أوقفوا هذا الجنون

جنون ما يجري في غزة، جنون وأي جنون، ألهذه الدرجة وصل بنا الحقد والجنون، أين العقل يا أصحاب العقول؟ وأين الدين يا دعاة الدين؟ أين علماء الدين وأين دعاة الإنسانية؟ وهل هذه هي الديمقراطية التي نتشدق بها؟ لم نعد نحتمل بعضنا، كل فريق منا يريد أن يشطب الآخرين ويلغيهم مع أن الوطن يتسع للجميع بل يجب أن يتسع للجميع، يجب أن تتعايش الآراء المختلفة لأن باب الاجتهاد لا يمكن أن يقفل بل يجب أن يظل مفتوحا على مصراعيه، لقد أصبحنا نتصارع على أتفه الأمور، في السجون كانوا يتنافسون ويتصارعون على من يكون شاويش الخيمة وشاويش القسم والمردوان، والآن نتنافس في سجن غزة الكبير على من يتولى الإشراف على هذا السجن تحت سمع وبصر الاحتلال، أذكر كيف كانت تنشب الصراعات لأتفه الأسباب داخل المعتقل ولكن دون اللجوء إلى استخدام السلاح، وكانت إدارة السجن ترش المعتقلين بالغاز المسيل للدموع لفض النزاع، بينما ينشب الصراع داخل سجننا الكبير في غزة والسجان الإسرائيلي يفرك يديه فرحا وينتشي طربا، أليس من واجبنا أن نخجل وأن يكون لدينا قليل من الحياء؟ حرمة الأقصى تنتهك وحرمة الوطن تستباح في نابلس وفي كل أنحاء الضفة الغربية بينما يقتل الأخوة بعضهم بعضا في غزة وينفذون ما عجز الاحتلال عن تنفيذه، ترى هل كفرنا بالوطن وصرنا كالمشركين نخرِّب بيوتنا بأيدينا ونهدم ما أنجزناه لخدمة هذا الشعب.
كفاكم استهتارا بدماء شهدائنا وآلام جرحانا وعذابات أسرانا، فالوطن ليس ملكا لأي فريق منكم، الوطن لنا جميعا، ومن حقنا أن نقول لكم كفى.. كفى.. كفى يكفيكم تهورا وجنونا، لأننا لم نضح بوظائفنا وبلقمة عيشنا وبفترة من حياتنا في السجون لنصل إلى هذه الحالة المزرية والمخزية، لم يضح شهداؤنا ولم تنزف دماء جرحانا لنصل إلى هذا الوضع غير المرضي، حرام عليكم ما يحدث، ارحموا شهداءنا في مثواهم الأخير، أريحوا أسرانا في سجونهم، لماذا تقتلون بعضكم ولماذا تدمرون بيوتكم بأيديكم، كنا نعتز عندما تهاجمنا قوات الاحتلال، نعتز بصمودنا، نعتز بجراحنا ونرى فيها أوسمة لنا، كان السجانون ينظرون إلينا بعين الخوف والحسد على صمودنا ! والآن نهدم كل ما بنيناه من احترام لنا ولشعبنا، كل ذلك من أجل سراب موهوم يحسبه الظمآن ماءً، تقتلون بعضكم من أجل سراب زائف ومن أجل سلطة منقوصة لم تكتمل ومن أجل دولة لما تولد بعد، ستجهضون كل ما أنجزه المناضلون عبر مراحل نضالهم المختلفة.
نسألكم بالله وبالوطن وبالشعب الصابر والمكلوم أن ترحمونا من هذا الحب القاتل وأن تحتكموا إلى العقل، ليس هناك ما يستحق سفك الدماء من أجله، ترى: أيهما أفضل: الذهاب إلى حرب أهلية أم الاحتكام إلى العقل والشعب، ليس أمامنا سوى أحد خيارين لا ثالث لهما: الاتفاق على حكومة وحدة وطنية تنتفي عنها العصبية الحزبية وأن نتعامل بقلوب مفتوحة أو التوافق على التوجه إلى انتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة حتى نتخلص من هذه الازدواجية المقيتة، لنعط الشعب حقه في تجديد ثقته بمن برى أنهم الأقدر على تحقيق طموحاته، وإذا شعر الناس أنهم أخطئوا فإن من واجبهم أن يصلحوا خطأهم، أما التمترس خلف مقولة أن الشعب قال كلمته وكفي وأن التوجه يجب أن يكون لانتخابات رئاسية فقط فهذا أمر يبقي الباب مفتوحا أمام الصراعات البغيضة والمخزية، فقد فقدنا احترام من كانوا ينظرون إلينا بعين التقدير والاحترام، أما الخشية من تزوير الانتخابات كما يبدي البعض مخاوفهم من ذلك فإن هذا الأمر مردود عليه بما جرى في الانتخابات السابقة في يناير 2006م، فقد كانت فتح تمسك بزمام الأمور في الرئاسة والسلطة ولم يحدث أي تزوير بشهادة العالم كله، والمتعارف أن من يستطيع التزوير هو الذي يمسك بزمام الأمور في الحكومة، ولو توجهنا إلى انتخابات جديدة فلن يحدث تزوير بضمانة العالم كله وفي طليعته دول الجامعة العربية، أفضل مائة مرة أن نتوافق على التوجه إلى الانتخابات المبكرة من أن نتوجه إلى الاقتتال والتسبب في تدمير قضيتنا وضياع وطننا نهائيا، من الأفضل أن يخسر البعض الانتخابات من أن نخسر أنفسنا وشعبنا ووطننا، إن من يثق أن الشعب يقف إلى جانبه لا يخشى التوجه إلى الشعب من جديد.
اتقوا الله في أبنائكم وإخوانكم ونسائكم وأطفالكم، فكم من الأطفال تيتموا وفقدوا آباءهم وكم من نساء ترملن وكم من بيوت أغلقت وفقدت معيلها، كم من أشخاص أصيبوا بحالات نفسية بعد اختطافهم من هذا الطرف أو ذاك.
لقد قلت في لقاء لي مع تلفزيون فلسطين بعد فك الارتباط مباشرة إن شارون خرج من غزة وهو يراهن على وقوع حرب أهلية وها نحن نحقق ما خطط له قبل أن يموت، ماذا لو استيقظ شارون من غيبوبته، من المؤكد أن قلبه سيرقص طربا وهو يشاهد نزيف الدم الفلسطيني، أكررها اتقوا الله في أنفسكم وارحموا هذا الشعب الذي عاني بما في الكفاية. د. محمد أيوب