لايستقيم أمرالاعتدال مع واقع الاحتلال!

قاموس مفردات السياسة الاميركية في زمن الادارة الحالية تحديدا متناقض لدرجة لا تصدق، فهو يعرف المقاومة التي تستهدفه هو ارهابا، ويعرف ارهاب اسرائيل على الشعب الفلسطيني مقاومة، ولا يتعامل مع مجاهدي خلق الذين يقومون بنشاطات عسكرية تستهدف المدنيين والعسكريين الايرانيين كما يتعامل مع جماعة القاعدة اصدقاء الامس بالجهاد والمقاومة للاحتلال السوفياتي لافغانستان، ولا يشعر بالحرج حين يسلط جيوش اثيوبيا لازالة سلطة المحاكم الاسلامية في الصومال التي خلصت البلاد من فوضى امراء الحرب، ليستعيدوا مجددا مواقعهم المفقودة وهم تجار الحرب واصحاب الميليشيات التي عاثت بالصومال فسادا ومزقت البلاد والعباد ويعتبر ذلك سياسة دفاع اثيوبية عن النفس وعندما يساندها الاسطول الاميركي بالقصف الجوي ليكمل على البقية الباقية يعتبر ذلك دعما لحكومة الصومال التي لا حول ولا قوة لها!
يفسر قاموسهم السياسي قرار حل الجيش العراقي وكل المؤسسات العسكرية للدولة بانه قرار ضروري لاجل استدراج كل الاسلاميين وغير الاسلاميين من اعداء اميركا والذين يريدون قتالها، لتقاتلهم على ارض العراق وتتخلص منهم بعيدا عن الارض الام، واثناء ذلك ستكون هناك فوضى خلاقة نتائجها تخدم الاهداف البعيدة لاميركا في العراق وعموم الشرق الاوسط!
وعندما تكون من نتائج هذه الفوضى وجود ميليشيات معادية لها واخرى مساندة لها تعود لتعلن ان انهاء الميليشيات امر ضروري لاستتباب الامن!
استمر هذا التناقض وهذا التخبط طيلة فترة حكم بوش الاولى والثانية، والفرق بين الفترتين ان الاولى كانت قد غطت عليها اندفاعة احداث 11 سبتمبر وحالة التخويف المتعمدة التي نجحت في شل تفكير الراي العام وقدرته على فرز الاوراق، اما الفترة الثانية فقد شهدت حالة يقضة وحساب خاصة بعد تزايد الضحايا بين صفوف الجنود الاميركيين وانكشاف حقيقة ان الراي العام راح ضحية لسياسة الكثير من التدليس والقليل من التمحيص، وعدم الاتساق لدرجة الخداع ومن اعلى المستويات ومن بين معظم مسؤولي البيت الابيض، ان هبوط شعبية بوش الى الحضيض في فترة حكمه الثانية مرتبطة بشكل كبير بفشل سياسته في العراق وتداعياته المترابطة بحروبه الوهمية على الارهاب في افغانستان والعراق وفلسطين ولبنان، وما هزيمة حزب بوش في الانتخابات النيابية الاخيرة الا دليل على انكساره، فهو قد وضع كل بيضه في سلة الحروب التي لم يوفق في اي منها وخاصة حربه الاخيرة على العراق والتي عمقت نتائجها عزلته الداخلية والخارجية وكان لعزف الحزب الديمقراطي على وتر ورطة بوش في العراق واستثماره القوي لها ابلغ الاثر في هزيمة الجمهوريين في الانتخابات النيابية الاخيرة!

بوش يختار سياسة الهروب الى الامام

كان لبروز التوازن السياسي الجديد بعد تأكد فوز الديمقراطيين دوره الواضح في جملة من الخطوات الاستباقية التي اتخذها بوش لتكون مسكنات وكوابح لاندفاعة الديمقراطيين في اتجاه ضغطهم عليه لتعديل سياساته بما يحفظ ماء وجه السياسة العامة لاميركا التي لا تريد خسارة المزيد وبما يجعله بموقف المتراجع والفاشل!
إقالة رامسفيلد وتغييرات اخرى بالوجوه غير المرغوب فيها من قبل الديمقراطيين، ثم التهليل لنتائج وعمل لجنة بيكر هيملتون المشكلة من ممثلي الحزبين وترحيب بوش بجهودها وتوصياتها دون ان ياخذ بروحها التي تدعوه للتراجع عن التصعيد والسحب التدريجي للقوات والاعتماد على اعادة التوازن بين القوى العراقية وايجاد تفاهمات متوازنة مع ايران وسوريا والعمل لايجاد حلول للمشاكل المزمنة في المنطقة لتخلق مناخا ايجابيا لمعالجة الانسدادات التي تواجه معظم اهداف السياسة الاميركية في المنطقة.
بوش تعامل مع تصورات بيكر هملتون بانتقائية وسطحية، لانه لا يريد ان يكون الديمقراطيون هم المستفيد الاول من اي تغيير او تعديل حيوي على سياسته في العراق، اضافة الى ان الطبقة التي تقرر له ما يفعله وهي في معظمها من متشددي المحافظين الجدد لا يروق لها ان تفقد المضمون الذي خططت له منذ ان تولى بوش منصب الرئاسة، الا وهو جعل اسرائيل القوى الاقليمية الاكبر وهذا يتطلب تغير حجوم واوزان كل دول المنطقة، ويتداخل مع مشروع الهيمنة المباشرة وغير المباشرة على منابع وعمليات استثمار وانتاج وتسويق النفط في العالم وخاصة الشرق الاوسط وبكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة لتحقيق حزمة اهداف متداخلة ابرزها عرقلة النمو التنافسي للدول الصاعدة كالصين والهند والاتحاد الاوربي واليابان وروسيا لجعل الامبراطورية الاميركية مشروع مستدام!
عليه فان خيار بوش كان تسابقيا مع الزمن ومع عناصر الصراع ذاتها فهو لا يلغي كل توصيات بيكر لكنه يحتويها لتؤدي اغراض ادارة بوش المسبقة، انه اختار ارسال مزيدا من القوات بدلا من جدولة انسحابها اختار تصعيد المواجهات الطائفية واللعب عليها اختار اعتماد ترتيب جديد لتوازن القوى في السلطة العراقية يسهل التحكم بها دون استقطابات جانبية معرقلة للانطلاق نحو جعل العراق قاعدة للانتشار وفي طريقها تحقق معالجة للمشاكل المجاورة وذلك بممارسة سياسة الضغط على ايران او المواجهة معها باستخدام المفردات العراقية وعدم السماح لها بالاستخدام المعاكس بالضد من الوجود الاميركي في العراق!
ان الجهود الاميركية الحثيثة لاقامة حلف داخلي "عراقي معتدل" مستند الى حلف "عربي معتدل"
ليساهم في طبخة تقليم الاظفار الايرانية وعزلها بعزل امتداداتها وتاثيراتها استعدادا للاجهاز عليها اميركيا واسرائيليا، تواجه صعوبات ومشاكل عويصة اهمها قصر نفس هذه السياسة لانها لا تعتمد على قاعدة تضع حلولا وتفاهمات كسلة حلول بديلة للوضع المختل القائم والذي يغري لمقارعة اميركا ومشاريعها ومشاريع حليفتها اسرائيل ويؤجل المواجهة مع ايران وطموحاتها بل هناك نزعة عند جمهرة واسعة من الراي العام العربي والاسلامي غير الرسمي، تدعو الى استثمار التوجهات الايرانية بالضد من التوجهات الاميركية والاسرائيلية.
الاعوجاج المخضرم في السياسة والممارسة الاميركية يجعلها غير مؤهلة لتزعم اي مشاريع حقيقية للاعتدال في المنطقة كلها، في العراق وفلسطين ولبنان والسودان والصومال وافغانستان، ان لا منطقية تحريم السلاح النووي على ايران وتحليله لاسرائيل يجعل من الدعوات الاميركية هواء في شبك حتى لو ساندتها الانظمة التابعة لها، مصيرها لن يكون افضل من صيحاتها السابقة، مثل صيحة الشرق الاوسط الكبير،او الشرق الاوسط الجديد، او كصيحة ديمقراطية الدم والذبح في العراق، او كخارطة الطريق لحل المشكلة الفلسطينية التي ضيعت طريق ووقت وجهد وفرص كل من سار على طريقها!

العراق هو المدخل والمخرج

احتلال العراق وتدمير دولته، واستبدالها بدولة متقزمة ومتحاصصة ومهلهلة تعج بها العواصف من كل الاتجاهات هي سياسة اقل ما يقال عنها انها رعناء ومجرمة ناهيك عن كونها غير معتدلة ولا تساهم باي حال من الاحول في خلق مناخ للاعتدال في المنطقة، بل انها اججت مشاعر التطرف واصلتها!
ان دخول الاميركيين للعراق بهدف جعله قاعدة انطلاق نموذجية لمشاريعهم الاستراتيجية لعموم الشرق الاوسط قد فشلت بكل مقاييس وحسابات المشروع نفسه وكلفته وانتاجيته، وانعكس الامر بحيث تحول الوضع العراقي الى برميل بارود متفجر ينذر بالخطر على المصالح الاميركية في المنطقة ناهيك عن تهديده لمستقبل الوجود الاميركي في العراق نفسه.
الخروج الاميركي من المأزق العراقي وبالتالي من المأزق الشرق الاوسطي يتطلب جهدا اميركيا دوليا اقليميا مخلصا تحت اشراف الامم المتحدة وبمشاركة كل القوى السياسية العراقية بما فيها المقاومة العراقية الباسلة التي هي عنوان وحدة وصمود الشعب العراقي، ويقرن هذا التحرك الجدي بجدولة فورية لانسحاب القوات الاميركية من العراق مع تعهدات بتعويضات اميركية ودولية منظمة لاعادة اعمار العراق وترك الشأن الداخلي وتفاصيل اعادة بناء الدولة العراقية من جديدة بمشروع وطني ديمقراطي يعتمد مفردات المواطنة كاساس لاي اختيار او تصويت او تكليف، دولة خالية من نفوذ المحتلين واعوانهم واطماعهم في رهن العراق وثرواته بعجلة احتكاراتهم العابرة للقارات!
ان الكثير مما ورد في تقرير بيكر هملتون يقر بالفشل ويطرح المعالجات التي تقترب من الحلول المقبولة من وجهة النظر الاميركية طبعا اضافة الى انها تشكل خطوة للامام في طريق اجبار العدو على تبني ماتراه شعوبنا بانها حقوق ثابتة لها.
يحاول بوش التملص من استحقاقات فشله بالهروب للامام متشبثا بسياسة تبريز الصرعات الثانوية للتغطية على الصراع الرئيسي، مجتهدا لاقامة خنادق وهمية يحشد فيها كل اتباعه في العراق وفي عموم الشرق الاوسط تحت يافطة المعتدلين للوقوف الى جانبه في معاركه الجديدة التي لولا سياساته الحمقاء لما كانت ضرورية له حيث انحدار الوضع العام في المنطقة وتوازناتها الى هذا الدرك الخطير! جمال محمد تقي