قطار سلامٍ سكَّته 'التطبيع'!

وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبني ليفني اقترحت، ضمنا، أفكارا يمكن تحويلها إلى "مبادرة سلام إسرائيلية" إذ دعت القمة العربية المقبلة في الرياض إلى "تحلية" مياه "مبادرة السلام العربية (السعودية الأصل)"، أو تنقيتها من "الجوانب السلبية"، و"البنود الإضافية"، التي تتعارض، على ما قالت، مع مبدأ قيام دولتين.
وقد خاطبت ليفني قمة الرياض قائلةً: لا تنتظروا سلاما قبل التطبيع.. انتظروه بعده، فاليوم تطبيع، وغدا سلام. وبين هذا "التطبيع القَبْلي" و"السلام البَعْدي" قد تتعاقب أجيال. الصراع (بين إسرائيل والفلسطينيين) يمكن ويجب أن ينتهي؛ ولكن ليس بحسب الخطة التي تضمَّنتها "مبادرة السلام العربية"، فنهاية هذا الصراع تبدأ بتطبيع الدول العربية لعلاقتها، بأوجهها كافة، مع إسرائيل. وفي مناخ "التطبيع القَبْلي" هذا، يبدأ تفاوض سياسي جديد بين إسرائيل والفلسطينيين. وهذا التفاوض ينتهي إلى حل نهائي يتَّفِق مع مبدأ قيام دولتين. وتوصُّلاً إلى تفاوض كهذا، ينتهي بحلٍّ كهذا، لا بدَّ لـ "مبادرة السلام العربية" من أن تعود إلى نقاء "السطر" الذي من رحمه وُلِدَت. و"الشوائب" التي يجب أن تخلو منها "المبادرة" هي "حق العودة"، و"حظر التوطين"، و"خط الرابع من حزيران" في الضفة الغربية.
على الدول العربية، بحسب "الأفكار ـ المبادرة" التي اقترحتها ليفني على قمة الرياض، أن تُكيِّف "الحقوق (القومية) الفلسطينية" مع "الحقائق (الإسرائيلية) الجديدة"، التي كيَّف الرئيس بوش سياسته معها، فسلَّم شارون "رسالة الضمانات"، التي كَسَت بعضا من عِظام "خريطة الطريق" لحما.
وهذا "التكييف العربي" المُقْتَرَح، إسرائيليا، لا يَظْهَر، ولا يتأكَّد، إلا إذا التزمت قمة الرياض حلا نهائيا لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين، يقوم على الاعتراف العربي (والفلسطيني) بـ "يهودية" دولة إسرائيل، فلا يعود لاجئون فلسطينيون إلى ديارهم، أي إلى إقليم تلك الدولة، وتوطَّن غالبية اللاجئين الفلسطينيين في البلدان العربية التي يقيمون فيها؛ وبعضهم في بلدان أخرى. ومع اتِّخاذ "التوطين"، وتوأمه "التعويض المالي"، مبدأً جوهريا للحل النهائي لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين، يَفْقِد مبدأ "حل مشكلة اللاجئين بالدولة الفلسطينية، وفيها" أهميته العملية.
ليفني تفهم مبدأ قيام دولتين (إسرائيل وفلسطين) على أنَّه مبدأ لا يتعارض، ويجب ألا يتعارض، مع مبدأ "يهودية دولة إسرائيل"، الذي تفهمه على أنَّه قبول دولي وعربي وفلسطيني لإسرائيل بصفتها دولة يؤلِّف اليهود الغالبية العظمى من سكانها، حاضرا ومستقبلا. وقد تتعزَّز يهوديتها بـ "تنقيتها" من جزء كبير من مواطنيها العرب.
وتفهم إقليم دولة فلسطين على أنَّه قطاع غزة كاملا مع جزء من الضفة الغربية، فثمَّة جزء منها، يتجمَّع فيه المستوطنون، وتتجمَّع فيه، أيضا، مصالح إسرائيلية استراتيجية أخرى، ويجب أن يُضمَّ إلى إسرائيل، التي قد تعوِّض الفلسطينيين خسارتهم الإقليمية بشيء من إقليمها.
إذا أعادت قمة الرياض كتابة نص "مبادرة السلام العربية" بما يلبي تلك الشروط والمطالب الإسرائيلية، وإذا أعقبت هذا العمل بتطبيع لعلاقة الدول العربية بإسرائيل، يصبح ممكنا، عندئذٍ، أن تحظى تلك "المبادرة المُطَبَّعَة"، أي التي أُعِيدَت إلى "طبيعتها".. إلى "سطر فريدمان"، بقبول إسرائيل، فيبدأ بينها وبين الفلسطينيين تفاوض سياسي جديد، تتزوَّد عربته وقودا من "التطبيع"، حتى تصل إلى محطَّة الحل النهائي، الذي يقوم على "الأفكار ـ المبادرة" التي شرحتها ليفني!
هل تقبل الدول العربية؟ ليفني شجَّعت العرب (الدول العربية) قائلةً لهم: "إنَّ لديكم القدرة على تغيير الواقع.."، فلا تترددوا، فإنْ قصَّرتم (وأنتم القادرون) وتردَّدتم، فلسوف يطول انتظاركم لقطار السلام، الذي لا سكَّة له سوى "التطبيع القبلي"، الذي يُدشِّنه "تطبيع المبادرة"! جواد البشيتي