مكتبة الإسكندرية لا تفرض وصاية على أحد

كتب ـ محمد الحمامصي
من أبرز المتخصصين في إدارة نظم وعلوم المعلومات

تعد د. سهير فهمي وسطاوي أحد أبرز وأهم المتخصصين في إدارة نظم وعلوم المعلومات والخدمات المكتبية مصريا ودوليا. عملت ما يقرب من 20 عاما عميدا لمكتبات جامعة إلنيوي الأميركية، إلى أن تم اختيارها في مسابقة دولية عام 2004 لتولي منصب أمين عام المكتبات بمكتبة الإسكندرية، حيث حملت مسئولية بناء البنية التحتية لمكتبات المكتبة من مواد ومعلومات يتلقاها الجمهور على اختلاف مستوياته العلمية والثقافية والعمرية. حصلت على أكثر من رسالة ماجستير ودكتوراه في مجال تخصصها، ولها العديد من البحوث والدراسات المنشورة في كتب ودوريات علمية عالمية. وفي هذا الحوار معها والذي يعد الأول نتعرف على الكثير من المعلومات الخاصة بالمواد التي تضمها مكتبة الإسكندرية وكيفية اختيارها وشروط هذا الاختيار، وكذلك موقف المكتبة من الكتب والكتابات ذات الطابع المُعارض أو المخالف، وغير ذلك من القضايا المتعلقة بالقارئ المصري والعربي.
في سؤال عن كيفية اختيار أو انتقاء المواد التي تُقدم للجمهور في مكتبة الإسكندرية، والضوابط والشروط الواجب توافرها في هذه المواد، أجابت د. سهير وسطاوي:
تخضع عملية اختيار الكتب والوسائط المتعددة والمعلومات الإلكترونية في مكتبة الإسكندرية لأسس معينة وقواعد تعارف عليها المتخصصون في علوم المكتبات والمعلومات، وتبدأ هذه الأسس من تحديد المؤسسة لأهدافها، فإذا كانت المؤسسة الأم مثلا جامعة فعملية الاختيار تنحصر في المواد التي تدرس بهذه الجامعة، وإذا كانت الجامعة مصنفة على أنها جامعة لها اهتمامات علمية وبحثية معقدة تكون الاختيارات على أسس مختلفة عن الجامعة التي تهتم فقط بالعملية التعليمية، وبما أن مكتبة الإسكندرية تعتبر نفسها مكتبة عامة وبحثية فإنها توفر مواد كثيرة أولية وليست معقدة لتخدم هذا الهدف، أما في الجزء البحثي فقد قررت المكتبة أن هناك ثمانية موضوعات فقط لها الأولوية في اقتناء المواد البحثية بعمق شديد، وتشمل هذه الموضوعات: مكتبة الإسكندرية القديمة، تاريخ العلوم مع التركيز على العلوم العربية والإسلامية المنشأ، قيم العلم والتكنولوجيا، التكنولوجيا الحيوية، التنمية، تاريخ الكتابة، النقد الأدبي والفني، علم المصريات، وتبعا لهذه الموضوعات فهناك ترتيب جغرافي حيث يكون الاهتمام بجميع المواد التي تنشر أو تتعلق أولا بمصر ثم دول حوض البحر المتوسط، ثم العالم العربي وأفريقيا ثم باقي العالم. وعند اقتناء مجموعات بحثية عن هذه الموضوعات البحثية تتم عملية الاختيار بواسطة متخصصين في هذه العلوم أو مكتبيين مدربين أكاديميا ومكتبيا عندهم القدرة العلمية على التمييز بين مثلا كتب للعامة وكتب للمتخصصين، عن كتاب يحتوى على المادة العلمية الموثقة بالمصادر المعروفة والمتميزة وبأشخاص متخصصين، ولهذا يطلع المكتبيون على كل ما كتب عن نقد للكتب وفائدته العلمية، وبناء على هذا يتم اكتسابه، وفي هذا المجال توجد مجلات علمية متخصصة في نقد هذه الكتب وتحقيق المواد العلمية، وتعتمد المكتبة على هذه المجلات في اختيار المواد التي تقتنيها.
وعن مفهومها لحرية الرأي والتعبير ترى د. سهير وسطاوي أن حرية التعبير والرأي جزء لا يتجزأ من حقوق الإنسان الدولية والمنصوص عليها في كل وثائق حقوق الإنسان والدستور الخاص بعدد كبير من دول العالم، وتعتبر حرية التعبير ركنا أساسيا لممارسة الديمقراطية.
وفي ضوء هذه الإجابة أسألها: هل يعني ذلك أنه ليس كل ما يصدر من أعمال إبداعية وفكرية وثقافية وصحف أيضا يخضع لهذا؟ وهل تمتنع المكتبة عن اقتناء صحف المعارضة على سبيل المثال، أو تتدخل لحجب مواقع إلكترونية مناهضة لسياسات النظام في مصر؟
تقول د. وسطاوي "بلا شك ليس كل ما يصدر من أعمال أو ينشر على هيئة كتاب أو غيره يصلح لاكتسابه. المكتبات تقيم المواد التي تقتنيها بناء على المنهج العلمي المستخدم في هذا الكتاب، المكتبة لا تقيم المواد المكتسبة بناء على الرأي المعبر عنه في هذا الكتاب لا يتواءم مع أيديولوجية الدولة أو آراء أو معتقدات الأشخاص الذين يعملون بها. وفي الحقيقة أن اتباع هذه الطرق لا تولد إلا الجهل، الجهل بالرأي الآخر، والجهل بهذه الأمور لا يولد إلا مناقشات عقيمة لا تقوم على أسس علمية سليمة. لا تفرض المكتبة أي نوع من الوصاية على روادها وتوفر العديد من صحف المعارضة ولا تضع أي نوع من الوسائل التكنولوجية لتحجب مواقع سياسية أو اجتماعية لا تتفق مع النظام أو الدين إيمانا بحرية الأفراد في ممارسة حقهم في قراءة ما يشاءون دون وصاية."
أسألها: وماذا عن الكتب التي قد تحمل آراء مغلوطة أو هدامة، ما هو الموقف منها؟
تجيب قائلة "الكتب التي تحوي آراء توصف بأنها هدامة أو مغلوطة تنقسم إلى قسمين: القسم الأول الذي يتعامل مع الأحداث والسياسات والآراء، والقسم الثاني يختص بالعلوم البحتة، فمثلا منذ أعوام قليلة ادعى اثنان من العلماء الأمريكيين أنهما قاما بعمل تجربة تفاعل نووي تسمي cold fioion بداخل معمل في الجامعة، ولم تكن هذه التجربة حقيقية ولم تخضع تجربتهما للبحث العلمي الصادق، وبالتالي اكتساب هذه الكتب المغلوطة علميا لا يؤدي أي خدمة للقراء ويعتبر اكتساب هذه المواد ضياعا للأموال. أما القسم الثاني والذي يتعامل مع آراء وافتراضات قد تكون هدامة، فالمكتبة تكتسبها لخدمة الباحثين المتخصصين لكي يقوموا بدراستها وتفنيدها، فإذا أخذنا على سبيل المثال الرأي الذي يقول إن مكتبة الإسكندرية القديمة قام بهدمها المسلمون عندما دخلوا مصر، لابد أن يقرأ المتخصصون في هذه الحقبة التاريخية هذه المواد ليقوموا بدراستها والرد عليها وينطبق هذا على الكثير من الموضوعات سواء كانت سياسية أو دينية أو اجتماعية. ولحساسية هذه الموضوعات وعدم قدرة غير المتخصص على التمييز بين المنهج المتبع في عملية النقد العلمي لهذه المواد، فإنها توضع في مجموعات خاصة بالباحثين وتعتبر مواد بحثية."
وعن الكتب التراثية في مجملها وبما أنها ليست نفعا خالصا، فهل تخضع لهذا التقييم؟. قالت د. سهير وسطاوي "إن المكتبة تطبق هذا التقييم على كل أنواع المواد سواء كانت كتب تراث أو غيره. والمكتبة مكان يعكس المجتمع لنفسه ولا تقوم بوضع نفسها كقاضٍ للكتاب على آرائهم أو معتقداتهم."
وعن الكتب التي تصدر في إسرائيل وتحمل أفكارا مناهضة للعرب والمسلمين، أضافت:
أيضا الكتب الإسرائيلية التي تحمل أفكارا مناهضة للعرب والمسلمين تخضع لنفس الأسلوب السابق، وإذا رجعنا لمقولة الكاتب أنيس منصور (اعرف عدوك) نجد أنه من الأهمية البالغة أن نتعرف على ما يكتبه الآخرون عنا، وأن نعطي أنفسنا حق الدفاع بدلا من تجاهل ما كتبوه، والجهل بما يمكن أن يقرأه الآخرون حول العالم ونكون نحن آخر من يعرفه.
وعندما سألتها: هل يقرأ المصري؟ وإذا كان لا يقرأ فما الأسباب؟ وهل هناك إحصائية تكشف عن طبيعة المواد الأكثر قراءة ومتابعة عبر الإنترنت بالنسبة إليه، وكيف تحلل ذلك؟ أجابت:
الإحصائيات العالمية تؤكد أن المصري ليس قارئا كبيرا حتى لو قلنا على مستوى الصحف، واحد من كل سبعمائة مصري يقرأ الصحف، وهذه نسبة منخفضة جدا، والأسباب متعددة ومتشابكة منها: ارتفاع نسبة الأمية ونظام التعليم الذي يقتصر على الكتب المدرسية و(الملازم) الجامعية، وكثير من المراحل التعليمية لا تطالب الطالب بقراءة مواد إضافية أو عمل الأبحاث والنقد الفني، علاوة على أن الكثير من أبناء الشعب المصري (43 %) يعتمدون على دخل يتراوح ما بين 3000 و3500 جنيه سنويا، أو ما هو متعارف عليه عالميا أنه (المعيشة تحت خط الفقر). هؤلاء الكادحون من أبناء الشعب مشغولون دائما وأبدا بتحصيل لقمة العيش، مما يجعل القراءة والذهاب إلى المكتبات أو شراء الكتب بالنسبة إليهم ضربا من ضروب الرفاهية، لذا ليس غريبا أن نجد كثيرا من أبناء الشعب يعتمدون على التليفزيون في اكتساب المعلومات بدلا من القراءة، وتشير د. وسطاوي إلى الإحصاءات التي تقول إن 95 % من الشعب المصري يقتني أجهزة تليفزيون.
ثم تتوقف وسطاوي أمام إنتاج الكتب في مصر والدول العربية مجتمعة الذي لا يزال إنتاجا ضعيفا، ففي مصر لا يزيد عدد الكتب التي تصدر سنويا على ألف كتاب، في حين أن بلدا صغيرا مثل إسرائيل ينتج أكثر من 14 ألف كتاب سنويا.
ثم تضيف "إن إنتاج الكتاب العربي على مدى أكثر من 200 سنة لا يتجاوز مليون ونصف مليون كتاب على أعلى تقدير، وهناك بعض الإحصائيات تقول إن الكتاب العربي في 200 سنة لا يتعدى نصف مليون كتاب."
وعن أكثر المواد قراءة في مكتبة الإسكندرية تقول د. وسطاوي: "إن قراءنا يقرأون الكثير في علوم الدين والأدب والعلوم الاجتماعية والتاريخ، وإن أقل أنواع القراءة في العلوم البحتة والجغرافيا والتكنولوجيا والهندسة. وفي رأيها أن التحليل الوحيد لهذه الظاهرة ينبع من ضعف الدراسة العلمية في المدارس والجامعات، وإذا كنا نريد أن نبحث عن شواهد أخرى فإننا يجب أن ننظر إلى عدد براءات الاختراع التي تدلنا على تدهور الدراسات والأبحاث العلمية."
أسألها: هل لديك أو لدى المكتبة خطة للعمل على زيادة عدد القراء الذين تستقبلهم؟
تجيب "بلا شك هناك العديد من الخطط لزيادة عدد القراء، والذي بلغ عددهم 240 ألف قارئ في السنة، وتشتمل هذه الخطط على تقديم الخدمات المكتبية للمجموعات التي لها احتياجات خاصة، فكما تقدم المكتبة خدمات للأطفال والنشء وفاقدي البصر وطلبة وأساتذة الجامعات، ستقدم في المستقبل خدمات جديدة لفئات أخرى وفي خارج المكتبة إلى هؤلاء الذين لا يستطيعون لسبب أو آخر المجيء إليها مثل مرضى المستشفيات وكبار السن وربات البيوت والمساجين."
وتصرح د. وسطاوي أن مكتبة الإسكندرية تستثمر الكثير من الأموال على تدريب شبابها وتطوير أساليب العمل والأجهزة التي يعمل عليها المكتبيون والجمهور وتقديم الخدمات الجديدة التي تتوافق مع مواكبة العصر والتقدم المستمر.
وعن ضعف رقم الكتب التي تضمها المكتبة (ما يقرب من نصف مليون كتاب) أسألها: ألا يعد هذا الرقم ضعيفا قياسا بما يصدر عربيا ودوليا، ألا يفترض بالمكتبة التوسع والمواكبة؟
فتجيب "عدد مقتنيات المكتبة وصل إلى 540 ألف مقتنٍ من كتب ودوريات وكتب نادرة ووثائق، وبالنسبة لعمر المكتبة (4 سنوات) يعتبر هذا الرقم شيئا ممتازا."
وتوضح قائلة "المكتبات مثل أي كائن حيوي تأخذ العديد من السنوات، تصل إلى المئات، حتى تصل إلى درجة عالية من النضج، مع ذلك هذه البداية عالية الكفاءة ستصل بالمكتبة في السنوات القادمة إلى مستوى المكتبات العالمية. وهي ترى أنه بالنسبة للمكتبات المصرية، فالرقم ليس ضعيفا على الإطلاق."
د. هدى وسطاوي عملت لفترة تقرب من 20 عاما بجامعة إلينوي بأميركا كعميد لمكتباتها، لذا كان لابد من سؤالها عن أوجه المقارنة بين مكتباتنا والمكتبات الأميركية، ومتى يمكن الوصول لكفاءة المكتبة الأميركية؟
قالت "الحقيقية أن المكتبات الأميركية تعد أحسن مكتبات العالم، وهي حجر أساس في عملية الديمقراطية وعنصر أساسي في حياة المواطنين هناك."
وهي ترى أن الكثير من المواطنين هناك بدأ استخدام المكتبات العامة في عمر صغير جدا يمكن أن لا يتعدى 3 سنوات أو أصغر.
ثم تتحدث عن كفاءة المكتبات الأميركية وأنها عالية جدا، وأن المكتبات في الدولة النامية ستحتاج إلى وقت طويل جدا قبل أن تصل لكفاءة المكتبات الأميركية، لأنها جزء من منظومة اجتماعية وسياسية واقتصادية وتعليمية، وليست شيئا معزولا عن المؤثرات الموجودة في المجتمع، وإذا حدثت عملية إصلاح في التعليم والاقتصاد وممارسة الديمقراطية ستصل المكتبات لكفاءة المكتبات الأميركية.