تصحر إعلامي يخيم على الأنبار

الرمادي (العراق)
مقاومة نقل الصورة الصحيحة

تعتبر محافظة الأنبار أكثر المناطق سخونة في العراق على صعيد العمليات العسكرية الأميركية وعمليات المقاومة، وتشكل 33 في المائة من مساحة البلاد، وتضم عددا من المدن الكبيرة، التي لم تعرف استقرارا منذ الاحتلال في نيسان/أبريل 2003 وحتى الآن.

وعلى الرغم من سخونة الأحداث التي تشهدها تلك المنطقة التي تتربع على مساحة واسعة من أرض العراق، إلا أنها تعاني في الوقت ذاته من شحّ كبير في عدد المراسلين الصحفيين الذين يقومون بتغطية الأحداث، مما حال دون قدرة هؤلاء على تغطية الأحداث المتسارعة والتحرك بين مدن الأنبار الكبيرة، والذي يستغرق ما بين ساعتين إلى خمس ساعات.

كما اضطرت وكالات أنباء معروفة إلى الاستعانة بمواطنين عاديين، لا يملكون الخبرة اللازمة وتعيينهم مراسلين، وفي بعض الأحيان العمل مع محطات تلفزة معروفة بعد دورة تدريب قصيرة في بغداد، الأمر الذي أدى إلى ظهور خلل في بعض التغطيات الإخبارية.

وتشير إحدى الاحصائيات إلى أن عدد الصحفيين الموجودين في محافظة الأنبار، في الوقت الحالي، لا يتجاوز تسعة صحفيين، موزعين على مدن الفلوجة والرمادي وحديثة والقائم وهيت، بينما تفتقر بقية المدن مثل الكرمة والحبانية والخالدية وراوه وكبسيه والرطبة وغيرها من مدن أعالي الفرات، التي تصفها واشنطن بأنها معقل المقاتلين العرب، إلى أي صحفي يقوم بتغطية الأحداث الساخنة فيها.

وتشير المعطيات إلى أن تعداد الصحفيين في محافظة الأنبار في خريف عام 2005 بلغ نحو 67 صحفيا، فأين اختفى كل هؤلاء؟، ومن كان السبب وراء ندرة الصحفيين وقلة عددهم؟، وما هي الظروف التي يعمل فيها من تبقى منهم؟

صحفيو الـ'واير نيوز'

يقول مجيد خالد عضو نقابة الصحفيين العراقيين، والمسؤول عن فرع محافظة الأنبار "تعيش الأنبار اليوم حالة تصحر إعلامي إن جاز التعبير، لأسباب كثيرة، أولها الاحتلال ومضايقاته للصحفيين العراقيين واستهدافه لهم بالقتل والاعتقال، والسبب الثاني عدم تمكن الصحفيين هناك من إرضاء كل أطراف المقاومة أو الأهالي".

ويضيف مجيد "بعض الصحفيين الموجودين اليوم يعملون سرا على نقل الأحداث وبعضهم أصبح يشعر بالخوف على حياته، لدينا في الأنبار تسعة صحفيين فقط لديهم بكالوريوس في الإعلام أو شهادة الدبلوم، وهم يعملون اليوم في وكالات انباء ومحطات اخبارية، وهناك أشخاص آخرين يعملون في مهنة الصحافة لكنهم غير صحفيين، أي لم يكملوا حتى الدراسة الثانوية".
ويردف مجيد قائلا "وقد اضطرت الوكالات الإخبارية إلى الاستعانة بهم بسبب شح الصحفيين في المحافظة، وهم يعرفون باسم "واير نيوز"، ونقصد بهم صحفيون ينقلون الأخبار والأحداث العاجلة إلى مكتب الوكالة عبر الهاتف من مدنهم، وهم بالعادة غير منضبطين بأصول المهنة، وعادة ما يخضعون لتأثيرات المسلحين أو مطالب الاحتلال بشأن ما ينقلونه لوكالاتهم، وأحيانا أيضا يقعون تحت تأثير المال".

الوجود الأميركي

وعن سبب عزوف أغلب الصحفيين عن العمل في تلك المحافظة، يقول مجيد "مرّت الأنبار خلال عام 2006 بأيام صعبة جدا على القوات الأميركية تكبدت فيها خسائر جسيمة، اضطرتها إلى تضييق الخناق على الصحفيين للحيلولة دون نقل خسائرها أو المعارك والكمائن التي تشنها المقاومة على وحداتها، وأدى ذلك إلى مقتل 13 صحفيا منهم، في عام واحد واعتقال آخرين، واعتبار آخرين إرهابيين، يساعدون المسلحين".
ويقول مجيد ايضا "وصدر أمر بالقبض على صحفيين كبار ومعروفين بتغطياتهم المتميزة للأحداث، مثل حسين الحديثي الذي أصدرت القوات الأميركية أمراً بالقبض عليه ووزعت صوره على المدن بدعوى تحريض الناس على كراهية قوات التحالف وذلك بعد يوم واحد من قيامه بتصوير حادثة مجزرة حديثة، التي راح ضحيتها 24 مدنيا بينهم نساء وأطفال".
ويعطي مجيد مثالا اخر "وعماد هاشم الذي اعتبرته القوات الأميركية محلّ شك لصلته بالمسلحين بسبب كثرة سبقه الصحفي في الأخبار العاجلة ما جعلها تتهمه بأنه على علم بالهجمات قبل وقوعها".

أخطاء المسلحين وتجاوزاتهم

واعتبر مسؤول صحفيي محافظة الأنبار أن المسلحين العراقيين هم أيضا "ارتكبوا أخطاء"، وقال "هؤلاء أحسّوا بها أخيرا".

وأضاف "المسلحون في الأنبار يريدون أن تكون الأخبار التي ننقلها ملائمة لتوجهاتهم ومنهجهم، فهم لا يقبلون بكلمة مسلحين مثلا أو كلمة انتحاري أو حتى كلمة فدائي، ولا يقبلون لفظة قوات التحالف ويجبرون بعض المراسلين على استعمال مفردات مثل "استشهادي ومجاهدين" عند وصفه للمسلحين، و"الاحتلال والصليبين" عند وصف قوات التحالف".
وهذه الممارسات كما يؤكد مجيد، جعلت الصحفيين هناك بين نارين: إرضاء للمسلحين وتهديداتهم، أو التمسك بمهنتهم ما يعني تعرضهم للخطر".

ويقول الصحفي عادل خلف، الذي يعمل مدينة الرمادي "لا اعتقد أنني أستطيع مواصلة عملي كصحفي، ينقل الحدث بمصداقية مجردة كون الضغوط التي أواجهها غير عادية، إذ أضطر في بعض الأحيان إلى أن أخفي كاميرتي ذات قياس خمسة ملم في غيارات طفلي الصغير، خوفا من اقتحام القوات الأميركية لمنزلي، والتعرف على هويتي الصحفية".

ويقول الصحفي أحمد فاضل من الفلوجة "أجد صعوبة في عملي واستقاء الأخبار الصحيحة، فالأطباء يقولون المعلومات التي لا تعرضهم إلى خطورة الاعتقال من قبل الجيش الأميركي، والشرطة تصرّ على عدم إعطاء أي معلومات مهما كانت، إلا إذا كان الأميركيون يسمحون لهم بذلك، وأضطر في بعض الأحيان إلى إخفاء هوية الصحافة الخاصة بي خوفا من القوات الأميركية، أو تجنبا للمسلحين خشية السؤال عن الجهة التي أصدرت هويتي أو الجهة التي أعمل معها".

الصحفي بلال حسين دخل عامه الثاني في السجن، بتهمة تصوير عملية إسقاط طائرة "شينوك" أميركية في الرمادي على يد مسلحين عراقيين.

وتقول زوجته "اعتقل بلال في شباط /فبراير 2005، على يد قوة أميركية اقتحمت منزلنا واقتادته إلى مركز توقيف ثم إلى السجن، وصادرت كاميرته ومستلزماته الصحفية، والتهمة هي تصوير عملية إسقاط مروحية أميركية في الرمادي، وما زال حتى الساعة في السجن".
وتضيف "ضابط أميركي قال لي: سنجعل بلال درسا لكل صحفي يتجرأ على تصوير العلم الأميركي، وهو يحترق على الأرض".

اتهامات للصحافيين

ويتهم الجيش الأميركي في محافظة الأنبار الصحفيين العاملين في المنطقة، بأن لديهم صلات على مستوى ما مع العناصر المسلحة، وتقول الناطقة الإعلامية باسم المارينز في منطقة الخالدية مايا جوش إن أغلب الصحفيين العاملين في هذه المحافظة تربطهم علاقات وطيدة مع المسلحين، ويملكون معلومات استخبارية كبيرة عن تحركاتهم، "لذا هم في موضع شك دوما".

وتضيف "نحن نرحب بالصحافة النزيهة الصادقة البعيدة عن كل الأطراف وتنقل الحدث بالحقيقة المجردة لا غير، أما الصحفيون العاملون هنا فهم محطات استخبارية متحركة كما يمكن تسميتهم، وأقصد بعضهم وليس الكل، مما اضطرنا إلى عدم السماح لهم بدخول أي قاعدة أميركية محصنة يوجد فيها جنودنا على مدار أربع وعشرين ساعة".

وتابعت جوش "الولايات المتحدة هي أول من دعت إلى حرية الصحافة، ولكن ما يحدث في الأنبار ليس بصحافة حقيقية، إنهم مجرد أشخاص وظفتهم وكالات أنباء في بغداد لنقل الأحداث لهم وهم غير نزيهين".
وتضيف جوش "وقد خاطبنا تلك الوكالات بضرورة التأكد من موظفيها في هذه المناطق، لكنهم مع الأسف يصرون على التمسك بهم، أعتقد أن الوضع في الأنبار يحتاج إلى أشخاص مهنيين يتمكنون من وصف وحشية الإرهابيين للعالم أجمع وقتلهم للنساء والأطفال، لا أن يصفوا القوات الأميركية التي وجدت أصلا لحماية الناس هنا بأنهم قتلة، وأن الطائرات تمزق أشلاء المدنيين الأطفال والنساء، أعتقد أن هذا الكلام غير منطقي".

مناشدة الصحفيين العودة

ويقول عدد من المسلحين العراقيين المنتمين إلى فصائل معروفة، إنهم بدأوا يشعرون بالخطأ الذي ارتكبوه في حق الصحفيين عندما ضيقوا عليهم وفرضوا عليهم ماذا يكتبون والعبارات التي يجب أن يلتزموا بها.

ويؤكد الشيخ أحمد جار الله، أحد قادة المسلحين في محافظة الأنبار "المقاومة تحاول إعطاء الصحفيين ثقة أكبر من عدم التعرض لهم أو التدخل في عملهم"، ويعلل ذلك بأنهم أدركوا حاجتهم إلى آلة إعلامية في مواجهة الآلة العسكرية.

ويضيف "المراسلون يقومون بنقل أخبار خسائر الاحتلال، لذلك وجهنا دعوة لجميع الصحفيين العراقيين والعرب للمجيء إلى الأنبار، بعد أن شاهدنا أن أغلب عملياتنا ضد الاحتلال لا تنقل للناس خارج العراق مع إصرار الجيش الأميركي على إخفاء عدد قتلاه الحقيقي في هذه المحافظة".

يذكر أن الاتحاد الدولي للصحفيين أعلن أن 177 صحفيا وعاملا في حقل الإعلام قتلوا في العراق منذ بداية الغزو الأميركي في آذار/مارس 2003، منهم 68 صحفيا سقطوا في عام 2006 وحده ما يجعله أكثر عام دموية تشهده مهنة الصحافة في العراق.

كما أشار إلى أن 19 من الذين قتلوا العام الماضي، قضوا بإطلاق نار من الجيش الأميركي، وأن عائلات الضحايا لا تزال تنتظر تقارير مستقلة وذات مصداقية توضح ما حدث لأبنائها. (قدس برس)