جسد المرأة وشرف الرجل: الحجاب فضيلة أم وسيلة؟

الآن وقد هدأت الزوبعة التي أثارها وزير الثقافة المصري بتصريحه ان الحجاب عودة الى الوراء وان شعر المراة كالورود الممتعة للنظر، واشتعلت على اثرها ردود فعل متشنجة في مجلس الشعب المصري قام فيها نواب الحزب الوطنى الحاكم بالمزايدة على نواب جماعة الاخوان المسلمين "المحظورة"! في سباق لإثبات من الأكثر ورعا واشد ايمانا وتقوى، بما في ذلك صرخات تعلن ان "الشعب المصري كله مسلمين"! ماحين بذلك من الوجود عشرة ملايين مواطن قبطي، دون ان يقوم رئيس مجلس الشعب الموقر بالتدخل للتصحيح او التعقيب حتى لايعلو صوته على صوت حفلة الزار المنتصبة في الشارع المصري المهتاج دينيا منذ ثلث قرن!
الآن وقد سكن غبار هذه الزوبعة دون الوصول الى اية نتيجة، على عادة كل الزوابع التي تثار في مصر بعد الحين والحين فتحتقن من اجلها الوجوه وتتعالى صيحات الاتهام ثم يمضى كل الى طريقه دون اتخاذ اى عمل او سن قانون او تعديل وضع وهى عادة المجتمعات الصوتية التي تتكلم ولا تفعل، يمكننا ان نتأمل في هدوء ليس فقط في الفكر الصانع لهذه الزوبعة ولكن في الثقافة التي تقف وراء كافة ابعاد المنزلق الحضاري الذي يعاني منه المجتمع المصري – والعربي – اليوم.
فى هذا الاطار اطرح الملاحظات والافكار التالية: الطريق الى الله فى نفس اللحظة التي كانت فيها مصر بأوساطها السياسية والدينية والثقافية والاعلامية منهمكة على مدى حوالى شهر كامل في معركة الحجاب- في احتشاد عظيم للآيات المؤيدة والاخرى المعارضة وفي كر وفر وتهديد ووعيد يصل دائما في المعارك الدينية الى حد التكفير وما يصحبه من حل للدم وتهديد للحياة.. في نفس تلك اللحظة كانت مركبة الفضاء الاميركية الجديدة تنطلق من قاعدة كاب كانافريل بولاية فلوريدا تحمل عددا من رواد الفضاء الذين ما ان افلتوا من جاذبية الارض حتى وصلوا الى محطة الفضاء الدائمة السابحة في الفلك فخرجوا من مركبتهم الفضائية وراحوا يقومون بأعمال الصيانة والتجديد والاصلاح لآجهزة وكابلات المحطة لكي تزداد قدرتها على اداء مهامها من رصد للكواكب ومتابعة لحركة الافلاك والبحث عن اسرار الكون والحياة.
ومادامت الحياة المصرية والعربية قد أصبحت في حالة انجذاب ديني مستمر بشكل خرج عن الطبيعي والسوي وأصبح حالة من المرض النفسي- الاجتماعي الذي يستوجب الفحص والعلاج فدعنا نسأل سؤالا دينيا اذن: ايهما اكثر اقترابا من الخالق عز وجل؛ الجالسون على كراسيهم في حجرات فاسدة الهواء وعلى مقاهي مفتوحة طوال الليل والنهار يتجادلون حول مساحة ما يجب ان يغطى ويظهر من شعر المرأة او وجهها او جسدها – وهو نفس الجدال الذي كان اجدادهم ينشغلون به في مصر منذ قرن من الزمان، ام الآخرون الفالتون من الجاذبية الارضية المنطلقون في الفضاء الكوني الهائل يشيدون به محطات دائمة ويستكشفون به اسرار الكون وقوانين وجوده وحكمة خالقه فيه، ثم يعودون الى الارض لمواصلة المغامرة الانسانية لابتكار حضارة تتجدد وتتقدم كل يوم؟
هل يمكن ان يتصور احد ان الخالق العظيم سيسعد اكثر باولائك الخاملين الفارغين الا من الكلام والضجيج والتهديد والوعيد مهما راحوا يسجدون له ويرددون صلوات لاتثمر شيئا في حياتهم ولا تتحول الى سلوك جاد جميل بهي ولا الى عمل مفيد للإنسان فيرضى بذلك الله؟
ان الفهم الطفولي للدين ومايطلبه الله من الانسان- وهو الفهم السائد في الثقافة العربية اليوم- قد جرد الدين من أجمل معانيه وأنبل مقاصده.. وحوله – على ايدي دعاة وامراء جماعات وشيوخ جلهم غير متعلم – الى سلسلة لا تنتهي من العبادات والطقوس والاوامر والنواهي والفتاوي التي تطال ادق تفاصيل الحياة اليومية، والتي يتحول فيها الانسان الى "عبد" ذليل ليس عليه سوى الطاعة العمياء. فعليه قبل ان يدخل من باب ان يستفتي شيخه ان كان من الحلال ان يخطو بقدمه اليمنى ام اليسرى! ان الفكر الأصولي يريد تحويل العربي المسلم - تحت نير الثقافة الدينية اللغوية السلطوية السائدة - الى انسان مخصي العقل، لا يملك ان يفكر في اي امر من امور حياته، فالشيخ وحده هو من يحل ويربط له، فكيف لانسان كهذا في حالة العبودية العقلية والتبعية الشخصية هذه ان يبدع او ينجز او يبتكر او يخترق حواجز المتداول المتعارف عليه لكي يحقق السبق والفوز في اي مجال من مجالات الحياة؟
متى نصل الى ادراك ان البحث العلمي هو انبل صلاة يمكن ان يرفعها انسان، وان المعادلات والرياضيات هي اجمل الآيات. جسد المرأة وشرف الرجل قبل زوبعة الحجاب بقليل، تناقل الاعلام الدولي تصريحا لمفتي استراليا يلقى فيه اللوم في جريمة اغتصاب على النساء لان لحمهن العاري يثير غرائز الرجال ويدفعهم للاعتداء عليهم، وقال ما معناه كيف نلوم الذئاب او الكلاب المسعورة اذا مانهشت اللحم العاري؟ وقال ان هدفه النبيل هو حماية المرأة لذلك يرى وجوب ان تتحجب وتستر لحمها.
هذا الفكر الذي يلوم الضحية ويوقع على المرأة اللوم فيما تتعرض له من اعتداءات من قبل الرجل هو فكر قديم. فتاريخ البشرية هو – فى احدى اهم صوره - تاريخ تسلط الرجل على المرأة في الاطار الاوسع لتسلط القوي على الضعيف، وهي شريعة الغاب التي جاءت الحضارات المتتابعة لتغييرها والرقي بها بإدخال قوانين تحمى الضعيف من بطش القوي في مساواة للجميع امام القانون.
في مجتمعات سيادة القوة الغاشمة والبلطجة المقنعة وغير المقنعة امتلك الرجل المرأة كجزء من ممتلكاته، وكان يقوم بتوزيعها كما يشاء على اقرانه كزوجة او جارية او خادمة او عشيقة. وتحكم الرجل في زواج ابنته وكثيرا ماباعها لمن يدفع اكثر. وتحكم الزوج في زوجته وقام بتقنين القوانين التي تحافظ على ملكيته للمرأة مثل عقوبة الموت بالرجم للزانية والحرق للمارقة والضرب للناشزة والحبس في بيت الطاعة للمحتجة المتمردة والتطليق على الهوى واصناف اخرى من الاذلال والتعذيب والاضطهاد والاستعباد.
وقام الرجل باسباغ هالات من القداسة والشرف والحرمة على جسد المرأة لكي لا تمسه يد رجل آخر، فاعتبر ان شرف المرأة هو جسدها وبالتحديد هو غشاء بكارتها وهي عذراء واستمرار حصر شرفها فيما بين فخذيها بعد ذلك مدى الحياة. فالفضيلة الاسمى لدى المرأة وشرفها الاعظم والاوحد ينحصر في جسدها. وكان المحاربون في العصور الوسطى بأوروبا يجبرون زوجاتهم على ارتداء "حزام العفة" الحديدي والاحتفاظ بمفتاح قفله معهم لمنعها من مضاجعة رجل آخر. اما شرف الرجل ففي كلمته وهيبته وشجاعته ورجاحة عقله. وهكذا قام الرجل- واضع القوانين ومفسر الشرائع والمفتي بالحلال والحرام للبشر- بتحويل المرأة الى جسد –او شيء من الاشياء- يمتلكه ويتحكم فيه ويضربه ويقتله ويضاجعه ويبيعه ويشتريه على هواه متى شاء واينما شاء، وروج لملكيته هذه بتفسيره للشرائع والآيات والاحاديث وبتحويله لتفسيراته الى قوانين واعراف وعادات.
وكان من اهم مظاهر تأييد إمتلاك الرجل للمرأة أنه فرض عليها ما تلبسه وحرم عليها رؤية رجال آخرين، فهو يريدها ملكا خاصا له وحده تشبعه غذائيا وجنسيا وتمنحه الخلف من الاولاد اساسا ومن البنات اضطرارا، وكان العرب في الجاهلية يوأدون البنات حتى جاء الاسلام محرما ذلك. ولكن بقيت معظم العادات البدائية الاخرى المتعلقة بامتلاك الرجل للمرأة يمارسها الرجل في ارتياح وكثيرا ما يلجأ للي معاني الايات والاحاديث لتبرير استمرار تسلطه على المرأة وتحكمه في سلوكها.
مع تطور الحضارات في المجتمعات الغربية راحت تتراجع ببطء شديد فكرة حصر شرف المرأة في جسدها، ومع عصر النهضة وحركة التنوير تحررت المرأة تدريجيا من تسلط الرجل واصرت على تغيير المفهوم البدائي الذي يحصر شرفها فيما بين فخذيها وطالبت بالمساوة الكاملة مع الرجل. واستطاعت المرأة في الحضارة الغربية ان تقطع اشواطا هائلة نحو المساواة الكاملة واصبحت هي- وليس زوجها – من تملك جسدها. ولم تعد المرأة تتبع الاوامر الدينية التي يلقيها عليها رجال الدين المسيحي طاعة عمياء، وكثيرا ما ترفض هذه الاوامر فنجد ان الاغلبية من النساء من الكاثوليك يستعملن اقراص منع الحمل رغم ان الكنيسة الكاثولوكية ما تزال مصرة على تحريم ذلك، وهكذا راحت المرأة الغربية تمارس حريتها وملكيتها لجسدها بشجاعة وجرأة حتى في وجه تحريم واضح من الكنيسة.
ولان المجتمعات العربية الاسلامية ما تزال الى حد بعيد خاضعة خضوعا كبيرا للتسلط الديني الذي يمارسه من يريد التسلط على الآخرين من امراء الجماعات او من الدعاة المتشددين او من منظمات متشددة مثل الاخوان المسلمين او من حركات متشددة كالوهابية، نجد ان المرأة المسلمة ماتزال تعاني من تسلط ثقافة ذكورية سائدة تتسلح بأشد التفسيرات الدينية تزمتا ورجعية لتبقي على تبعية المرأة للرجل وخضوعها له. ويأتي الحجاب الذي قام الاخوان المسلمين بنشره في مصر وبقية المجتمعات العربية حلقة اخرى من حلقات الصراع التاريخي بين المرأة وآسريها.
ولتأكيد تسلطهم على المراة يقدم المتزمتون والاخوان المسلمون عددا من الاساطير على انها حقائق وثوابت من ثوابت الدين ليصادروا حق الآخرين في التفكير والاعتراض كما ارادوا مع وزير الثقافة المصرى. وهذه هي بعض هذه الاساطير: الحجاب حرية شخصية يقول لنا الذين لايؤمنون بحرية الانسان في تغيير دينه ومعتقداته –لانهم يؤمنون بوجوب حد الردة الذي يقضي بقتل المرتد عن الدين- يقولون ان الحجاب هو شأن شخصي يتعلق بالحرية الشخصية للمرأة في اختيار ما تلبس وما لا تلبس.
هذا في نفس الوقت الذي يطالب فيه نواب الاخوان في مجلس الشعب بإلغاء مسابقات الجمال في مصر رغم ان النساء المشاركات بها يفعلن ذلك بمحض ارادتهن دون ارغام من احد كما ان الذين يشهدون هذه العروض يفعلون ذلك ايضا بإرادة حرة. فأين إحترام الحرية الشخصية هنا؟
وأتفق مع من يعتبر الحجاب امراً يتعلق بحرية المرأة في اختيار ما تلبس، على شرط ان تكون المرأة حرة فعلا في الاختيار، ولكن الأمر الذي حدث في مصر ليس كذلك، فقد كان الاخوان يروجون الرأي القائل ان الحجاب فرض ويتهمون بالكفر من يقول بغير ذلك، وكانت النساء في مصر يتعرضن لضغوطات هائلة لكي يتحجبن، كما كانت الاموال تتدفق من السعودية الوهابية لشراء الحجاب ومنحه مجانا للمصريات غير القادرات ماديا، هذا بينما اجبر الكثير من الازواج زوجاتهن وبناتهن على التحجب، وهناك من يحجب بناته في المدارس الابتدائية! فكيف يقال مع هذا كله ان المرأة لديها حرية الاختيار؟ ان حرية المرأة في اختيار حجابها في مجتمع اسلامي ذكوري متسلط هي أسطورة من الأساطير. الحجاب من أركان الاسلام كنا ندرس في حصص الدين واللغة العربية في المدارس المصرية ان الاسلام له خمسة اركان هي النطق بالشهادتين والصلاة والصوم والزكاة والحج لمن استطاع له سبيلا. ولكن اليوم أضاف المتشددون على مايبدو ركنا سادسا هو الحجاب!
وليس لي الدخول في مناقشة فقهية ولكن من حقي ملاحظة ان معظم فتيات وسيدات مصر في مدنها الكبرى في الخمسينات والستينات من القرن العشرين لم يكن محجبات. اعرف ذلك لانني رأيته بعيني! فهل من المعقول ان ملايين المصريين لم يعرفوا فرضا اساسيا من فروض دينهم في تلك الفترة؟ هل معقول ان يكون الحجاب فرضا ولا يقول ذلك شيخ الأزهر ووزير الاوقاف وكبار دعاة مصر وقتها؟!
المعقول هو ان الحجاب فرض فرضه الفكر الاخواني- الوهابي وليس الاسلام. وهناك علماء ودعاة ومتخصصون إسلاميون كبار يقولون ان الحجاب ليس فرضا ومنهم المفكر الاسلامى المعروف جمال البنا شقيق حسن البنا مؤسس الاخوان المسلمين. ومؤخرا اصدر الشيخ السوداني حسن الترابي تصريحات تجيز السفور وزواج المسلمة من غير المسلم.
ولكن الجماعات الاسلامية والدعاة المتشددين يسارعون الى تكفير هؤلاء واخراجهم من الملة لكى لايفسدوا عليهم حالة التسلط الذكوري التي يمارسونها على نساء مصر. فهم يصادرون ويكفرون الفكر الاخر ولايحترمون حرية رأى ولاحرية شخصية حقيقية. الحجاب يصون المرأة من شهوة الرجال يحاول المتشددون تقديم الحجاب على أنه مثال الفضيلة للمرأة وتقرأ لهم عبارات الهيام التي يصفون بها كل محجبة وكأن الحجاب قد حول المرأة الى قديسة من جنس الملائكة الاطهار، ولاشك ان هذا احد اساليب الترغيب التي يتبعونها. ولكن فكرة ان الحجاب تعبيرعن الفضيلة فكرة قديمة جدا ولم تعد ذات معنى في عصرنا هذا. فنحن نعرف الان ان الفضيلة هي خلق وشخصية سليمة وقدرة حازمة على ضبط النفس وادارة العلاقة مع الآخرين وأنها هي الصدق مع النفس ومع الآخر وانها هي المعاملة الحسنة والمحبة والرحمة والآمانة، وكل هذا لاعلاقة له بما ترتديه المرأة ولابمساحة ما يظهر من جلدها. ان حجاب المرأة في الغرب الأوروبي والأميركي يزيد من لفت نظر الرجال وليس العكس. فكيف يكون هذا من أجل حماية المرأة من نظرات الرجل؟!
أما فكرة ان المرأة التي تظهر شعرها او ذراعيها تثير غرائز وشهوات الرجال وتدفعهم الى الاعتداء عليهن فهي فكرة بدائية هي الآخرى. فإذا كان هذا صحيحا فكيف لانجد الشواطئ الأوروبية والأميركية وقد أصبحت مسرحا لحوادث الإغتصاب الجماعي؟!
إننا هنا نرى النساء شبه عاريات تماما مستلقيات تحت الشمس في استرخاء كامل والرجال حولهن في كل مكان ومع ذلك لم نشاهد رجلا واحدا يخرج فجأة عن طوره ويصيبه الهياج الجنسي ويهجم على سيدة راقدة عارية امامه لكي يغتصبها! ان آلاف الشواطئ في مئات المدن الغربية ومئات الملايين الذين يترددون عليها كل صيف هي الإدانة الفاضحة للفكر البدائي الذي روج له المفتي الاسترالي من ان لحم النساء العاري هو الذي يثير شهوة الرجال ويدفعهم لإغتصاب النساء. ان هذه اسطورة اخرى من الاساطير التي يطلقها الفكر الأخواني –الوهابى المنغلق المبتعد تماما عن كل ماهو واقعي وعصري وطبيعي ومتحرر في عالمنا اليوم.
والغريب ان المروجين للحجاب يقولون دائما.. وهل الأفضل هو ان تتعرى المرأة وتظهر مفاتنها للجميع كالعاهرات؟ وهذا إعتراض سخيف ومتهافت. فهل ليس امام المرأة سوى اختيارين هو اما ان تتحجب و تتنقب واما ان تتعهر؟ الا يرى هؤلاء الملايين من النساء في مئات المدن الغربية والشرقية وهن في اماكن عملهن في المكاتب والمصانع والمدارس في ملابس معتدلة انيقة لاهي بالمتزمتة ولا هي بالمتبرجة؟
ألا توجد حالة وسط كانت هي واقع الحال في مصر نفسها منذ ثلث قرن فقط، قبل ان يسود فكر الاخوان المتشدد والمعادي للحرية الحقيقية وللفكر والابداع والفنون؟
وقد يسأل البعض: ولكن لماذا كل هذا الهجوم على الحجاب؟ ولماذا تسارع دول عربية مثل تونس واوربية مثل فرنسا بمنعه او الحد منه في اماكن بعينها؟ ما الضرر في ان مسلمات مصر قد تحجبن وعدن الى ماقبل عصر فاطمة رشدي وقاسم أمين، حتى لو كان هذا بسبب ضغوط من الاخوان؟
والرد هو ان نجاح الاخوان في ترهيب وترغيب نساء مصر ومجتمعات اسلامية أخرى في ارتداء الحجاب – بأساليب الترهيب والترغيب التي ذكرتها – يعني نجاحهم في فرض رؤيتهم الدينية المتشددة على هذه المجتمعات، ومسيرة الحضارة هي مسيرة التحرر من التزمت الديني ولهذا فالعودة الى ذلك التزمت هي فعلا عودة الى الوراء كما قال وزير الثقافة المصري دون ان يشرح فكرته هذه او يساندها بالحقائق التاريخية والقرائن المنطقية. وسبب عجزه عن هذا ان الثقافة في مصر اليوم لم تعد تسمح بحرية حقيقية للفكر المتحرر او للإجتهاد الديني المستنير. فسيف التكفير مشهور ابدا، والإغتيال الجسدي او المعنوي – او التهديد بهما – امر واقع تشهد عليه عمليات اغتيال فرج فودة ومحاولة اغتيال نجيب محفوظ والتهديد باغتيال سيد القمني. لقد نجح الاخوان في فرض فكرهم الديني المتشدد على الشارع المصري منذ ان شجعهم السادات على ذلك ولم يقدم نظام الرئيس مبارك فكراً بديلاً قادراً على ان يكون خيارا حقيقيا امام الشباب المطحون الصاعد. فإذا بالجيل الجديد في مصر يصبح اكثر تشددا من جيل والديه، ورأينا فتيات تتحجب رغم ان امهاتهن لم تكن محجبات. وهكذا ولاول مرة في التاريخ، يجيء جيل بأفكار وبأسلوب حياة اكثر محافظة وتشددا دينيا من جيل والديه، بينما حركة التاريخ في بقية مجتمعات العالم هي في اتجاه التحرر المتزايد لكل جيل عن الجيل السابق.
فى النهاية، الأمر ليس درجة الايمان او مدى التدين، فهذه بين الانسان وربه، ولكن الخطير ان الحجاب يستخدم كشعار دينى- سياسى معا، وهو رمز للإثنين حتى ولو لم يقل الاخوان هذا – فنحن هنا امام شأن سياسى يتعلق بمستقبل مصر وطبيعة المجتمع والدولة، وهل ستصبح مصر دولة دينية ام دولة تفصل الدين عن السياسة وتعامل جميع المواطنين على أسس المواطنة الحديثة.
والأخطر من هذه كلها ان كل مجتمع ذا صبغة دينية هو عودة الى القرون الوسطى، ولم يعد اسلوب الحضارة الحديثة يسمح لاى مجتمع تكبله أغلال التزمت الديني بالنجاح في اي مجال، لأن التزمت يقتل حرية الانسان ويقتل بالتالي قدرة الفرد –والجماعة- على الابداع والانجاز وتحقيق التفوق والتجاوز في جميع المجالات. فالسؤال ليس هو كم بوصة من جلد المرأة يحل لها ان تظهر او تخفي؟ السؤال هو كيف نساعد الشباب الصاعد على تحرير فكره وكسر أغلال استلابه العقلي لكي يجرؤ على مناقشة الموروث ومحاسبة السلطات الدينية والسياسية وتأكيد حريته الذاتية وفرض اختياراته الشخصية ضد السائد والمتسلط الذي يرهبه باسم الدين ويحرم عليه الحياة بكل مافيها من وعود الابداع والخلق والتحرر والتجاوز الحضاري البهي. فرانسوا باسيلي
كاتب من مصر يقيم في نيويورك fbasili@gmail.com