عن إعدام صدام

فليحذر من يحارب الوحوش أن يتحول الى وحش! فردريك نيتشه

هل أن ما يجري في العراق يؤكد ما يردده البعض من أن الشيعة الذين رفضوا معظم النظم وعهود الحكم منذ زمن السقيفة ومرورا بالعهود الأموية والعباسية وما بعدها الى الخلافة العثمانية وأنظمة الحكم المتعاقبة في العراق الحديث، وغيره من البلدان، يجيدون فقط فنون معارضة الحكام في بلدانهم، ويتقنون كل ما يوصلهم الى الاستشهاد كقرابين فداء على مذبح الحرية ولكنهم لايحسنون أن يكونوا حاكمين؟
هذا السؤال يجيب عليه - حتى الآن على الأقل - الواقع العراقي الراهن الذي يعكس أن الشيعة الذين كانوا ضحايا القتل والاعدامات والتغييب والارهاب، وهم يقتلون يوميا حتى في يوم عيد الأضحى المبارك، لا يعرفون بالفعل أساليب الحكم وتكتيكاته بالرغم من التجربة الايرانية الناجحة في التعامل مع الحكام السابقين في عهد الشاه المخلوع!
ومبدئيا نسجل أن التعاون مع الولايات المتحدة لاسقاط النظام السابق، والقبول بمبدأ المحاصصة الطائفية والأثتية، ومجرد الوثوق بواشنطن، هو خطيئة سياسية كبرى ارتكبها بعض زعماء الشيعة نشاهد آثارها كل يوم في عراقنا الذبيح.
وفي قضية "إعدام صدام" من بدء المحاكمة حتى التنفيذ، لابد أن نؤكد هنا أن التوقيت في يوم عيد الأضحى – أو في يوم عرفة - كان فخّا أميركيا وقع فيه الأخوة الحكام، إذ تؤكد معطيات عدة أن الحكام العراقيين (الشيعة طبعا)، اقتنعوا بواسطة تسريبات أميركية مدروسة ومقصودة، أنهم إذا لم ينفذوا حكم الاعدام يوم السبت، فانهم لن ينفذوه الى الأبد "لأن الأميركيين سيقومون بتهريب صدام من سجنه الى خارج العراق، أو أنهم - أي الأميركيون - سيرضخون للضغوط الدولية والاقليمية التي ستزيدها شحنا الماكنة الدعائية غير الودية مع الشيعة، الى أن يُصبح من الصعب على واشنطن الموافقة على إعدامه".
الحكام العراقيون الشيعة، تعاطوا مع الأسف الشديد، بقضية إعدام صدام من خلفية ثأرية، وهذا حقهم كمواطنين تضرروا في حقبة صدام، الاّ أنهم لا يملكون هذا الحق .. حاكمين. وجاء تصويرُ الواقعة بالجرأة التي ظهر فيها الرئيس السابق، وتحوله الى "بطل" بعد أن كان المفروض معاقبته على ما اقترف! والهتافات التي أُطلقت من قبل بعض من سُمح لهم بحضور الواقعة، لتزيد من ضبابية المشهد العراقي المنقسم طائفيا منذ مؤتمر لندن منتصف ديسمبر 2002 برعاية السفير زلماي خليل زادة، ويسميه بعض الشيعة الحاكمين "أبو عمر" للتأكيد على نزعته الطائفيّة!
كذلك فان هروب "الرئيس الكردي" من التوقيع على الحكم لاصدار مرسوم بتنفيذه كاجراء شكلي نص عليه الدستور وقانون المحكمة الخاصة، وقبول رئيس الوزراء القيام بالمهمة وهوالمستعجل جدا لابلاغ عوائل ضحايا صدام "فرحة العيد: إعدام صدام"، جاء ليدثر هذه القضية بلباس طائفي يُضاف له أن مكان الاعدام كان الشعبة الخامسة لمخابرات النظام السابق المعنية باعدام الاسلاميين الشيعية خصوصا من حزب الدعوة الاسلامية الذي ينتمي له رئيس الوزراء ومستشاروه.
إعدام صدام في يوم عيد الأضحى – أو في يوم عرفة، يُكسب رئيس الوزراء نوري المالكي شعبية لدى الرأي العام الشيعي داخل العراق وربما خارجه، لكنه جعله يخسر الرأي العام العربي والاسلامي المتعاطف في أغلبيته مع صدام أثناء حكمه وبعد سقوطه بعملية الغزو العسكري الأجنبية، وقبل تنفيذ حكم الاعدام فيه. وهذا ما كان يجب أن يشرحه للمالكي مستشاروه ويحذروه من عواقبه.
ومن السهل أن تُنفذ الحكومة العراقية حكم الاعدام، وأن نشاهد مستشاري المالكي على الفضائيات، ونستمع لهم في الاذاعات ونقرأ لهم في بقية وسائل الاعلام وهم يدافعون عن "قرار التنفيذ".. نعم ليس صعبا عليهم أن يشتموا معارضيهم ويسخروا ممن بكى أو تباكى على صدام - وفيهم عدد كبير من الاعلاميين العرب – لكنهم، أي مستشاري المالكي، فعلوا ذلك ونسوا أنهم ماعادوا اليوم في خانة "المعارضة " لصدام وحكمه الذي ذهب مع الريح بغزوة أنجلو اميركية، وتحولوا هم الى حكامٍ لشعب يعترفون هم أنه يتألف من "مكونات " عديدة!
لن أدخل في تأريخية، وفقهية الخلاف حول تحديد "هلال العيد" في شهر رمضان بشكل خاص، ولكن ما أريد قوله هنا هو ان الحج الذي يؤدي الى عيد الأضحى، إنما هو مواقيت وأمكنة، وأن إعدام صدام تمّ في يوم العيد أو في يوم عرفة بحسب التوقيت الشيعي، وهو يوم من أيام الله خصوصا إذا عرفنا أن من لم يدرك عرفة لم يحج، والحج عرفة.
وهنا أشير الى أنني من دعاة توحيد العيد خصوصا الأضحى لأن حجاج المسلمين الشيعة والسنة متوحدون فيه: ينحرون الأضاحي في يوم واحد!
ولن أدخل في جدلية الاحتلال و مشروعية المحكمة التي أصدرت حكم الاعدام على صدام - وأنا وأسرتي وأسرة زوجتي وأسرة خالي وخالتي وبعض أبناء عمومتي من ضحاياه- كما لن أخوض في تحميل فريق الدفاع عن صدام الموهوس بالاعلام والبحث عن الشهرة، والذين أوقعوا بموكلهم عندما تركوه يتحدث ليقدم للمحكمة وعلى طبق من ذهب اعتراف بالقتل، وكانوا يتعاملون معه كرئيس وليس كمتهم يبحث عن براءة، أي أنهم رضوا بأن يحدد هو ما يريد قوله في المحكمة، بينما هم مشغولون بالشكليات ولعبة الانسحاب المتكررة من القاعة، فساهموا مع الاحتلال، في أن لا يحصل صدام على محاكمة عادلة!
لن أدخل في تفاصيل كل ذلك – الآن على الاقل- لكن ....ما أود قوله هنا في هذه العجالة هو إنّ صدام كان "سنيّا " وإن ّ يوم عيده هو السبت والقانون لايجيز اعدامه في يوم عيده، وإن الشيعة الحاكمين، لم يجيدوا حتى الآن لعبة الحكم وما فيها من مرونة ودبلوماسية والتعاطي مع "الآخر" ومع الوقائع من باب "لكل مقام مقال" و"نحن معاشر الأنبياء نكلم الناس على قدر عقولهم"...
فهل تحقق ذلك في إعدام صدام؟
وقبل ذلك لماذا أختيرت قضية الدجيل "الشيعية"...لتكون الحبل الذي التفّ حول عنق صدام ... صبيحة عيد الأضحى المبارك، ولتفجر معها ذلك الانقسام الطائفي البغيض الذي زرع بذرته الأميركان، ولتُقبر معه إجابات عن أسئلة تظل صعبة؟
لقد كان بامكان المحكمة اذا كانت مستقلة أن تبدأ بالقضايا الكبرى التي تحرك عواطف الرأي العام العربي والاسلامي لصالح ضحايا "الأنفال" و"حلبجة " بشكل خاص، دون الشروع في قضية تُعدُّ سهلة في حسابات عدد الضحايا، وأن يصدر حكم الاعدام في تلك القضايا الكبرى التي لا ترتبط من قريب أو بعيد بشيعة العراق، ولا تثير شبهات-يبدو أنها مقصودة- حول ....الانتقام الطائفي!!
وليحذر من يحارب الوحوش أن يتحول الى وحش!
أليس كذلك؟

--
وما من كاتبِ الا سيفنى وُيبقى الدهرُ ماكتبت يداهُ
فلا تكتب بكفك غير شيء ُيسرك في القيامةٍ أن تراهُ نجاح محمد علي - دبي