسية دون وعظ ودون التعرض للانتقادات، مثل الساسة، من خلال الفن، خاصة فن الكوميديا.
أما ماز جبراني فيقول إنه عليه التأكد من نطق الإنجليزية خلال حديثه بطريقة لم تحدث من قبل لكي يتأكد رجال تطبيق القانون من أنه مواطن اميركي. كل ذلك يؤكد أن الثقافة الشعبية أو ثقافة "البوب" الاميركية لم تفرق بين العرب والمسلمين، فاعتبرت جميع العرب بما فيهم العرب الاميركيين مسلمين، وجميع المسلمين حتى الإيرانيين والأسيويين عرب.
محور الشر قدم هؤلاء الفنانون مسرحية "محور الشر" التي عرضت في العاصمة الاميركية واشنطن ونفذت جميع تذاكرها البالغة 1400 تذكرة قبل العرض، مما اضطر حوالي 100 شخص للعودة إلى منازلهم. ثم تقرر تقديم العرض على قناة كوميدي سينترال، حيث يظهر فيه دين عبيد الله كضيف شرف.
ويعد هذا الحدث الأول من نوعه بالنسبة للجمهور الاميركي من ناحية، ومن ناحية أخرى يرى محللو الثقافة الشعبية أن ظهور الكوميدينات الشرق أوسطيين على شاشة التلفزيون المحلي، وهي أسرع وسيلة لتشكيل صور الثقافة الشعبية، هي خطوة أساسية في الاتجاه السائد لهذا النوع الجديد من الكوميديا الذي صنعوه.
فقد يظن الكثيرون أنه لا شيء مضحك بالنسبة للشرق الأوسط، أما بالنسبة لهؤلاء الفنانين، فالأمر على عكس ذلك. فمن خلال السخرية والتهكم تبذل هذه المجموعة ما بوسعها لزيادة وعي الاميركيين بقضايا الشرق الأوسط. إذ يحاولون التعبير عن خسارة اميركا الكبيرة للحريات المدنية على يد الرئيس بوش، رغم احترامهم الشديد لذلك البلد التي يسمح بانتقاد رئيسها من الداخل.
فمثل هذه العروض تعد نضالا إنما بطريقة كوميدية تهدف إلى إظهار الجوانب المختلفة لثقافة الشرق الأوسط، بعيدا عن العنف والغضب الذي يظهر في النشرات والبرامج الإخبارية.
وقد أصبح الاهتمام بتلك الجوانب بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، والحرب على العراق في تصاعد دائم، خاصة من قبل الجمهور الذي لا تربطه أي صلات بالشرق الأوسط. ويحاول هؤلاء الكوميدينات إدخال ثقافاتهم ومواهبهم إلى التيارات السائدة في الولايات المتحدة والاندماج فيها بطريقة إيجابية.
وبالرغم من النجاح الكبير الذي لاقاه العرض وإعجاب الجمهور به إلا أنه لم يخل من بعض المنغصات. إذ يذكر جبراني أن أحد الحضور قال له "أنت محظوظ لوجودك هنا" فرد عليه قائلا "نحن جميعا محظوظون لوجودنا هنا". فالمهمة ليست سهلة، والتحدي كبير وواضح.
فرص الكوميديا الشرق أوسطية كانت فرصة الكوميدينات من العرب الاميركيين أو الإيرانيين الاميركيين محدودة للغاية، لكنها ازدادت واتسعت بعد هجمات سبتمبر. وتقول إيفلين السلطاني، الأستاذة بجامعة ميتشيغان، التي تتابع صورة العرب والمسلمين الاميركيين في التلفزيون الاميركي منذ العام 2001 إن معظم الأدوار التلفزيونية التي تطلب شخصا ذي أصول شرق أوسطية كانت تنحصر في نوع أو نوعين فقط من الأدوار.
النوع الأول هو الشخص العربي المشتبه بقيامه بأنشطة غير قانونية. أما النوع الثاني فهو العربي أو المسلم "الجيد" الذي يساعد الحكومة الاميركية في حربها ضد "الأشرار" العرب. وبالفعل لعب ماز جبراني في العام 2003 دور إمام في المسلسل الدرامي "بدون ثقة" الذي قدمته قناة سي بي إس، اشتبهت وكالة المخابرات المركزية (إف بي آي) بقيامة بأنشطة إرهابية، لكن ثبتت براءته في نهاية الحلقة.
أما البروفيسور ميلياني ماكليستر بجامعة جورج واشنطن فتشير إلى أن الشيء المزعج هو أن تلك الأدوار تأتي دائما في سياق الإرهاب، وأنها تدعم الصلة بين الهوية العربية والتهديد الذي تتعرض له الولايات المتحدة الاميركية.
ورغم ازدياد الفرص أمام هؤلاء الفنانين يتساءل جبراني "متى سيظهر أطباء عرب مسلمين أو إيرانيين على شاشات التلفزيون وهم ينقذون أرواح الناس؟ فإذا ذهبنا إلى أي مستشفى سنراهم، لكن ليس على شاشات التلفاز". لكنه يأمل في أن يترك يوما ما انطباعا بأن ليس جميع العرب إرهابيين وأنهم يستطيعون الإضحاك أيضا. لكنه حتى إذا سخر هؤلاء الفنانون من أنفسهم أو عرقهم فإن هدفهم الأسمى هو توصيل رسالتهم بطريقة مرحة وأكثر دقة.( تقرير واشنطن)