أول مؤلَّف في السيرة النبوية في العصر الحديث

بقلم: محمد سيد بركة
علامة فارقة

صدر مؤخرا في القاهرة عن سلسلة الذخائر التي تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة المصرية، كتاب بعنوان "نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز" لرفاعة رافع الطهطاوي، الذي يعد أوَّل كتاب وضع في السيرة النبوية في العصر الحديث. فقد انقطع المؤرخون عن كتابة السيرة على كثرة ما كتب فيها من قبل ما يزيد على أربعة قرون، حيث كان آخر ما كُتب في السيرة قبل كتاب الطهطاوي، كتاب المقريزي "إمتاع الأسماع بما للرسول من خولة وحفدة ومتاع" في منتصف القرن الخامس عشر الميلادي، ولما جاء رفاعة وكتب هذه السيرة صارت من بعده تقليدا راسخا من تقاليد كبار المفكرين، حيث كتب معظمهم عن السيرة النبوية، فكتب عبد الرحمن عزام "بطل الأبطال"، ومحمد حسين هيكل "حياة محمد"، والعقاد "عبقرية محمد"، وطه حسين "على هامش السيرة"، وتوفيق الحكيم مسرحية "محمد"، ونظمي لوقا "محمد"، خلافا لما كتبه المستشرقون عن السيرة النبوية.
ويضع كتاب الطهطاوي من بين أهدافه الرد على الصورة المشوّهة التي رسمها الكتّاب الغربيون الذين كتبوا عن الإسلام، فلقد قرأ الطهطاوي، وهو في باريس، ضمن ما قرأ مسرحية "محمد" للفيلسوف الفرنسي فولتير التي امتلأت بالهجوم على الإسلام، وعلى رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم.
والكتاب يعد علامة فارقة، حيث إن كتب السيرة التي ظهرت قبل ذلك لم تزد عن مجرد السرد التاريخي للوقائع والأحداث، بينما انفرد الطهطاوي باستخدام المنهج العقلي في تحليل الوقائع والأحداث، فقدم لنا السيرة النبوية من خلال المعرفة العقلية، كما استخدم المنهج الاجتماعي، فلم يكتف بسرد الأحداث سرداً تاريخياً مجردا، وإنما مهّد لذلك بدراسة الواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي كان قائما في شبه الجزيرة العربية قبل ظهور الدعوة الإسلامية ثم بعد ظهورها.
يعد الكتاب أيضا من أهم كتب الطهطاوي، باعتباره آخر مؤلفاته، وبالتالي فإنه يصور لنا ما وصل إليه أسلوب الطهطاوي في فن الكتابة. وفي هذا الكتاب وضع الطهطاوي الأساس للأسلوب الحديث في الكتابة بالعربية, وهو أساس قائم على توخي البساطة والسهولة والبعد عن التعقيد والتقعر والتحرر الكامل من قواعد الزينة اللفظية. وقد نشر الكتاب تباعاً في مجلة روضة المدارس، بالعدد 4 من السنة الثالثة والأعداد التالية من السنوات الثالثة والرابعة والخامسة.
وقد توفي رفاعة الطهطاوي قبل أن يتم نشر الكتاب كاملا في روضة المدارس، وترك مسوداته لابنه علي فهمي الذي قام على هذه المسودات، يعيد قراءتها حتى أنجز نشرها كاملة بعد وفاة الطهطاوي بعامين كاملين.
وجاءت الطبعة الجديدة مصورة عن طبعة مكتبة الآداب المصرية، منقوصا منها الجزء الذي كتبه نجل الطهطاوي، وتمتاز الطبعة الجديدة بتقديم الدكتور سامي سليمان أحمد أستاذ النقد العربي الحديث بجامعة القاهرة، تحت عنوان "رفاعة الطهطاوي ومدخل حديث لكتابة السيرة النبوية". الطهطاوي: سيرة حياة يعد رفاعة رافع الطهطاوي الذي ولد في منتصف أكتوبر عام 1801 - أي مر على مولده الآن أكثر من مئتي سنة - بمدينة طهطا إحدى مدن صعيد مصر, وهي السنة التي غادرت فيها قوات الحملة الفرنسية أرض مصر، من القمم في فكرنا العربي الحديث. وكانت عائلته ذات صدارة في المدينة, وتولى بعض أعضائها منصب القضاء ومنهم مَن اشتغل بالعلم وله تآليف.
وجاء رفاعة إلى الأزهر عام 1817 وقضى به متعلما خمس سنوات, وكان من أبرز أساتذته الشيخ العالم الفاضل حسن العطار (1766-1835) الذي تولى مشيخة الأزهر سنة 1830، وهو الذي ساعد على تهيئة ذهن الفتى رفاعة لتقبل العلوم العصرية.
وبعد تخرج رفاعة في الأزهر اشتغل بالتدريس فيه، حتى تم اختياره إماما لأول بعثة علمية كبيرة أوفدها محمد علي، إلى فرنسا لدراسة علومها ولغتها، بناء على انتخاب الشيخ حسن العطار له.
وهكذا سافر رفاعة إماما للصلاة ومرشدا دينيا, ولكنه سرعان ما يتحوّل إلى طالب كالباقين, بل صار أنبغهم وأكثرهم فائدة لمصر، أثناء إقامته بباريس وبعد عودته منها. تراث علمي ضخم ترك لنا الطهطاوي تراثاً ضخماً منه: تخليص الإبريز في تلخيص باريز أو "الديوان النفيس بإيوان باريس" ويتضمن الكتاب مشاهداته في رحلته وما انطبع في ذهنه أثناء إقامته بباريس. وفيها وصف أحوال فرنسا ونظام الحكم فيها وأخلاق أهلها وعاداتهم وعلومهم وفنونهم وآدابهم وعقائدهم وصنائعهم وأحوالهم المعيشية والسياسية والاجتماعية.
كما عرّب وهو في باريس كتاب "قلائد المفاخر في غريب عوائد الأوائل والأواخر". وكتاب المسيو ملتبرون في الجغرافيا، وله في الجغرافيا العمومية كتاب آخر اسمه "الكنز المختار في كشف الأراضي والبحار". وكتاب "التعريبات الشاقة لمريد الجغرافية" وهو كتاب ضخم عرّبه عن عدة كتب فرنسية, وأضاف إليه إيضاحات واسعة, ويتناول جغرافية مصر وسائر بلدان العالم, وقد عرضه على محمد علي، فأمر بطبعه ونشره لتعميم نفعه وطبع ببولاق سنة 1838. وكتاب "مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية" ويتضمن مباحث قيمة في التاريخ والجغرافيا والآداب والأخلاق والمواعظ والحكم. و"كتاب المرشد الأمين للبنات والبنين"، وهو كتاب أخلاق وتربية للمتعلمين والمتعلمات. نهاية الإيجاز قسم الطهطاوي الكتاب إلى عدة أبواب، وجعل في كل باب عدة فصول. فالباب الأول خصصه لمولد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إلى بعثته، وضم هذا الباب عدة فصول. الفصل الأول في مولده الشريف ونسبه المنيف ورضاعته وكفالته. والفصل الثاني في ذكر عمل مولده الشريف وإشهاره كل سنة، وفيما جرى في مولده، وفيما بعده، من وقائع. والفصل الثالث في زواجه بخديجة بنت خويلد رضي الله عنها، وما رزقه الله من الذرية منها.
أما الباب الثاني فخصصه في مبعثه صلى الله عليه وسلم، ودعائه الناس إلى الدين الحق وهجرته. وضم هذا الباب عدة فصول، تناول الفصل الأول في رسالته صلى الله عليه وسلم على رأس الأربعين إلى كل الناس بشيرا ونذيرا. والفصل الثاني في الهجرتين إلى الحبشة، والفصل الثالث في هجرته صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، قبل هجرته إلى المدينة المنورة، والفصل الرابع في الإسراء به صلى الله عليه وسلم ليلا من المسجد الحرام وعروجه من المسجد الأقصى إلى السماوات العلا.
أما الباب الثالث فقد خصصه الطهطاوي للحديث، في هجرته صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وما ترتب على ذلك من المظاهر الإسلامية والظواهر التعليمية، وقسمه إلى عدة فصول، خصص الفصل الأول للحديث في الأسباب الباعثة على هذه الهجرة والتمهيد لها. والفصل الثاني في سيرة مهاجر إلى المدينة مع صاحبه الصديق رضي الله عنه، وهو ابتداء التاريخ الإسلامي، والفصل الثالث في ذكر الظواهر الحادثة بعد الهجرة إجمالا.
أما الباب الرابع فقد خصصه الطهطاوي للحديث في تفاصيل الظواهر التي حدثت بعد هجرته عليه الصلاة والسلام، إلى وفاته صلى الله عليه وسلم. تناول الفصل الأول ظواهر السنة الأولى من الهجرة وما فيها من الغزوات. والفصل الثاني تناول ظواهر السنة الثانية للهجرة وما فيها من الغزوات. وهكذا الفصول الثالث والرابع والخامس وإلى التاسع، حيث قام علي فهمي رفاعة بعمل جدول لغزوات الرسول صلى الله عليه وسلم، كان والده رفاعة ينوي إعداده، ولكن المنيّة عاجلته قبل أن يشرع فيه. أما الفصل العاشر فكان للحديث عن وفود العرب عليه صلى الله عليه وسلم، وحجة الوداع.
وفي الباب الخامس تناول الطهطاوي الحديث عن وفاته صلى الله عليه وسلم، وذكر بعض أخلاقه وصفاته ومعجزاته وأزواجه وأعمامه وعماته وأخواله ومواليده وخدمه وحشمه، وجاء هذا الباب في أربعة فصول.
أما الباب السادس فخصه الطهطاوي بالحديث عن الوظائف والعمالات البلدية خصوصية وعمومية، أهلية داخلية وجهادية، التي هي عبارة عن نظام السلطنة الإسلامية، وما يتعلق بها من الحرف والصنائع والعمالات الشرعية على ما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء في ستة فصول.
والباب السابع كان في الحديث عن العمالات المتعلقة بالأحكام الخاصة بالإمارة العامة على النواحي والقضاء وما يتعلق به من إشهاد الشهود وكتابة الشروط والعقود والمواريث والنفقات والقسام وناظر البناء للتحديد وذكر المحتسب والمنادي ومتولي حراسة المدينة والجاسوس لأهل المدينة والسجان ومقيمي الحدود، وجاء في ثلاثة فصول.
والباب الثامن جاء في أحد عشر فصلا تناول فيها الطهطاوي العمالات الجهادية وما يتشعب منها أو ما يتعلق بها، كالإمارة على الجهاد واستخلاف الإمام على المدينة أو على الأهل إذا خرج للغزو صاحب اللواء وانقسام الجيش وغير ذلك من الأمور المتعلقة بالجهاد.
وفي الباب التاسع تناول الطهطاوي الحديث عن العمالات الجبائية. وجاء في ثلاثة فصول تحدث فيها عن الجزية وصاحب الأعشار والترجمان والعامل على الزكاة والصدقات وصاحب المساحة والأوقاف وصاحب المواريث والمستوفى والمشرف.
وجاء الباب العاشر مخصصا في العمالات الاختزانية. وتناول في فصوله الثلاثة صاحب بيت المال وخازن الطعام والوزان والكيال والأوزان والأكبال الشرعية المستعملة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وفي ضرب السكة، وفي اتخاذ الإبل والفتح ورسم الدواب وفي جمع الإمام مراعي للنعم الواردة من الزكاة.
أما الباب الحادي عشر فقد تناول فيه الطهطاوي الحديث في عمالات مختلفة، تناول الفصل الأول في المنفق وفي الوكيل وفي الأمور المالية وفي إنزال الوفد في دار الضيافة وفي إنزال الوفد عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. والفصل الثاني في المارستان والطب والرقية والفصد والمكان الذي اتخذ لإيواء الفقراء الذين لا يأوون على أهل ولا مال.
أما الباب الثاني عشر والأخير فخصصه الطهطاوي للحديث في حرف وصناعات كانت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتضمن الفصل الأول في التجارة وتوابعها، والفصل الثاني في حرف مختلفة للرجال دون الصنائع المذكورة لهم، والفصل الثالث من النساء المحترفات فيما يليق بهن. محمد سيد بركة barakah169@hotmail.com