سرديات المراوغة واستراتيجية المعنى في قصص السيد نجم

كتب ـ المحرر الثقافي
المجموعة القصصية الخامسة

في مناقشة لمجموعة قصص "غرفة ضيقة بلا جدران" للقاص السيد نجم، عرض الناقد د. السعيد الورقي والناقد شوقي بدر يوسف، مجمل ملامح القص عند الكاتب في مجمل أعماله القصصية التي بلغ عددها خمس مجموعات، مع تحليل نقدي لمجموعته الأخيرة، وذلك في ندوة مركز النقد الأدبي بقصر التذوق سيدي جابر بالإسكندرية، أدارها الشاعر أحمد فضل شبلول.
خلص د. السعيد الورقي إلى أن القاص يسعى في مجمل أعماله، وخصوصا المجموعة الأخيرة، إلى تحقيق مقولة نقدية أن "فن القصة القصيرة فن مراوغ"، فجاءت المجموعة تجريبية التناول في مجملها، وهو ما أطلق عليه "سرديات المراوغة والمحاورة" فقال "كتابة القصة عند السيد نجم مغامرة متجددة، مراوغة وجميلة"، فالنقاد والفنانون في مختلف العصور، يجمعون على أن الفن تمرد دائم، وثورة على الثوابت، خصوصا أن الفن القصصي أكثر الفنون قدرة على المغايرة والتمرد."
وأضاف "في مجمل القصص يركز سرد السيد نجم على الإنسان في مواقفه البطولية، وحتى في لحظات ضعفه. يبدو متفائلا، فيدخل الواقعي في المثالي ضمن مضامين مراوغة بمتشوفات دلالية. وفى مراوغة شاعرية أيضا."
ويرى الورقي أن "الكاتب اتخذ من الأحداث الغرائبيه في بعض قصص المجموعة إطارا مراوغا للمضمون، واستخدم الميثولوجيا الشعبية إطارا في بعضها الآخر. وأعتقد أنها حيل مراوغة من الكاتب للاتكاء على صيغ الحكى التراثية في بنى سردية جديدة."
جاءت المجموعة على ثلاثة أشكال:
"قصة قصيرة طويلة" على شكل عشر متتاليات قصصية، ترتكز على تنويعات من الاستبطان الداخلي الذي أحاله القاص إلى مشاهد تحكى لذة الألم في سبيل بطولة الانتصار، وهو شكل مراوغ عند محاولة تصنيفه فنيا، حيث طور الكاتب قصة مشاهد المونتاج والكولاج، ليقدم هذا الشكل الذي يجمع بين مجموعة من القصص القصيرة داخل بنية سردية متكاملة، هي في النهاية قصة قصيرة.
وقصص قصيرة في القسم الثاني، كل قصة مستقلة بنفسها، وإن جمعها كونها أغنية حب للإنسان البطل من خلال صور حياته وصراعاته، حيث تقوم الحرب بأكبر شاهد على هذا الصراع.
أما القسم الثالث، وهو عدد من القصص القصيرة جدا (خمس عشرة قصة) لكل قصة عنوان أقرب إلى التجريد إيحاء بالمضامين الفكرية والإشارات الرمزية، بالرغم من أن عنوان القسم "قصص بدون عنوان"!
تتبدى ظواهر المراوغة في الشكل والمضمون من خلال سرديات السيد نجم، كمحاولة، على ما يبدو، لنحت قصصه الخاصة التي يعرف بها.
أما النقاد شوقي بدر يوسف، فقد أعطى لدراسته عنوانا استنبطه من قراءة شاملة وإحاطة لمضامينها عامة "مجموعة غرفة بلا جدران واستراتيجية المعنى".
يشير الناقد إلى أن مجمل القصص تحاكى الواقع ومزجه بوقائع التخيل، أما المحاكي فهو نسيج تجربة الكاتب الذاتية الممتزجة مع شيء من التخيل.
يقول يوسف "جسدت قصته الطويلة "غرفة ضيقة بلا جدران" الفترة الزمنية التي قضاها القاص مجندا بالقوات المسلحة أثناء فترة حرب أكتوبر. وجدت ظلالها على شخصية القصة التي وجدت نفسها إزاء عالم مغلق (بلا جدران). أراد القاص من خلالها مناقشة إشكالية "الألم واللذة" كمعنى استراتيجي للنص، من خلال متتالية بلا حكاية بالمعنى المتعارف عليه. لقد كانت تجربة المرض بالنسبة له وكأنها تجربة الحرب تماما."
ويرى الناقد أن "القسم الثاني تحمل قصصه أغلب سمات القسم الأول، وربما استجابة لنفس التيمة من تجسيد لفكرة الألم واللذة. ففي قصة "في الحرب نسمع ونرى" نجد مستويين للحكي، مستوى الحكي أو الحرب ومستوى العتمة التي أحاطت بالشخصية ومديرة أثناء التنزه في مكان ما. كلا المستويين يمثلان واقع الأزمة، وجهان لعملة واحدة. يقول "الحرب ألبستنى صفات لم أكن أعلم معناها." وتتوالى الصور حتى يقتل الرجل رئيسه عن طريق الخطأ، ربما، حتى تنتهي القصة "لأن الحرب علمتني الشجاعة.. ارتميت فوق صدره، أتسمع نبضات قلبه.. وعلمتني القوة، فحملته بذراعي وحدي حتى باب منزله.. وعلمتني النظام، فاتصلت بشرطة النجدة، رويت على مسامع الضابط الشاب العفي بكل التفاصيل، رويتها له ثم أقسمت أنني لم أقتله، وأن هذا كل ما حدث."
ويبحر الناقد في القسم الثالث من المجموعة، ويقول "الملاحظ أن الكاتب استخدم لها أيضا نفس المتخيل الذي استخدمه في القسمين السابقين، ونفس عناصر القص باستثناء هذا التقطير والاقتصاد في الكلمات ليفرغ شحنة المضمون في هذا الحيز الضيق من السرد. قصة "البهيمة" تجسد الأحلام المسيطرة على هواجس الناس من خلال "البهيمة" الرمز التي يحتاجها الناس، بحيث يحيل كل شيء إلى صورة تتجسد في عقل الجميع، وهو ما جعل الجميع مشغولين بالتفكير فيها."
هناك إستراتيجية ملحة في قصص السيد نجم وفى معناها، تدور حول فطرة الألم واللذة أكيد.