ملامح 'التغيير' كما كشفها غيتس!

وزير الدفاع الأميركي الجديد روبرت غيتس أعلن، في ختام زيارته لبغداد، التوصُّل إلى ما وصفه بـ "اتفاق استراتيجي واسع" مع حكومة نوري المالكي على "سبل وقف أعمال العنف في بغداد وإعادة الأمن إليها"، فالتغيير في استراتيجية الولايات المتحدة في العراق (وحوله) والمتوقَّع أن يعلنه ويوضِّحه الرئيس جورج بوش مع بداية السنة الجديدة يجب أن يُتَرْجَم أولا في بغداد بإجراءات وتدابير تجعل العاصمة العراقية تبدو، في أسرع وقت ممكن، أكثر أمنا وأمانا واستقرارا، تتضاءل فيها كثيرا الخسائر البشرية الأميركية، وتتراجع معدلات أعمال العنف الطائفي بين الشيعة والسنة من سكانها.
وإنْ حدث هذا فلن يحدث لكون أطراف النزاع قد توصَّلوا إلى اتفاق سياسي يسمح بإخراج العاصمة العراقية من الصراع المسلح، أكان بين الجنود الأميركيين ورجال المقاومة أم بين القوى العراقية المتورِّطة في أعمال العنف الطائفي بين الشيعة والسنة من سكان بغداد، فاتفاق كهذا ليس في متناولهم جميعا، وليس ثمة ما يرجِّح احتمال أن تنجح إدارة الرئيس بوش في جعل الاتفاق بين "المعتدلين" من القيادات الشيعية والسنية والكردية جزءا أسياسيا من استراتيجيتها الجديدة المعمول بها في العراق بدءا من السنة الجديدة، فالقيادات الشيعية جميعا، من سياسية ودينية وعسكرية، وبدعم من إيران، متَّفِقة على اجتناب كل صراع يمكن أن يتحوَّل إلى حرب أهلية بين الشيعة أنفسهم، فـ "جيش المهدي" المسلح، والذي يزداد تسلُّحا وتورُّطا في أعمال العنف الطائفية ضد السنة من عرب العراق، والذي يتعزَّز نفوذه السياسي والديني في استمرار بين أبناء طائفته، لن يتحوَّل، بتعاون الولايات المتحدة مع "المعتدلين" من القيادات الشيعية، إلى أعزل، فمنبوذ.
هذا الائتلاف الشيعي سيظل متَّسِعا لجماعة مقتدى الصدر، التي ستُساعِد المالكي بأن تُظْهِر نفسها، وتَظْهَر، على أنها أقل تورُّطا، أو كفَّت عن التورُّط، في أعمال عنف طائفية ضد السنة من سكان بغداد. وتحتاج حكومة المالكي وقوى الائتلاف الشيعي إلى التوافق والاتفاق مع جماعة الصدر، وإلى تبييض صفحة هذه الجماعة، وإظهارها على أنها غير متورِّطة، أو ما عادت متورِّطة، في أعمال العنف الطائفي ضد السنة من سكان بغداد، حتى يصبح ممكنا تحقيق هدفين: إنهاء الوجود القتالي المباشِر للجنود الأميركيين في العاصمة، فيصبحون أقل عرضة لضربات رجال المقاومة، وجعل أمن بغداد من مهمات قوى عسكرية وأمنية عراقية رسمية خاضعة عمليا لنفوذ الائتلاف الشيعي الذي له اليد الطولى في حكومة المالكي.
وبدعوى الإسراع في تدريب وإعداد الجيش العراقي ستُرْسِل إدارة الرئيس بوش مزيدا من الجنود الأميركيين (المؤقتين) إلى العراق. وسيطرأ تغيير على طبيعة المهمة القتالية والعسكرية للجيش الأميركي في العراق؛ ولكن بما يسمح بالحدِّ كثيرا من الخسائر البشرية التي يتكبدها هذا الجيش. وليس من سبيل إلى ذلك سوى إعادة نشر الجنود الأميركيين بما يجعلهم أقل عرضة لضربات رجال المقاومة.
أمَّا إذا اقترنت زيادة أمن الجنود الأميركيين بمزيد من التراجع في أمن العراقيين، وتحوَّلت بغداد ومناطق عراقية أخرى إلى مسرح لحرب أهلية بين الشيعة والسنة، تَجْتَذِب إليها قوى إقليمية، فقد يحاول إعلاميو المحافظين الجدد إظهار هذا الوضع على أنه نجاح لإدارة الرئيس بوش في جعل "الإرهابيين" في العراق يستنفدون قواهم ومواردهم في حروب طائفية داخلية، ففي البدء كان الادعاء أنَّ الولايات المتحدة قد نجحت، بغزوها للعراق، في استجماع "الإرهابيين" فيه حتى تقتلهم واحدا واحدا، وتكفي مواطنيها شر مقاتلتهم في سواحلها ومدنها.
أمَّا وقد عجزت عن إبادتهم إبادة جماعية من خلال محاربتهم مباشَرة في العراق فلا بأس في أن تعيد نشر جيشها فيه؛ ولكن في طريقة تُوْقِع "الإرهابيين" في فخِّ حرب أهلية طائفية، يستنزفون فيها قواهم وقدراتهم.
وفي مناخ كهذا، يصبح في مقدور إدارة الرئيس بوش أن ترضي، ولو قليلا مواطنيها، فعدد القتلى من جنودها قلَّ كثيرا، وقد شرعت تعيد قسم منهم إلى الوطن، مبقية على قسم آخر في مناطق آمنة كمثل المناطق الكردية في شمال العراق.
وجنبا إلى جنب مع إعادة الانتشار تلك، وتقليل الخسائر البشرية الأميركية، وخفض عدد الجنود الأميركيين في العراق المثخن بجراح الحرب الأهلية الطائفية المُجْتَذِبة إليها قوى إقليمية، تقوم الولايات المتحدة بتعزيز وجودها العسكري (البحري في المقام الأول) في منطقة الخليج، فوزير دفاعها الجديد غيتس أعلن صراحة أن بلاده ستبقى هنا (أي في الخليج العربي) طويلا، وأنها ستتَّخِذ من الإجراءات والتدابير العسكرية الجديدة (إرسال مزيد من حاملات الطائرات) ما يجعلها متأكِّدة تماما أنَّ الجيران قد فهموا أن الوجود العسكري الأميركي في الخليج سيكون طويل الأجل.
وهذا إنما يعني أن الولايات المتحدة ستُدْخِل من التغيير على استراتيجيتها ووجودها العسكري في المنطقة ما يسمح لها باللجوء إلى الخيار العسكري؛ ولكن بوسائل وأساليب تقيها شر التورط في قتال مباشِر مع أعدائها، فـ "الحرب عن بُعْد" تظلُّ خيرا وأبقى. جواد البشيتي