الشارقة تمنح جائزتها في الإبداع المسرحي للفنان سعد أردش

بقلم: بريهان قمق
خمسون عاما من الإبداع تتوجها جائزة الشارقة

الجوائز تسبب ارتباك البوح، ولكن ثمة اتفاق مبهج، على أنها حق المبدع في حياته، واعتراف المجتمع الاخلاقي بحقه، لذا أتوقف بكثيرمن التقدير لاختيار اللجنة المكلفة باختيار الشخصية الإبداعية للفوز بجائزة الشارقة للإبداع المسرحي في دورتها الأولى للعام الحالي 2007 والتي تروح للمسرحي الكبير د.سعد أردش.
الجائزة على وجه الخصوص والتي تأتي في سياق جوائز إبداعية متعددة ودقيقة الانتقاء تنظمها دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة في مجال الإبداع والنشر والفنون، تأتي تقديرا للجهود الإبداعية والثقافية والفكرية طوال نصف قرن من ذاكرة المنصات العربية قد عايشها هذا الفنان القدير.
كما علمنا بأنه سوف يتسلم جائزته بحفل مهيب يليق به وبتجربته الطويلة الكبيرة في مراسم خاصة تواكب اليوم العالمي للمسرح والذي يصادف يوم 27 من الشهر الجاري، حيث سيلقي الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم إمارة الشارقة رسالة المسرح في مقر اليونسكو بباريس، بصفته كاتب مسرحي والشخصية العالمية التي جمعت بين السياسة والثقافة بتناغم مميز وانحياز يتبدى بوضوح في يوميات وأنفاس إمارة الشارقة، والتي تنحاز للذاكرة ببهجة الروح المنطلقة إلى العلن لأزهار المسرح التي عمّرت لعقود عبر تجربة وخبرة ثرية للكاتب والمخرج والممثل والأكاديمي والباحث المبدع د. سعد عبد الرحمن قردش، الذي اشتهر بسعد أردش والمولود عام 1924، محققا للثقافة العربية وللفن المسرحي رؤية حضارية أساسها معرفة وعلم وبحث وإحساس بالأبعاد الجمالية والفنية التي تشكل هوية الخطاب المسرحي.
حيث راح منخرطا بمرجعيات ثقافية متعددة ومدارس مسرحية عريقة بهدف هضم الخبرات الإنسانية و تفعيل العمليات الإبداعية التي تجعل من عالم المسرح ورموزه وعلاماته وفضاءاته ومن الإخراج ومن التنظير ومن النقد خرائط مميزة للإبداع المسرحي العربي.
هذا المعلم المربي المبدع، الذي تنقل عبر مواقع متعددة ما بين أستاذ ورئيس قسم التمثيل والإخراج بالمعهد العالي للفنون المسرحية، ومن ثم مديرا لمسرح الجيب، ومديرا لمسرح الحكيم، ورئيسا لقطاع الفنون الشعبية والاستعراضية، ورئيسا للبيت الفني للمسرح، ظلّ على الدوام بمثابة الروح والرؤية داخل فضاء المسرح طوال ستة عقود مؤسسا حساسيات فنية مستجدة لواقعية مسرحية تسبر أغوار الإنسان وتصدعاته، كما أنه انهمك باحثا محللا فيما هو محيط بهذا الفرد، الذي كان منسيا في فضاء المسرح، عبر علاقاته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وتفاعلاته معها.
وبذلك راح لتأسيس "المسرح الحر"، ومن ثم "مسرح الجيب" الذي بدأ في وقت مبكر اشتغالاته التجريبية غير المسبوقة في مصر ساعيا إلى إيجاد حلول مسرحية مبتكرة ذات أبعاد جمالية مغايرة لما هو مألوف في العروض المسرحية الواقعية كفكر وتعبير وتفاعل مع المتغييرات السياسية والاجتماعية التي تزامنت وثورة يوليو في مصر.
أحدث قبل نصف قرن باشتغالاته الابتكارية ثورة فنية عمّا كان متعارفا عليه وسائدا في الأداء المسرحي على شاكلة التمثيل بالصوت وحركة اليدين الافتعاليّة، وراح عبر جملة اشتغالات على الممثل كطاقة إبداعيّة جوّانيّة فاتحا الطريق ظهور لحظات خلق متوهجة وممتلئة بالفكرة والاجتهادات والرؤى التي تشتغل في النفس والعقل والشعور فاسحا لها المجال لتحيي فضاءات المسرح وتنير خشبته المقدسة، معلنة تعبيرها الداخلي. ولملمة المكسور وتكوين ما ضاع، فحضر الأداء التلقائي الصادق الممتليء بالشعر والمتوقد والصوت الداخلي العميق، وتوهجت طاقات تمثيلية جديدة عبر تدريبات صارمة وأصوات وانفعالات إنسانية ما كانت مألوفة وسط ضجة الانفعال المفتعل أو العمل الارتجالي الذي كان سائدا كما أسلفت على خشبة المسرح مرحلة الخمسينيات من القرن العشرين.
تأثر سعد أردش بالمسرح البريشتي إلى أبعد الحدود، وإن كان لا يخفي إعجابه بسوفوكل وتشيخوف والحكيم وسارتر وبيراندللو ونعمان عاشور وسعد الدين وهبه والفريد فرج ويوسف إدريس ومحمود دياب وغيرهم ممن أحبهم وآمن بهم. إنما الرؤية البريشتية للمسرح كأداة تثوير وتنوير واستفزاز وحوار للمجتمع، أخذت بكيانه إلى فضاءات واسعة في مفهومه للغة المسرحية وهو ابن بيئة عالم الجنوب العالم النامي والمتخلف حيث الإشكالية الحضارية. ولعله بهذا الفهم ووفق أيدولوجيته اعتبر المدرسة البريشتية الثوروية التعليمية أداة تغييرية ضرورية لهذه المجتمعات التي تسعى للتحرر والبناء والتغيير.
لذلك حاول أقصى طاقاته منذ السنة الأولى لإنشاء مسرح الجيب على العمل في المسرح التعليمي من خلال البرنامج الأول، ثم تلاها بمسرحية الإنسان الطيب في مسرح الحكيم عام 1966 ثم دائرة الطباشير القوقازية في المسرح القومي 2007.
ظل لما يزيد على نصف قرن يحرث في الأرض الملتبسة المضطربة، راصدا الأوجاع والكوارث والأحلام التي لم تتحقق، إلاّ أنّه ظلّ وفيا للمبادئ التي اعتنقها. و قام بإخراج ما يزيد على الخمسين عملا مسرحيا من التراثين العربي والعالمي في المجالين الدرامي والغنائي للمسرح المصري، منها:
"في سبيل الحرية" فكرة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر وإعداد عبد الرحمن فهمي، "الأرض" عن رواية عبد الرحمن الشرقاوي، "لعبة النهاية" لصمويل بيكيت وترجمة علاء الديب، أول مسرحية عبثية في مصر، "سكة السلامة" لسعد الدين وهبه، "أنتيجون" لسوفوكليس وترجمة طه حسين، "الذباب" لجان بول سارتر، "البرجوازي" لموليير، "الإنسان الطيب من ستشوان" لبرتولد بريخت وإعداد صلاح جاهين، "دائرة الطباشير القوقازية" لبرتولد بريخت وإعداد صلاح جاهين، "ماهاجوني" لبرتولد بريخت وترجمة يسري خميس، "الجنس الثالث" ليوسف إدريس، "باب الفتوح" لمحمود دياب، "الزير سالم" لألفريد فرج، "النار والزيتون" لألفريد فرج، "الحامي والحرامي" لمحفوظ عبد الرحمن، "كاليجولا" لالبير كامي وترجمة يوسف فرنسيس، "الفرس" لاسكيلوس، "الحرافيش" لعبد الرحمن شوقي وأشعار صلاح جاهين، "حبيبتي يا مصر" لسعد الدين وهبه وأشعار صلاح جاهين، "يا طالع الشجرة" لتوفيق الحكيم، "الشبكة" لبرتولد بريخت، وغيرها كثير.
كما قام بتمثيل العديد من الشخصيات الفنية في المسرح والسينما والإذاعة والتلفزيون ببراعة، واشتهر بصوته الرخيم العميق الحساس وبقدرته على تغلغل الشخصيات التي جسدها وبرهافة في الأداء.
بالإضافة إلى عمله الإبداعي الإخراجي والتمثيلي والإداري أيضا، فقد انشغل بمجال التأليف والترجمات، وله العديد من المؤلفات الهامة منها: "المخرج في المسرح المعاصر" عام 1979 الذي يعد اليوم من أبرز المراجع الدقيقة عن التطور في الإخراج المسرحي في أوروبا. بالإضافة إلى كتاب المسرح الإيطالي 1965.
وله عشرات البحوث والدراسات العلمية في المسرح والحركة الاجتماعية المنشورة في المجلات المتخصصة في الثقافة المسرحية في مصر والعالم العربي.
أمّا في مجال الترجمة فقد قام بترجمة أعمال مسرحية إيطالية مهمة للعربية منها: "خادم سيدين" و"ثلاثية المصيف" لكارلو جولديني، "جريمة في جزيرة الماعز" و"انحراف في قصر العدالة" لاوجوبتي، "الحفلة التنكرية" لالبرتومورافيا، و"بياتريس" لتشنشي، وغيرها.
سعد أردش امتلأ بالمعرفة والعمل، وظل تحت كل الظروف وكرامة الثبات على قيم الفن باعتباره أولا وأخيرا: فعل نبيل. فحاول جاهدا أن يجعل من المسرح مدرسة لتعزيز الوعي بالذات وبالمحيط الاجتماعي والسياسي، وبمرارة شديدة كان السؤال: كيف يتحول مسرحنا المصري والعربي إلى خلاعة وسطحية؟ رغم الخلاعة ورغم الانكسارات السياسية والاجتماعية والثقافية ورغم الظروف الضاغطة ووسط هيمنة المسرح التجاري، الفارغ من المضامين والأهداف، واكتساحه الثقافة العربية والذائقة المجتمعية، ترفّع سعد أردش عن غرض الإلهاء والترفيه المسف مستندا على ما يكتنزه من إيمان بأن المسرح مؤسسة ثقافية تتبلور وظيفتها الأولى والرئيسية في نقد الواقع وكشفه من خلال الحوار مع الجمهور عمّا هو أفضل.
الجائزة ربما لن تضيف للواقع شيئا ولن تغير من بوصلة اللحظة وكل هذه الانكسارات، ولكنها بالتأكيد عناق دافئ للقامة الحزينة، همس المحبة واعتراف أننا بعد كل هذا الزمن، بعد ما زلنا عالقين أسفل درجات سلم الدول النامية في الجنوب، بعد ما زلنا بالكبرياء الجريح نحلم بالخبز والورد.
المبدع سعد أردش لحظة اعتلائك المنصة كي تحمل جائزتك ستتمتم شفاهي مرددة:
أتمنى أن يعود المسرح إلى عصره الإغريقي الذي كانت فيه الأعراف تلزم مواطنيها ليشاهدوا ما يقدم على المسارح. المسرح الذي في سلته نحن بكل تشظينا وانفراط عنقودنا نستنهض مدينتنا الفاضلة المؤجلة ونبحث عن نقطة ضوء ممكنة تدفعنا كي نتحاور نفكر بالبرهة عوضا عن استباحة دم بعضنا بعضا. بريهان قمق