التقريب بين المذاهب.. في الدوحة!

الأكثرية من العامة من المسلمين تقول بحرب عالمية (غربية أو صليبية، لليهود أيادٍ أو أصابع فيها) تُشَنُّ على الإسلام (والمسلمين) بعضها بالحديد والنار، وبعضها بأسلحة الفكر والثقافة والإعلام..
ومن غير أن تتوقَّف أو تهدأ هذه الحرب الخارجية، والتي تقودها بالسر والعلن القوى التي تقود بالفعل إدارة الرئيس بوش، اشتعل فتيل حرب في داخل الإسلام، أو حرب أو حروب أهلية بين المسلمين؛ وقد اتِّخّذت العراق مسرحا لها، ويمكن أن تتَّخِذ الجوار الإقليمي (العربي الإسلامي) للعراق، أو بعضا منه، مسرحا آخر لها في المستقبل، أي في الأشهر، أو السنوات، المقبلة.
وإذا كان بعضٌ من القادة الدينيين من المسلمين في مذاهبهم المختلفة قد تواضعوا على تفسير ما وقع حتى الآن من حرب أهلية (ساخنة أو باردة) بين الشيعة والسنة (من عرب العراق على وجه الخصوص) على أنه ثمرة "السياسة"، في المقام الأول، أي ثمرة صراع سياسي بين ذوي مصالح وأهداف سياسية فئوية ضيقة، فإنَّ غالبيتهم العظمى، إنْ لم يكن كلهم، لم يُظْهِروا فَهْما مماثلا أو مشابها لتلك الحرب الخارجية على الإسلام والمسلمين، وكأنها حرب دينية صرف، في الدوافع والأهداف والغايات، لا تشوبها "السياسة"، مع أنَّ رائحتها النفطية تزكم الأنوف.
وقبل أن يجتمع أكثر من 200 عالم ومفكر ديني إسلامي يمثِّلون المذاهب الإسلامية المختلفة في 44 دولة في الدوحة، شهدت العاصمة القطرية اجتماعات ومؤتمرات عدة لإنشاء وتطوير حوار بين الأديان السماوية الثلاثة، فاتَّفقوا على ما لا يختلف فيه اثنان من القيم والمبادئ الأخلاقية، ليظلوا مختلفين في القضايا التي كان ينبغي لهم التأسيس لاتفاق عليها.
وإذا كان لتلك الاجتماعات والمؤتمرات من فائدة تُذْكَر فإنها أفادت في إظهار ما هو أقرب إلى الضرر منه إلى الفائدة إذ أشاعت فَهْما للحرب الإمبريالية التي شنَّتها إدارة الرئيس بوش علينا، انطلاقا وبدءا من العراق، على أنها حرب دينية خالصة، أو في المقام الأول، مع أنَّ كل من له مصلحة في فهم موضوعي لتلك الحرب يعرف أنَّها حرب إمبريالية، في الدوافع والمصالح والأهداف، لمشعليها مصلحة في إلباسها اللبوس الديني.
وأشاعت وَهْما مؤداه أنَّ تعداد وتبيان القواسم (الفكرية والأخلاقية) المشترَكة بين الأديان السماوية الثلاثة، وعقد الصلح على أساسها، يمكن أن يطفئ، أو يساعد في إطفاء، لهيب هذه الحرب، التي لمَّا تنطفئ على الرغم من كل اجتماعات ومؤتمرات ذوي النفوس الكبيرة.
واليوم يجتمعون لـ "التقريب بين المذاهب الإسلامية"، ولترجيح كفَّة "الحكماء" و"المعتدلين (أو الوسطيين)" على كفَّة "الغلاة" و"المتطرفين"، وللنجاح، من ثم، في التأسيس لخطاب إسلامي يُنْبَذ فيه التعصُّب، ويُحرَّم التكفير، ويُقضى على ظاهرة "فوضى الفتاوى".
وقد حرص كثيرٌ من الشيوخ، كمثل الدكتور يوسف القرضاوي، على توضيح وتأكيد أنَّ التقريب بين المذاهب، بين المذهبين السني والشيعي على وجه الخصوص، لا يعني، ويجب ألا يعني، توحيدها ودمجها، أي إلغاء المذهبية. وحرصوا، أيضا، على إعلان رفضهم كل محاولة لنشر مذهب بين أهل وأتباع مذهب آخر، فلكلٍ مذهبه.
أمَّا "الوسيلة" لبلوغ هدف التقريب بين المذاهب فهي الوسيلة ذاتها التي اتُّبِعَت واخْتُبِرت في مؤتمرات حوار الأديان، وهي البحث عن القواسم المشترَكة (بين المذاهب) وإظهارها، والتي تشمل، على ما أوضحوا، الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح، وكأنَّ الذين يقتلون بعضهم بعضا من الشيعة والسنة من عرب العراق لا يؤمنون بالله واليوم الآخر والعمل الصالح!
كان ينبغي للمجتمعين الاتفاق على أمر واحد فحسب هو تعداد وتبيان أوجه ونقاط الاختلاف والخلاف الأساسية بين المذاهب (بين المذهبين الشيعي والسني على وجه الخصوص) ثمَّ إعلان أنَّ هذا الاختلاف والخلاف ليس سببا، ولا يمكن أن يكون سببا، لـ "التكفير المتبادل"، فالسني، مع احتفاظه بكل ما يجعله مختلفا عن الشيعي ومخالفا له، يظل (في حُكْم الشيعي) مؤمنا مسلما؛ وكذلك الشيعي.
إنَّ الاعتراف بأنَّ أوجه ونقاط الاختلاف والخلاف تلك ليست بالسبب الذي يُجيز شرعا "التكفير المتبادل" هو الإنجاز الذي كان ينبغي لهم إنجازه إنْ أرادوا التقريب بين المذاهب بما يقي أتباعها شرور الاقتتال والحرب الأهلية.
جواد البشيتي