العدائية الأميركية لكاسترو حتى وهو طريح الفراش

بقلم: د. عبدالسلام عمارة

في مقابلة تلفزيونية مع قناة الجزيرة الفضائية قال رئيس مجلس الدولة لجمهورية كوبا، فيدل كاسترو: "الجميع في أوربا وفي جميع أنحاء العالم اعتقد أن ثورتنا لن تستمر إلا أياماً أو أسابيع، لكنها صمدت عشرات السنوات، وهي اليوم تزداد قوة، أما في المعسكر الآخر، معسكر الأعداء، فقد ظهر نوع من التشاؤم أمام وضع اقتصادي اجتماعي صعب في العالم، وانتهت موجة الفرح التي عمت في تلك الحقبة".
والمقصود بمعسكر الأعداء في قول الزعيم الكوبي هو بالتأكيد الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، وبخاصة ما ينتج عن الدعاية الإعلامية الأميركية والغربية و"القنوات التلفزيونية الغربية والأميركية التي تخفي المعلومات" كما ورد على لسان الرئيس كاسترو في نهاية مقابلته مع الجزيرة.
قد نفهم أن كاسترو فجر وحرر بثورته الإنسان الكوبي من أزمته رغم ما تصوره الدعاية الأميركية وتوصمه بالديكتاتورية، وقد نفهم أن السبب من وراء ما تبثه القنوات والماكينة الإعلامية الغربية وبخاصة الأميركية على كوبا ونعت رئيسها بالدكتاتور هو تمسك كاسترو الدائم بمعاداة السياسة الغربية الباطشة في حق الشعوب، ووصفه لواشنطن بالغطرسة وتنديده بتجاهلها لاحتياجات البشر.
الذي لا نفهمه هو ما ذكره المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية شون ماكور ماك الأربعاء الماضي (21/3) من أن الولايات المتحدة لا ترى مؤشراً لعودة قريبة لفيدل كاسترو ولتوليه مقاليد الحكم، خلافاً للتصريحات التي أدلت بها وزيرة كوبا للصناعات الأساسية يديرا غارسيا الثلاثاء (20/3) من أن الزعيم الكوبي الذي يتماثل للشفاء من عملية جراحية أجريت له في تموز/يوليو الماضي، يشارك في عملية صنع القرار وقد يستأنف سريعاً نشاطه في قيادة الدولة.
والذي لا نفهم مراميه أيضاً تلك الشائعات التي تبثها وسائل الإعلام الغربية من أن فيدل كاسترو على فراش الموت برغم ظهوره في 30 كانون الثاني/يناير 2006 عبر التلفزيون الكوبي في وضع أفضل مقارنة مع مشاهد بثت عنه في 28 تشرين الأول/أكتوبر 2006 .
والذي لا نفهمه حقاً أن أميركا تناصب العداء للزعيم الكوبي حتى وهو على فراش المرض.
فهل يفسر ذلك على أنها ـ أي أميركا ـ تتمنى الموت لهذا البطل التاريخي في نظر الكوبيين وعدد من الأحرار في العالم، لكون أن أميركا تمارس الموت حقاً في معظم بقاع العالم من أفغانستان إلى العراق وحتى في غوانتانامو؟
أم أن أميركا تتأجج حقداً على كل أبطال التاريخ الذين ضحوا من أجل قضايا شعوبهم وتتمنى لهم الموت بل وتقتل من تطول منهم من ابو عمار إلى صدام حسين؟
هل العلة في كاسترو نفسه لكونه شخصية مميزة لها وزنها وثقلها السياسي والاجتماعي والجماهيري، تخشاه أميركا بسبب قوته في الموقف والمبدأ بصرف النظر عن انتماءاته العقائدية.
وبرغم فهمنا لاستمرار التوتر في العلاقات الأميركية الكوبية منذ أن أصبح كاسترو رئيس الحكومة في عام 1959 الذي بدء بسبب مصادرة أملاك الأميركيين في كوبا لأنها كانت في معظمها ممتلكات لعصابات المافيا الأميركية التي نشطت في كوبا في الخمسينات، ولأسباب تأييد كاسترو للعديد من حركات التحرر الوطني في أميركا الجنوبية وأفريقيا، كما وأن استيعابنا لعدد محاولات الاغتيال السياسي التي تعرض لها الزعيم الكوبي كاسترو (637 محاولة) معظمها خططت لها الولايات المتحدة الأميركية.
لا يعود من المهم كثيرا التدقيق والاستغراب في معاداة أميركا لكاسترو وهو طريح الفراش، لكن يحق لنا أن نتساءل من هو الصامد الأكبر: مبادئ كاسترو كرمز للتضحية من أجل شعبه أم سياسات الحروب الأميركية التي عبر عنها غيتس وزير الدفاع الأميركي مؤخراً بأنها قادرة على خوض حرب ثالثة بعد أفغانستان والعراق؟! د. عبدالسلام عمارة