الشعر: ماذا عن دور الشاعر?

كتب ـ المحرر الثقافي
لوحة معبرة عن حال الشعر الآن للفنان يوسف كامل

في القاهرة، صدر العدد 123 من مجلة "الشعر" الفصلية التي تصدر عن اتحاد الإذاعة والتلفزيون، ويرأس تحريرها الشاعر والمترجم أحمد هريدي الذي يختم العدد بمقالة عن دور الشاعر، بعد أن سرقت جمعيات ومؤسسات المجتمع المدني الممولة من الخارج هذا الدور، فالشاعر لم يعد هو حارس الحريات والرمح الضارب في ظلام العقول والقلوب، ومؤرخ الشعوب وأمجادها وتحررها، ولم يعد لكل قضية شاعر يحرسها ويقودها ويقرع لها الطبول.
إذن ما دور مجلة الشعر في ضوء خواطر هريدي؛ هل مجرد نشر قصائد الشعراء والدراسات والمقالات المكتوبة عنهم وعن شعرهم ودواوينهم، أم لها دور أكبر من ذلك؟.
في ظني أن ما يعرض له هريدي بخصوص انحسار دور الشاعر، يكشف عن أزمة عميقة يمر بها شعراء العصر الحالي، خاصة عندما يعلن شاعر مثل عبدالرحمن الأبنودي، في حواره مع السيد العديسي المنشور بالمجلة، أن الشعر ليس له وظيفة خاصة بالآخر أو بالمتلقي، وعلى القصيدة أن تبحث عن اضطراب الرؤى وعن غموضها الخاص، وتحاول الدوران في ظلمته، وأن ماء القصيدة اليوم لا يسقي عطشانا، وأن بحر الشعر الجارف تحول الآن إلى جداول وروافد نحيلة.
أما حوار البهاء حسين مع الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة، فيكشف عن رأي أبي سنة في ذائقة الشعراء الشبان التي يرى أنها شخصية وحسية وترتبط باللاشعور الفردي، كما يرى أبو سنة أن نقاد اليسار حولوا كلمة "الرومانسية" إلى قذيفة في وجه المختلفين معهم، ويعترف أن قصيدة النثر منحته مساحة من الحرية لبناء صورة شعرية، وأن الأشكال الشعرية تتناسل ولا تموت، وأن انتهازية المثقفين أتاحت للسلطة فرصة احتوائهم.
الحوار الثالث بالمجلة أجراه محمد الحمامصي مع الناقد السعودي محمد العباس الذي يرى أن النص الأدبي السعودي فارغ ولا يقول شيئا، وأن الروايات السعودية تشبه القصص المنفوخة، وأنه لا يوجد لدينا حداثة حقيقية، وأن الأمة العظيمة لا تنتج ثلاثة شعراء عظام في وقت واحد.
في هذا العدد من المجلة يكتب د. رمضان بسطاويسي عن ظواهر في المشهد الشعري والنقدي، ويتناول د. مدحت الجيار الغموض المستساغ ورؤية للنص الشعري، ويتحدث د. أيمن إبراهيم تعيلب عن محمود محمد شاكر وقراءة النص الشعري، ويكتب الشاعر أحمد مرتضى عبده تحت عنوان "انفتاح النص .. ضرورة القصيدة"، ويتناول الشاعر أحمد فضل شبلول ديوان "الآبق من حفل صاخب" للشاعر عبدالمنعم سالم.
أما ملف العدد الذي أعده الحسين خضيري فكان عن شعراء الأقصر، وفيه يتناول د. أحمد فؤاد جويلي الجداريات الأقصرية، بالإضافة إلى مختارات شعرية لعدد من شعراء مدينة الأقصر من أمثال: مأمون الحجاجي وحسين القباحي وآمال منصور وعزة الشرقاوي وغطاس حبيب وغيرهم.
وبالإضافة إلى ملف شعراء الأقصر، حفلت المجلة بقصائد وأشعار عدد كبير من الشعراء المصريين والعرب من مختلف التيارات والأعمار وصل عددهم إلى أكثر من أربعين شاعرا منهم: مجاهد عبد المنعم مجاهد، وبدر توفيق، وأحمد سويلم، ومحمد الفارس، وعلي عفيفي، ود. عزة بدر، وعلاء الدين رمضان، وعبدالرحيم الماسخ، ود. نصار عبدالله، ومحمود قرني، وفاطمة ناعوت، والمنجي سرحان، وأحمد السلامي، ومحمد خضر، وحاتم حسام الدين، وعبدالله السفر، وغيرهم.
كما نشرت المجلة مجموعة من قصائد العامية المصرية لشعراء من أمثال: عبدالرحمن الأبنودي، وسمير عبدالباقي، وعبده الزرَّاع، ويسري حسان، وأمين حداد، وطاهر البرنبالي، وجمال عدوي، وماهر مهران، وفريد طه، وغيرهم.
بالإضافة إلى إبداعات من خارج الحدود، ترجمها د. بهاء عبدالمجيد، وعبدالوهاب الشيخ، وعاطف عبدالمجيد. وأبواب ثابتة منها: مكتبة الشعر، وأصوات شعرية جديدة، و"تواصل" الذي يحرره سكرتير التحرير محمود خيرالله.
ولنا في النهاية أن نتساءل هل وجدنا في قصائد شعراء هذا العدد من مجلة "الشعر" القصيدة التي يجد فيها القارئ صدى صوته وملامح صورته وتجمع بين اتساع الرؤية وضيق العبارة؟ وهو سؤال يطرحه رئيس تحرير المجلة، ومدير تحريرها الشاعر فارس خضر.
ولعلنا نجد الإجابة في نص للشاعر صلاح عبدالصبور على الغلاف الخلفي من المجلة، وكأنه يعني الشعر بقوله: في كل مساء
حين تدق الساعة نصف الليل
وتذوي الأصوات
أتداخل في جلدي
أتشرب أنفاسي
وأنادم ظلي فوق الحائط
أتجول في تاريخي
أتنزه في تذكاراتي
أتحد بجسمي المتفتت
في أجزاء اليوم الميت.