في سوريا، الحريات العامة أولا

لا يجد الكثير من كتاب الصحافة الرسمية في سوريا حرجا في الحديث عن "الديمقراطية" التي تتمثل في انتخابات مجلس الشعب القادمة، اذن فنحن لدينا ديمقراطية دون أن نعلم، وهي ديمقراطية "بلدية" وليست ديمقراطية مستوردة.
لكن الديمقراطية تقتضي وجود حرية الرأي، والتعددية، وحرية الصحافة، وحرية تشكيل الأحزاب، وتلك هي المرحلة الأولى التي تؤسس لأية ديمقراطية حقيقية.
وغني عن القول أن حرية الرأي هي أبسط مقومات الديمقراطية وشرطها الأول، كما أن الأوكسجين هو شرط الحياة لأي كائن حي، أما القول بوجود "ديمقراطية بدون حرية رأي" فهو كلام لا يقبله عاقل سواء أكان سوريا أم كان من جزر هاييتي.
في الفترة السابقة كان يقال: تريدون ديمقراطية؟ الا تعلمون أن مجتمعنا له خصائصه الذاتية، وأن نبتة الديمقراطية "المستوردة" غير قابلة للحياة في تربتنا الوطنية، حسنا فإذا كانت أربعون عاما غير كافية لاستنبات "ديمقرطية محلية" فمتى سيتم ذلك بعون الله!
وهل الشعب في سوريا أقل تحضرا من الشعب اليمني أو الموريتاني؟
لقد بدأت سوريا تجربتها الديمقراطية منذ الأربعينات من القرن الماضي، وعاشت أفضل انجازاتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في ظل تلك التجربة، وتصدت في الخمسينات للتآمر الخارجي والأحلاف والضغوط بفضل الديمقراطية وتلاحم الشعب مع الحكم، فماذا حل بهذا الشعب ليصبح غير مؤهل للحريات والديمقراطية بعد خمسين عاما من تلك التجربة؟
حرية الرأي لا تعني السماح بالتعبير عن رأي واحد، هو رأي السلطة (أية سلطة)، ولكن تعني السماح بالتعبير عن الرأي الآخر، وإتاحة الفرصة له للظهور، واحترامه والحوار معه، وحين لا يكون ذلك متاحا فما هي الفائدة التي ترجى من نائب في مجلس الشعب لا يعرف سوى كلمة نعم.
وفي ظل وضع كهذا من هو المرشح الذي يتقدم للانتخاب؟
مرة واحدة تمنيت أن أسمع مجلس الشعب يناقش السياسة الخارجية وينتقدها فهل حصل ذلك مرة واحدة خلال الدورات التسع الماضية!
مرة واحدة تمنيت أن يثار في مجلس الشعب نقاش جدي يستقطب المجتمع ويكون حديثه كما يحدث في كل برلمانات العالم!
مرة واحدة تمنيت أن يظهر نجم برلماني كشخصية سياسية ذات حضور ومواقف مشهودة.
مرة واحدة تمنيت أن يتقدم برلماني بطلب جدي لسحب الثقة عن أية حكومة، وأن تعقد جلسات مساءلة تستتبع تغييرا وزاريا أيا كان.
اذن لماذا تضييع الوقت، وصرف الأموال، وتلويث البيئة بالملصقات واللافتات، من جهتي لا أجد سببا للذهاب للاقتراع، فإذا كان صوتي مهما فليسمح له بالظهور قبل صناديق الاقتراع، وإذا لم يكن مسموحا له بالتعبير فهو ليس مهما في الاقتراع.
أيها السادة: خذوا مجلس الشعب وصناديق الاقتراع وأعطونا حرية الرأي. معقل زهور عدي