أيها العملاء والطائفيون... إذا زال الاحتلال، ماذا ستفعلون؟

كل هذا دم، وكله في رقبتكم.
مئات الآلاف من الضحايا الذين سقطوا في كل زاوية من زوايا العراق تحت قصف الاحتلال وهجماته، هم ضحاياكم. كل الذين تعرضوا لأعمال التعذيب في سجونكم، سيلاحقونكم. كل الذين قمتم بقتلهم غدرا وغيلة سيطالبون بالثأر. كل النساء اللواتي تعرضن للاغتصاب وانتهاك الحرمات تحت عمائمكم النجسة سيبكين شرفهن المهدور وسيسألن رده بالدم. كل الذين هجروا من منازلهم ومن وطنهم، وهم اكثر من 3 ملايين إنسان، سيعودون للانتقام منكم. كل الذين أهينوا في كرامتهم سيردون الإهانة إليكم. وكل الذين خسروا لقمة عيشهم سيجعلون ما نهبتم من ثروات وطنهم سما زؤاما في أبدانكم.
وكل هذا دم، وكله في رقبتكم.
انتم الذين جلبتم قوات غزو ظالم لكي تدمر وتقتل وتنهب وتتعسف في ما كان يفترض انه وطنكم وفي من كان يفترض انهم شعبكم. وهم انتم الذين تحتمون كالمخانيث وراء دبابات الاحتلال وتحملون أسلحتها لكي ترسو لانفسكم سلطانا بأعمدة من مشانق وفرق موت ومليشيات لصوص.
وهم انتم الذين استمرأتم التواطؤ مع كل قوة استعمار أجنبي على سيادة وطنكم واستقلاله.
وهم انتم الذين حولتم بلدا قويا وعزيزا وموحدا الى مستنقع موت وخراب وكل شكل من أشكال التمزق والتفتت.
وهم انتم الذين تحالفتم مع كل مجوس وعجم ورعاة بقر من اجل ان تحولوا وطنكم الى زريبة تدخلات "إقليمية" و"دولية" تبحثون من خلالها عن سند لكراسيكم المهترئة و"ديمقراطيتكم" الطائفية العفنة.
وهم انتم الذين حولتم بلد العلماء والجامعات الى بلد مشعوذين وخزعبلات وعمائم لا شيء تحتها إلا الترهات الفقهية والسفالات المذهبية والتوافه.
وهم انتم الذين كنتم سببا في تخريب كل منشأة صناعية وموقع إنتاج من اجل أن تمنحوا عقود "إعادة بنائها" الى سادتكم.
وهم انتم الذين تبيعون الآن، بالتهريب، وبعقود استيلاء تعسفية، ثروة نفط كافح العراقيون عقودا من اجل تأميمها.
وهم انتم الذين لا كهرباء أعدتم، ولا مدارس فتحتم ولا حقول زرعتم ولا مصانع بنيتم، ولكنكم نجحتم، بتفوق لم يسبق لأي عصابة في التاريخ أن حققته، في نهب اكثر من 30 مليار دولار من الأموال التي كان الغزاة يتحكمون بها في صناديق الأمم المتحدة.
وكل هذا دم، وكله في رقبتكم.
وهو دم أطفال ونساء وشيوخ، كما هو دم شباب ورجال حوصروا بكرامتهم قبل أن تحاصرهم قوات الغزو لتنزل في منازلهم هدما وفي مدنهم قصفا وتدميرا في الفلوجة وسامراء والموصل والقائم والرمادي وبعقوبة وبابل، بل وحتى النجف والديوانية والناصرية والعمارة والبصرة.
وهو دم عراقيين، حتى وإن كان بعضهم يناهض النظام السابق إلا انهم، في غالبيتهم العظمى، ظلوا مخلصين لحرية وسيادة واستقلال وطنهم.
وهو دم وطنيين ظلت أيديهم طاهرة كطهر يدي الرئيس الشهيد الذي به غدرتم وببسالته بطشتم.
وهو دم كل الشرفاء الذين لم يستسيغوا بيع وطنهم زهيدا لقوة استعمار وهيمنة إمبريالية معروف لهم تاريخها، ومعروفة لهم مصالحها واستراتيجياتها.
وهو دم كل الذين ظلت ضمائرهم حارسا حيا على تضامنهم مع أشقائهم الفلسطينيين، وظلت قلوبهم تنبض بالأمل بتحرير فلسطين العربية من الاحتلال الصهيوني الذي تتواطؤون معه عليهم.
وهو دم كل عراقي يرى نفسه كعراقي قبل، ومن دون، ان يرى نفسه كسني او شيعي او مسيحي او كردي او تركماني او صابئي. ومثل المسيح الذي صلبه اليهود وأخذوا تعذيبه وصلبه على رقابهم ورقاب أبنائهم من بعدهم، فقد عذبتم ومزقتم ونهبتم ثم صلبتم العراق. وحولتم أنهاره، كما فعل أجدادكم العلقميون عملاء المغول، الى أنهار من حبر كتب ودم. دم العراق مثل دم المسيح سيظل الى أبد الآبدين في رقبتكم... انتم وأبناؤكم من بعدكم.
***
والاحتلال، الذي وراء دباباته كالمخانيث تتخفون، سيزول. ما من احتلال بقى الى الأبد. فما إن قتل المقاومون 3000 غاز من رعاة بقر نذالتكم، حتى تعالى الصياح في واشنطن من اجل الانسحاب وقبول الهزيمة.
ولن يقتل المقاومون 3000 آخرين حتى يكون آخر جندي أميركي صار يتخذ لنفسه ساترا ترابيا في... الكويت. وسنعود لوحدنا في البيت!
لا دبابة أميركية تتخفون وراءها، ولا طائرة من طائرات عمكم سام تحمى خواءكم ولا حتى مليشيات صفويين.
صحيح أنكم ستظلون تأملون بحماية العجم من فرسكم المجوس، إلا ان هؤلاء لن يبقوا طويلا. فهم يدركون، كما تدركون، أنهم ليسوا أقوى من أسيادهم، وهم أفقر وأقل قابلية على دفع ثمن حرب أهلية في بلد سيظل، حتى آخر الدنيا، عربيا، عربيا، عربيا ومسلما.
أنفق سادتكم الأمريكيون 500 مليار دولار في نحو 4 سنوات وفشلوا، فكم سينفق سادتكم الصفويون قبل ان يفشلوا؟ ولكنهم سيهربون كما فر الذين من قبلهم، لعلكم تتقون. وهكذا، سنعود لوحدنا في البيت!
وسيقف العراقيون (شيعة قبل السنة، وأكرادا قبل العرب، ومسيحيين قبل المسلمين) وقفة رجل واحد ليأخذوا ثأر العراق من رقابكم. وسنرى ماذا سيفعل المخانيث، وسنرى تحت أي عمامة من عمائم النجاسة الطائفية سيختفون؟ وسنقلبها واحدة واحدة... هي والرؤوس التي تحتها. وحتى لو انتهينا الى هدم كل ما بقى في هذا العراق، فسنعود لنبنيه، عظيما، وشاهقا، فوق جثة الغدر والخيانة والعمالة التي من كأسها كنتم تترعون.
سيزول الاحتلال... فماذا ستفعلون؟
بعيدا، بعيدا، في الأحقاد ونشر الكراهيات الطائفية، ذهبتم. بعيدا، بعيدا، في أعمال القتل والتعذيب العمياء، مضيتم. وبعيدا، بعيدا في النهب والسرقات، أسرفتم. لم تراعوا في أحد قانونا ولا أعرافا ولا أخلاقيات ولا حرمات ولا كرامة.
كان من الأولى بالقليل من الشرف، لو كان موجودا، أن يجعلكم أحرص على حماية حقوق الخصم من الصديق.
وكان من الأولى بالقليل من الوطنية، لو كانت موجودة، أن تدفعكم الى الدفاع عن سيادة واستقلال وثروات بلادكم، لا ان تبيعوها بثمن بخس لا يعدو تغطية منهوباتكم. وكان من الأولى بالقليل من الضمير، لو كان موجودا، أن تكفوا أيديكم عن الأبرياء ممن ليس لهم في العير ولا في النفير. ولكنكم في النفاق والتوريات المبتذلة أسرفتم، إسرافكم في كل قذرة وبشعة وسافلة... وذلك حتى لم تبقوا شافعة يمكنها أن تشفع لكم. فماذا ستفعلون؟
***
الكثير من الحكومات العراقية السابقة جمعت بين الوطنية والتعسف. شيء كان "يشيل" شيئا آخر، ويعوض عن أخطائه. هل كان من الصحيح (يعني بالعقل والمنطق) أن تجمعوا بين العمالة والتعسف؟
والكثير من الحكومات العراقية السابقة (حتى في عهد الاستعمار القديم) جمعت بين الكثير من الإعمار والقليل من الفساد. فكانت تؤخذ الصغيرة بالكبيرة، ونقول الله غفور رحيم.
هل كان من الإنصاف، ولو بالقليل القليل من الغيرة، أن تجمعوا بين الكثير من الخراب والكثير من النهب حتى صارت الأموال تنقل بطائرات خاصة، وحتى صارت الأرقام تتعدى عشرات المليارات؟
وهل من عصابة، على مدار مليون سنة من التاريخ، تمكنت من سرقة بهذا الحجم، في أي مكان في الكون؟ والكثير من الحكومات العراقية كانت تمارس شيئا من التمييز بين المواطنين على أسس سياسية ولكنها ظلت تقول إنها أحزاب وطنية، ذات برامج وطنية جامعة وكانت تخشى كل تلميح طائفي أو عرقي أو ديني وتتحاشاه كما تتحاشى الجرب، حتى وان كان القليل والاستثنائي من ممارساتها ينطوي عليه.
هل كان من الصحيح، أن تصبح الطائفية علما مثل أعلام البغايا على خيام "الوكر الشيعي" و"التنظيم السني" و"الزعيم" الكردي؟ وهل كان من الصحيح أن تتحول المحاصصات الطائفية الى دستور من أكثر دساتير الدعارة صلفا ووقاحة؟
وعلى الدوام كان رجال الدين في العراق يحظون بالاحترام كرجال دين، لا دنيا، وكانت الدولة العراقية، على كل مساوئها، دولة سياسيين - محترفين وهواة - يجمعون بين مراعاة الشريعة وقيم العصر، ونجحوا قليلا أو كثيرا، في إرساء تشريعات تحمى الحقوق المدنية وتضمن المساواة بين المرأة والرجل، وتأخذ العام والوطني والشامل والجامع في عين الاعتبار قبل أن تنظر في التفاصيل الدينية لـ"فسيفساء" العراقيين. وظلت تلك التشريعات تحترم هذه الفسيفساء بوصفها سمة من سمات الجمع لا التفريق.
فهل كان من الصحيح أن يتحول ذوو العمائم القادمون من كهوف الفقه، أولئك الذين لم يفتحوا شباكا على الشارع، ولم يروا بشرا غير منتجاتهم البيولوجية الكسيحة، ليكونوا المشرع والحاكم بأمره وكاتب الدستور ومقرر الانتخابات تحت خيمة زواج المتعة مع الاحتلال؟
وفي الكثير من الحكومات العراقية كان هناك موظفون يمارسون الانتهاكات ويعتدون على مواطنيهم، وكان هناك صغار يتملقون الحاكم ليبطشوا بضحايا على سبيل إظهار الولاء، ولكن ظل هناك من يمكن اللجوء اليه والاستغاثة به، كما ظل بالإمكان استنطاق سلطة الضمير لدى صاحب السلطة لينصف المظلوم ويمنح المحروم.
فهل كان من الصحيح أن يقيم الطائفيون سلطة مليشيات تبطش بالجميع ولا تحقق بالجرائم، ولا تخرج تحقيقاتها بنتائج ولا تلاحق مذنبين؟
وفي ظل الكثير من الحكومات العراقية السابقة كانت هناك تجاوزات ملموسة ومرئية للقانون، كما كانت هناك أحكام عشوائية، ولكن ظل هناك قانون، وظل الخروج على القانون مرئيا أكثر ومرفوضا أكثر وترتفع بسببه سبابات النقد والاتهام والتجريح. فهل كان من الصحيح أن يتحول البلد الى غابة فوضى، وان يغيب كل مظهر من مظاهر القانون، ولا يمارس إلا لكي يكون مناسبة للتعبير عن الأحقاد، وإلا لكي يكون أداة انتقام وقهر، وإلا كغطاء لاعمال همجية. هذا ما فعلتم تحت ستر الاحتلال ودباباته.
ولكن، كل هذا دم، وكله في رقبتكم.
دم العراق، مثل دم المسيح سيظل، الى أبد الآبدين، يلاحقكم ويلاحق أبناءكم من بعدكم. فإلى أين، إذا زال الاحتلال، ستذهبون؟ علي الصراف alialsarraf@hotmail.com