ما الذي يعيق ثقافة الإنترنت؟

كتب ـ المحرر الثقافي
أين ذهب الآخرون؟

لم يحضر مؤلف كتاب "إثنوغرافيا الإنترنت" د. أحمد صالح مناقشة كتابه في الندوة التي أقيمت لهذا الغرض مؤخرا بقصر التذوق سيدي جابر بالإسكندرية، وأوضح مقدم ندوة منتدى الثقافة الرقمية الكاتب الصحفي حسام عبد القادر أن عنوان الكتاب غير مفهوم لدى الكثيرين، وكان الممكن لصاحبه أن يختار عنوان "مجتمع الإنترنت"، ولكنه اختار عنوان "إثنوغرافيا الإنترنت" على أساس أن مصطلح "الإثنوغرافيا" يشير إلى، أو هو، علم الثقافات.
ولاحظ عبد القادر أن عددا كبيرا من الشباب يلجأ إلى مقاهي الإنترنت، وأن عددا كبيرا من كبار السن والمحالين إلى المعاش يستمتعون بالإنترنت، وأن شبكة الإنترنت تساعد على انتشار الكذب، وعدم التزاور بين الناس، مثلها في ذلك مثل التليفون المحمول أو الخلوي أو النقَّال، وأن على الإنترنت نشأ مجتمع المجموعات البريدية.
بعد ذلك قدم الكاتب منير عتيبة ملخصا لأفكار الكتاب، متسائلا "هل مستعملو الإنترنت يشكلون ثقافة متميزة عن ثقافتهم الأصلية؟ وماذا نقصد بمفاهيم مثل المجتمع والثقافة في مجتمع لم يمض عليه أكثر من سبع أو ثماني سنوات والذي بدأ طريفا وغريبا وغامضا، وأصبح الآن واقعا؟".
وعن المفهوم السيسيولوجي للإنترنت قال عتيبة "إذا وصفنا مستعملي شبكة الإنترنت بأنهم يمتلكون ثقافة متميزة، إذن فهم يحتاجون أولا أن يكونوا مجتمعا واحدا، وكيف يكونون مجتمعا واحدا مع الحجم الكبير لامتداد شبكة الإنترنت عبر الفضاء العالمي الواسع؟."
غير أن المعضلة يمكن أن تحل بالنظر إلى الإنترنت كبنية فوقية مجتمعية، أو بنية فوق مجتمعية، وبالتالي فالإنترنت وعاء لبنية فوقية مجتمعية.
ويواصل عتيبة عرضه للكتاب قائلا "إنه لا يجب النظر إلى الشبكة كمجتمع مستقل، بل كبنية فوقية مجتمعية متحررة من قيود الطبيعة البشرية، وتستطيع أن ترضي وتزود أعضاءها بإشباعهم بمواد جاذبة لهم، وبالرغم من أن ثقافة الإنترنت توصف بالتميز الواضح المختلف، إلا أنها تشترك في العديد من العناصر مع الثقافات السائدة الأخرى.
إذن ثقافة الإنترنت تعد امتدادا طبيعيا للعناصر السائدة في الثقافات الأخرى، فمعظم ثقافة الإنترنت مأخوذة من هذه الثقافات السائدة، لكن هناك الكثير أيضا من تلك العناصر حدث لها تكيف ثقافي مع البيئة الجديدة وهي الإنترنت."
وأوضح عتيبة، في عرضه، أن العديد من علماء الاجتماع كتبوا عن تطوير الكيانات الاجتماعية على الإنترنت، وتلك الكيانات الاجتماعية الرقمية الجديدة تكونت في هيئة جماعات رقمية يتم تحاور البشر وتواصلهم عبرها، ومن أشهرها usernet فهي الشريان الذي يربط بين تلك الجماعات، وذلك من خلال المشاركة في المجموعات الإخبارية والبريد الإلكتروني ولوحات الرسائل وحجرات الدردشة ومؤتمرات الفيديو، حيث يتم الحوار بين آلاف البشر عن طريق شبكة الإنترنت، وهنا يثار تساؤل حول تلك المجموعات، وهل تعد مجتمعات محلية على فضاء الإنترنت؟ وهذا السؤال يولِّد سؤالا آخر عن تعريف المجتمع المحلي، وخاصة المجتمع المحلي المتشابك الخاص.
ثم ينتقل عتيبة إلى محور آخر عن العناصر المساعدة في ثقافة الإنترنت، ومنها: حرية المناقشة والتعبير، والترحيب الدائم بالأعضاء الجدد، والشعور بالانتماء القوي لثقافة مجتمع الإنترنت. وأيضا في ثقافة الإنترنت تُعرف شخصيتك من الذي تقوله، ولا يهم من تكون في الواقع، فضلا عن طرح ما يسمى بثقافة الهاكرز وتأثيراتهم على مجتمع الإنترنت الذي يعد مجتمعا تخيليا أو خائليا، بعد ازدياد شعبية الشبكة.
أما عن العناصر المعوقة لانتشار ثقافة الإنترنت، فمنها: مستوى الطلاقة في اللغة الإنجليزية، ومستوى الإلمام بأبجدية الحاسوب والإنترنت، ومستوى الإلمام بلغة ثقافة الإنترنت، ومشاعر العداء التي يحملها المستعملون الحاليون للمستعملين الجدد الناتجة عن مشاعر الإحباط والعدوانية التي يحملها هؤلاء الحاليون للجدد والتي تظهر خاصة أثناء الحوار والدردشة.
بعد هذا التلخيص لعدد من أفكار كتاب "إثنوغرافيا الإنترنت" باستخدام شاشة عرض داتا شو Data Show، شارك الحضور بالمناقشات والمداخلات والتعليقات والأسئلة.
الكاتب أحمد حميدة سأل: هل الإنترنت لها تأثير مباشر على الوضع في مصر الآن أدبيا وسياسيا واجتماعيا؟
وأجاب حسام عبد القادر أن لها تأثيرا كبيرا جدا في كل هذه المجالات، ولكن هل هو تأثير سلبي، أم إيجابي، هذا ما يجب أن نبحث عنه.
د. محمد مصطفى عبد النبي تحدث عن الهاكرز باعتبارهم شيئا إيجابيا، يسهم في تطوير التقنيات والتكنولوجيا الحديثة، وأن مفهوم الهاكرز باعتبارهم لصوصا أو يغيرون على المواقع ويسرقون أو يسيطرون على ما بها، فإنه ينحصر في عدد قليل منهم، وهذا يشهد لهم بالكفاءة والثقافة الواسعة في البرمجة وفك الشفرات وأساليب التكنولوجيا المتطورة. ثم واصل تعليقه بأن تأثير الإنترنت خطير جدا في المجالات السياسية والدينية والجنسية خاصة على الشباب، ويضرب مثالا بموضوع الرسوم المسيئة للرسول، صلى الله عليه وسلم، وأن الذي فجَّر هذا الموضوع مواقع ورسائل عبر الشبكة.
حسام عبد القادر تحدث عما يدور من أفكار حول تصفح المواقع الذي لن يكون مجانيا في المستقبل القريب، ولفت الانتباه إلى أن هناك مداولات تدور الآن حول دفع مقابل مادي أو اشتراك شهري أو سنوي لتصفح بعض المواقع المرغوبة لدى المتصفح، وبالتالي الإنترنت لن يكون مجانيا بعد ذلك.
المهندس حسن اللمعي تحدث عن تأثير الإنترنت على المجتمع الأدبي، وأن له تأثيرا إيجابيا، حيث إننا نقرأ لأدباء كثيرين على النت لم نعرفهم، ولا نستطيع أن نتجاهل هذا الانتشار والتأثير.
الشاعر أحمد فضل شبلول أوضح أن للإنترنت تأثيرا كبيرا جدا خاصة وسط مجتمع الشباب، فنحن نجد الشباب الآن يتحدثون مع بعضهم البعض باستخدام مفردات أو قاموس أو مصطلحات الإنترنت، أو يتحدثون مع بعضهم البعض من خلال برامج الدردشة والبريد الإلكتروني والمنتديات، أيضا تحدث عن تأثير الإنترنت على برامج وقنوات التلفزيون نفسها التي بدأت تنشئ مواقع لها، وتدعو المشاهدين إلى مزيد من المتابعة من خلال موقع البرنامج أو القناة على النت. أيضا تحدث عن بعض المواقع المؤثرة ذات المصداقية العالية لدى متصفح الإنترنت، وهذه المواقع هي التي سيكتب لها الاستمرارية ومتصفحوها يتزايدون يوما بعد يوم، وضرب مثلا بموقع يتردد عليه يوميا أكثر من مائة ألف زائر، ومن هنا تأتي فكرة مجتمع الإنترنت وثقافة الإنترنت المؤثرة.
الشاعر جابر بسوني تحدث عن عملية التأثير والتأثر، التي أحدثتها شبكة الإنترنت على المجتمع.
د. السيد نجم تحدث عن تجربته في التعامل مع النت من خلال إحدى مقالاته التي دخل عليها وقرأها وتصفحها عدد كبير من القراء والمتصفحين، كما تحدث عن تجربته في المدونات وعلاقته بكاتب ياباني يتقن العربية اطلع على بعض مقالاته، ودعاه إلى تصفح مدونته التي أنشأها الياباني بأكثر من لغة بما فيها العربية، وهذا مثال لمجتمع الإنترنت، وتلاقح الثقافات على الشبكة العالمية.
الأديب الشاب وسيم المغربي تحدث عن موقع "إطلالة" على شبكة الإنترنت، باعتبارها أول مجموعة أدبية شابة في الإسكندرية أصدرت مجلتها "إطلالة" ورقيا، ثم أسسوا لها موقعا على الشبكة.
الأديب الشربيني المهندس ضرب مثلا بعصر الآلة الحاسبة، وأن ما استخدمناه منها كان العمليات البسيطة لها من جمع وطرح وضرب وقسمة، مع أن هذه الآلة الصغيرة تحمل الكثير من الإمكانات أو العمليات الحسابية، والشيء نفسه بالنسبة للإنترنت فنحن لم نستخدم منها سوى العمليات البسيطة من إمكاناتها اللامحدودة، ثم تحدث عن عمليات الإلهاء الإنترنتي، والمجاملات في الرأي الأدبي أو النقدي على النت.
المهندس محمد حنفي تحدث عن الإنترنت باعتبارها وسيلة، وأنه يجب تحديد الهدف من دخول المستخدم على النت، وأنه يجب توعية الشباب خاصة والأطفال بالهدف من استخدام النت، بدلا من التشتت الذي يحدث أثناء وجودهم على النت، وإضاعة الوقت بلا طائل، أو عائد ما.
أخيرا تسأل الكاتبة حنان سعيد "لماذا لم تعقد هذه الندوة على النت نفسها، فيشارك كل منا، وآخرون، وهو في بيته وعلى جهازه؟".
وهو سؤال يعيدنا إلى طبيعة منتدى الثقافة الرقمية بالإسكندرية الذي يحاول مع اتحاد كتاب الإنترنت العرب، ووزارة الثقافة المصرية متمثلة في قصر التذوق سيدي جابر، نشر الوعي بالثقافة الرقمية لدى أوساط الشباب والأدباء العرب، وهو هدف من أهم أهداف الاتحاد.
وفي نهاية الندوة أعلن مقررها عن موضوع الشهر القادم بمنتدى الثقافة الرقمية، وسيكون عن الأمن والأمان على شبكة الإنترنت، ويتحدث فيها الدكتورة دعاء حسن.