في الداخل السعودي، منْ سينزع فتيل الصراع المذهبي؟

من غير المستبعد أن يحدث صراعا طائفيا أو مذهبيا حادا في السعودية، لأن كل مقومات ومحرضات الصراع محليا وإقليميا قائمة ومتوافرة: الأجواء والظروف التي تشهدها المنطقة تحضر للفوضى ولهذا النوع من الصراع تحديدا، والبيئة السعودية المحلية على الأخص لديها القابلية أكثر من أي بيئة أخرى لأن تشتعل فيها مختلف أنواع وأشكال الصراعات، سيما وإن الذهنية السعودية مشحونة بالقناعة أو العاطفة الدينية الشديدة لدى قطاع واسع من السعوديين ولا تحتاج إلى تعبئة أو نفخ وتأجيج أو تهييج أو تحفيز أيضا، وهي بالمناسبة أبرز المحرضات لكل صراع محتمل.
التهويل مثلا من خطر الشيعة ككل - وشيعة السعودية قطعا ليسوا استثناء عن القاعدة - مضافا إلى النظر إليهم وكأنهم طابور خامس في أوطانهم، مما يستوجب التعامل معهم ككتلة واحدة وبحذر شديد وتشكيك دائم وشيء من الإهانة غالبا دون النظر للكثير من الاعتبارات. التحريض ضدهم أو سواهم من قبل الرموز الدينيين والسياسيين، يعزز قناعة المتعطشين لسفك دماءهم والنيل منهم، مما يؤدي إلى إشعال فتيل الصراع الطائفي، ذلك التحريض يعاضد أيضا منظومة التكفيريين الاعتقادية، وربما يشكل أنسب غطاءً وأقوى ذريعة لهم في الوقت الراهن للإسراع في قرع جرس البداية أكثر من أي وقت آخر.
قناعة واحدة من بين عشرات القناعات الخطيرة المشحونة في الذهنية السلفية المتشددة من قبيل: أن ما يصنفون بالعلمانيين أو اللبراليين في السعودية أو الشيعة تحديدا، هم كفار وأولوية قتلهم أرجح من قتل الكافر الصريح حتى لو كان محتلا، هذه القناعة وحدها تكفي لأن تفتح أبواب جهنم في المملكة وتجعل الأمن والاستقرار الاجتماعيين على كف عفريت. كيف لا، والحال أكثر من ذلك، فالقناعة اليوم تعاضدها عشرات فتاوى التكفير ومئات البيانات والخطب والمؤتمرات التحريضية وبشكل مكثف، زد عليها كل الاعتبارات السابقة؟!
لكن، ليس بالضرورة أن يكون الصراع المذهبي أو الطائفي في السعودية وشيكا أو حتميا، ولكنه بكل تأكيد ليس مستحيلا أو مستبعدا، وهنالك تخوف حقيقي من قبل كل المراقبين من دخول المملكة في صراع حاد اشد وأوسع وأشرس من الصراع السابق، أعني «حين عودة المجاهدين السعوديين من العراق»، خصوصا بعد أن تهدأ الساحة العراقية وتستقر. في حال نشوب الصراع ليس بالضرورة أن يكون مشابها لما يجري في العراق، وإنما قد يأخذ أشكالا وصورا مختلفة أشبه بما كان يجري في أفغانستان أو باكستان سابقا من تفجيرات واغتيالات والقتل على الهوية مثلا، أو مماثل لما جرى مؤخرا أو يجري حاليا في فلسطين ولبنان من اغتيالات واختطافات وليس تظاهرات أو اعتصامات!
من غير المستبعد أن الجهات الأمنية في المملكة قد اعتقلت بعض الإرهابيين في المملكة وتبين بعد التحقيق معهم أنهم كانوا يعدون لإعمال إرهابية فيها خطف واغتيال لمفكرين وكتاب وشخصيات دينية قد وضعوهم في قائمة التصفية، لان فتاوى التكفير والتحريض وقتل العلمانيين واللبراليين والشيعة والمغايرين عنهم في السعودية لم يجف حبرها بعد.
في ظل تنامي عدد الخلايا الإرهابية «النائمة والمستيقظة» في البلد، هل يُستبعد أن يكون بيننا الآن تكفيريا واحدا مندسا على الأقل من بين مئات التكفيريين المجهولين والمنتشرين، وقد يكون قرأ البيان التحريضي لـ(38)عالما سلفيا، أو أخذ ببعض توصيات مؤتمر اسطنبول الذي يتضمن دعوة صريحة لسفك الدم الشيعي أينما كان، كرد فعل على ما تقوم به من يسمونها بفرق الموت الشيعية في العراق - والتي ندينها ولا ينبغي في المقابل أن نتحمل وزرها إن كانت بالفعل تمارس القتل على الهوية تحت أي مبرر أو أي عنوان كان- أو ربما حفزته فتوى الشيخ السعودي البراك الأخيرة التي تدعوا ضمنيا وبشكل صريح لمباشرة قتل الشيعة لكون «خطرهم على المسلمين أعظم من خطر اليهود، والنصارى» كما هو الاعتقاد السائد لدى المتشددين التكفيريين؟!
بدلا من أن يكلف التكفيري نفسه في البحث عن يهودي أو نصراني في آخر الدنيا مدجج بالسلاح ومحصن وقد يفلس من قتله ويخسر الأجر والثواب ولا يظفر بحور العين، ينبغي أن يتوجه لفريسة من داخل بلده ومن منطقته ففيها من العلمانيين واللبراليين والشيعة ما يكفيه ويزيد، وهم بالمناسبة غير محصنين ومجردين من السلاح، بالإضافة إلى أنهم صيد قريب وسهل، فإن أجر قلتهم أكثر وأكبر سيما «الشيعي» بحسب الاعتقاد السلفي السائد! وفق الاعتقاد السابق هل نستبعد من سلفي تكفيري مشحون أن يفجر مسجدا مكتظا بالمصلين الشيعة أو سوقا شعبيا في المنطقة الشرقية مثلا؟!. كلا وألف كلا، خصوصا إذا كان السلفي مستعجلا على الجنة للإفطار مع الرسول والصحابة أو لمعانقة حور العين هناك، فالطريق سهل وقصير: مجرد حزام ناسف ليس أكثر!
حينما ينشب صراع في المملكة ايأ كان شكله، ليس بالضرورة أن تدخل كل أو بعض مكونات المجتمع كأطراف في هذا النزاع، وهكذا ليس بالضرورة أيضا أن يكون الاقتتال متبادلا، إذ يكفي أن يكون القتل من طرف واحد وضد طرف واحد فقط ، وبمجرد أن يحدث الصراع بكل تأكيد ستغرق البلد في بحر من الدماء والفوضى والخوف وعدم الاستقرار.
ما هو قائم في السعودية من بغض وكراهية وتحريض وتكفير وتخوين وقطيعة بين كل أو بعض مكونات المجتمع وأقاليمه المتعددة والمتنوعة، وخصوصا المتنافرة منها.. كل ذلك يعد فتائل لديها قابلية الاشتعال في كل إقليم وفي كل وقت. ضمن هذا الوضع القاتم والمخيف، فان المجتمع السعودي بنخبه الفكرية والدينية والسياسية وبطوائفه ومذاهبه المتنوعة أمام خيارين لا ثالث معهما: إما أن يسعى الجميع وبكل جهد وبمختلف السبل لانتزاع فتيل الصراع، أو اننا ننتظر التحريضيين والتكفيريين، ونتفرج عليهم فقط، حتى يسيروا بالوطن وطوائفه إلى المجهول. محمد الشيوخ
باحث سعودي