تعيش الحرب.. وليسقط السلام

قبل ان تتحول المقاومة المسلحة في العراق الى فخٍ ومنزلق للمشروع الإمبراطوري الأميركي-الصهيوني، كان من عظيم الخطأ، بالنسبة للفلسطينيين ألا يبحثوا عن أي صيغة للسلام تحفظ لهم، ولو الحد الأدنى، من حقوقهم الوطنية المشروعة.
اليوم، صار من عظيم الخطأ، أن يقبلوا بأي صيغة تتخلى عن سنتمتر واحد من تلك الحقوق، بما فيها إزالة إسرائيل من الوجود. لأن هذا هو ما يمكن أن يحصل؛ وهذا هو ما يجب أن يحصل.
ولكن، كيف وقع هذا الانقلاب؟
ومن أين جاءت الفرصة؟
***
بسيطة:
1- الولايات المتحدة لم تأت الى العراق لتغزو من أجل مصالحها الخاصة وحدها، ولكنها فعلت من أجل تعزيز مكانة ومصالح إسرائيل أيضا. وسواء كانت الولايات المتحدة هي كلب الصهيونية الشرس في العالم، أو أن الصهيونية هي كلب الولايات المتحدة الشرس في المنطقة، فان هذين الكلبين ينبحان معاً، وبينهما تحالف استراتيجي يجعلهما قوةً واحدة.
2- عندما تضعف أي من هاتين القوتين، أو تجد نفسها في مأزق، أو على شفير الهاوية، فان الأخرى تضعف أيضا.
3- الولايات المتحدة أقوى قوة عسكرية واقتصادية وتكنولوجية في العالم، وتستطيع ان تنفق الى ما لانهاية على أي حرب وفي أي مكان، بل وتستطيع ان تضرب العراق بقنابل نووية، إذا وجدت ذلك مفيدا لمصالحها، وهي قتلت بالفعل ما يعادل ثلاثة أضعاف ضحايا قنبلة هيروشيما، إلا أنها فشلت، وراكمت أخطاءً فوق أخطاء، بمستوى يفوق الوصف، حتى ليجوز للمرء أن يتساءل: أين مراكز الأبحاث؟ وأين "الخبراء"؟ وأين "براميل التفكير" (التي تدعى Think Tanks)؟ هل ظهر انهم كلهم حمير، وأدمغتهم براميل قاذورات؟ وهم، إذ ينتقدون الأخطاء اليوم، فأين كانوا بالأمس؟ هل هذا معقول؟
ولكن هذا ما حصل. حتى لكأن الله أعمى قلوبهم أجمعين، فسخطهم الى حمير فعلا.
4- وزراء الدفاع ورؤساء الأركان وكبار الضباط لا يستقيلون من مناصبهم لانهم حققوا نجاحا، بل لأنهم فعلوا كل ما في وسعهم وفشلوا، حتى صار نزولهم من صهوة العناد شرا لا بد منه.
5- الولايات المتحدة فشلت في العراق ليس لان قوتها العسكرية والمادية ضعيفة، وليس لأنها لم تُسخّر ما يكفي منها لـ"تحقيق النصر"، بل العكس تماما: فلأن الولايات المتحدة قوية للغاية، وقادرة للغاية، ولأنها سخّرت من أجل "النصر" عديداً ومعدات أكثر مما يجب، فإنها سقطت بقوتها نفسها، بانقلاب غطرسة هذه القوة عليها هي نفسها. وهي بتحولها الى قوة قهر واستخفاف جماعي، فإنها إستعْدَت على نفسها حتى أولئك الذين وقفوا حيالها موقف الحياد.
6- الولايات المتحدة فشلت لأنها لم تستوعب، ولا كان بوسعها أن تستوعب، جملة من الأساسيات (الثقافية والاجتماعية والسياسية والتاريخية) عن طبيعة المجتمع العراقي. وعلى سبيل المثال، فان القوة بالنسبة للولايات المتحدة هي قوة قتل وتصفيات وإبادة وسحق ومحق وتعذيب واغتصاب وسجون...الخ (وهي جربت بالفعل كل هذا) لتكتشف أنها كلما زادت قدورها من هذه الخلطة، كلما تصاعدت المقاومة أكثر. لماذا؟ لأن القوة لا تشتغل ضد العراقيين (ليس القوة الأجنبية على أي حال)، وحتى ولو انتهت واشنطن باستخدام قنابل نووية فان ذلك لن يُغيّر في الأمر شيئا. بالعكس، فان النتائج ستكون أكثر سوءا.
6- المزيد من القوات، قد يعني المزيد من القتل والقهر، ولكنه سيعني، بطبيعة الحال، المزيد من أعمال المقاومة أيضا.
7- الثقافة الغربية (الاجتماعية والسياسية معا) هي ثقافة مصالح؛ ثقافة منطق؛ ثقافة 1+1=2. (وهي تعني في الحرب: نقتل 10، فيخاف 10، فنكسب ناقص عشرين من الأعداء). الثقافة العربية والاسلامية (الاجتماعية والسياسية معا) هي ثقافة كرامة. والكرامة اذا تحولت الى جرح فانها تتجاوز كل منطق. ولهذا السبب، تقوم هذه الثقافة بتخريج "انتحاريين" لا يمكن فهم دوافعهم في الغرب. بالنسبة لثقافتنا: 1+1 لا يساوي 2 بالضرورة. (وهي تعني في الحرب: تقتلون 10، نقتل منكم 10، والبادئ أظلم، الى يوم يبعثون). هل يعني ذلك "دمارا ذاتيا"؟ ذوو المنطق سيمعنون النظر. أما نحن فسنقول "لا تختلف".
الفارق بين هاتين الثقافتين كبير جدا. وهو الفارق نفسه الذي سيكون (كما كان دائما) سببا لهزيمة الغزاة، برغم كل التكنولوجيا وكل الأسلحة وكل المال. وبما انه فارق ثقافي بالدرجة الأولى، فانه ما من أحد في كل "عبقرية" البنتاغون سيكون قادرا على حسابه أو فهمه. وهم كلما حاولوا: 1+1 فان النتيجة لا تكون 2، فيضطرون الى ضرب رؤوسهم بالحيط أكثر وأكثر، حتى ينفلج.
8- أميركا التي لم تفهم هذا الفارق، لم يعد بوسعها، وهي في الحفرة، أن تفهم. الوقت فات. وحتى إذا فهمت فأنها ستخسر، لأنها ستضطر الى التسليم بمنطق هو ليس منطقها. ولذلك، فقد كان من الطبيعي ان تختار المضي أبعد في أعمال الحفر، إنما... لتكون قبرا.
9- التعويل الشديد على أهمية "النصر" في العراق، هو نفسه سيجعل الكارثة أكبر. وعواقب هذه الكارثة لن تقتصر، بطبيعة الحال، على العراق وحده. فحتى الانسحاب وحده قد لا يكفي.
10- تاريخيا، كان العراق مقبرة للعديد من الإمبراطوريات. حتى المغول عادوا منه مسلمين. كان ذلك هو الدرس. ولن يكون من العجيب أبدا أن يعود الأميركيون منه ليسوا مسلمين فحسب، بل سُنة أيضا. إذ سيلقنهم العراقيون الدرس، بالفقه الملائم من المتفجرات. ولا يهم كم يُقتل من العراقيين. "لا تختلف". بعبارة أخرى: it doesn't matter.
ومثلما كانت أفغانستان مقبرة للإمبراطورية السوفياتية (للسبب نفسه: 1+1 لا يساوي 2)، فان العراق سيكون مقبرة للإمبراطورية الأميركية. وهناك كلما حاول حمير الـThink Tanks أن يرقعوا فتقاً، فعلى فتقٍ آخر سيحصلون.
في وضع تاريخي مثل هذا، قد يكون من الحكمة انتظار كيف سيكون مصير الكلب الكبير، قبل التفاوض مع الكلب الصغير.
وفي وضع تاريخي مثل هذا، قد يحسن انتظار رؤية الإمبراطورية الأميركية تنهار، لنرى كم سيبقى من الإمبراطورية الصهيونية قابلا للحياة.
قبل غزو العراق لم تكن لدينا مقاومة مسلحة في ما يسمى "حرب عصابات"، ولا حتى مشروع مقاومة، فكان البحث عن السلام، أي سلام، ضروريا. أما اليوم، فلدينا وضع مختلف تماماً. الكلب الكبير نفسه يرزح تحت أعباء الفشل ويواجه إحباطاً بعد إحباط، مما يجعل الجلوس الى طاولة المفاوضات عملا ضارا حتى ولو كان من اجل شرب الشاي فقط، فما بالك بالتفاوض على مصير قدس الأقداس.
هل من الصعب، بعد ذلك، أن يدرك المرء لماذا تذهب دمية الدجل والنفاق توني بلير، لتجول في المنطقة سعيا لـ"إحياء عملية السلام"؟
انه يفعل ذلك، فقط، من اجل تحييد عواقب الهزيمة الأميركية في العراق على إسرائيل؛ من أجل حمايتها من مواجهة وضع تضطر معه الى تقديم تنازلات جوهرية، ومن أجل أن يقبل الفلسطينيون بالصفقة الخاسرة المعروضة عليهم اليوم لكي لا يطالبوا بأكثر غداً.
***
لا شك انه من الصعب تماما تقدير كم من الوقت سيستغرق الأميركيون قبل أن يقتنعوا بمنافع الفرار. ولكن لا يوجد أي مبرر للشك بالنتيجة. إنها آتية لا ريب فيها. والحساب، إنما يجب أن يبدأ منها، لا من أية نقطة قبلها. الذين يثقون بحكمة التاريخ يدركون انه لا مستقبل للغزاة في العراق، ومصير عملائهم سيكون عاشوراء، وأي عاشوراء.
العراقُ عراقٌ في آخر المطاف. وحتى لو انتهى المطاف به كمثل الصومال، فانه سيعود العراق نفسه. السومري والبابلي والكلداني والآشوري والعباسي نفسه. حيث كشف الله عن نفسه لبشر لأول مرة. ومثلما لم يكن يتوقع أحد حجم المقاومة التي اندلعت فيه، فان أحدا لا يستطيع أن يتوقع الطابع المشهدي المدهش لاندحار الغزاة فيه.
هناك، في تلك الساعة، في يوم القيامة ذاك، ستكون المفاوضات شيئاً مختلفاً تماماً عن أي مفاوضات يجريها الفلسطينيون الآن.
أميركا تستطيع العيش من دون إسرائيل. ولكن إسرائيل لا تستطيع العيش من دون أميركا. وبدلا من التفاوض على شبر هنا، ومتر هناك، ربما سيكون من المنطقي (إذا بقي إسرائيليون أصلا) التفاوض على وجود الكيان الصهيوني نفسه.
يحسن الأخذ بعين الاعتبار جملة حقائق:
1- إسرائيل كيان غير قادر على الدفاع عن نفسه. صحيح ان لديها أسلحة دمار شامل، إلا ان انهيار "العقيدة الدفاعية" (حيال المقاومة بالقذائف والصواريخ) يجعل تلك الأسلحة من لزوم ما لا يلزم.
2- إنها كيان فاشل جغرافيا، حتى من دون إعادة الأراضي المحتلة، ومن السهل تقطيع أوصالها وإرباكها في أي حرب.
3- اليهود الذين تخلوا عن كل مظهر من مظاهر الذوق السليم ليهاجروا من أوروبا وأميركا الى كيان مُحاصر ومعزول ومنبوذ، سوف يستعيدون الكثير من الحس، ليكتشفوا منافع العودة.
4- خدعة "أرض الميعاد" ستنهار لتلتحق بالأسطورة حيث كان يجب أن تبقى كيوتوبيا دينية وليس ككيان مسلح يعيش على القتل ونشر الدمار.
5- ارتكبت إسرائيل بالفلسطينيين وبشعوب الجوار من الجرائم واعمال الدمار أكثر مما يمكن حسابه. ومن اجل حماية هذا الكيان وابقائه حيا كان يجب أن يُقتل مئات الآلاف على امتداد سنوات الصراع ويهجر الملايين وتنفق أموال كانت تكفي لتبليط الطريق الى القمر. وبمنطق التوراة، حيث تؤخذ العين بالعين والسن بالسن، فان من حق شعوب المنطقة (التوراتي) أن يقدم الصهاينة ما يماثل العدد نفسه من الضحايا وأن يقدموا الكم نفسه من التعويضات. مما يجعل الهجرة المعاكسة والتخلي عن فلسطين أرخص.
6- اليهود لم يعودوا، في أوروبا ولا في أي مكان آخر، ضحايا لأعمال التمييز. بل أن أحداً هناك لم يعد يستطيع ان يقول لليهودي أي كلمة، ولا حتى على سبيل المزاح، من دون أن يُتهم بـ"معاداة السامية" وبـ"نكران المحرقة" بل وربما المساهمة فيها. وسيجد الإسرائيليون أنفسهم أمام السؤال: اذا كان الحال كذلك، فلماذا العيش في كيان مُحاط بما تسميه كتبهم المدرسية "جراد" و"صراصير" و"لصوص" عرب؟
7- الولايات المتحدة، إذ حاربت من اجل حماية إسرائيل، فأنها إذا شعرت بوطأة الهزيمة في العراق، فلا بد ان الكثير من الأصوات في الولايات المتحدة ستسأل: هل تستحق هذه الإسرائيل الثمن الذي دفعناه من أجلها؟
8- لن يكون من السهل أن يبدل الصهاينة الحصان، أي أن ينتقلوا من صهوة إمبراطورية غابرة الى صهوة إمبراطورية صاعدة، كما فعلوا مع بريطانيا، إذ لا يوجد حصان يتحمل تكاليف ركوبهم، من ناحية، والإمبراطورية الأميركية، من ناحية أخرى، هي آخر الإمبراطوريات.
فلماذا العودة الى طاولة المفاوضات؟ ولماذا السلام؟
هم أرادوها حربا تفتك بالملايين، بمقدار ما تفتك بنفوذهم ومكانتهم ومصالحهم أيضا. حسنا: تعيش الحرب، وليسقط السلام. علي الصراف alialsarraf@hotmail.com