مصائر العراق وفلسطين ولبنان إلى أين؟

بقلم: فيصل جلول

لم يعد سرا القول أن تصاعد حدة المجابهات المفتوحة في العراق وفلسطين ولبنان هي من أثر تقرير بيكر ـ هاملتون الذي ينطوي على إقرار أمريكي بفشل "المهمة" في العراق وفي الشرق الأوسط ويقترح خارطة طريق للخروج الأمريكي من جحيم هذه المنطقة عبر الحوار والتعاون مع سوريا وإيران.
لا يبالغ التقرير في وصف علاقة البلدين بالمجابهات المفتوحة في محور التوتر الثلاثي المذكور. فطهران تتمتع بنفوذ كاسح في العراق يشمل المتعاونين مع الاحتلال وبعض المناهضين له في الآن معا ناهيك عن توفير الملجأ لمئات الآلاف من العراقيين المهجرين والمهاجرين. ويمكن لدمشق أن تتمتع هي الأخرى بتأثير على المتعاونين مع الاحتلال بعد استئناف علاقاتها الدبلوماسية مع العراق يضاف إلى نفوذها المؤكد لدى قسم كبير من منظمات المقاومة العراقية.وهي تتفوق على إيران بكونها بلدا عربيا لا يجلب التعاون معه تهمة التعاطي مع الأجنبي لذا تزور شخصيات عراقية دمشق بوتيرة متسارعة منذ بعض الوقت ما يذكر إلى حد ما بتقاطر المسؤولين اللبنانيين إلى العاصمة السورية خلال حقبة الوصاية. أما منظمات المقاومة العراقية المسلحة فان بعضها يستفيد بلا شك من الفرص اللوجستية التي تتيحها الحدود السورية العراقية الطويلة.
وفي فلسطين يبدو جليا دور المحور الإيراني ـ السوري في دعم المقاومة المسلحة. لكن هنا أيضا تتقدم أفضلية الدور السوري العربي على إيران ناهيك عن كون سوريا طرفا مركزيا في الصراع مع إسرائيل ويكفي أن نتخيل مصير الدور الإيراني لو أن دمشق ملتزمة باتفاقية صلح مع إسرائيل على غرار الاتفاقية الأردنية أو المصرية.
وأخيرا يحتفظ المحور نفسه بنفوذ كبير في لبنان بل ربما الأهم في المنطقة خصوصا بعد أن شهد هذا البلد لتوه هزيمة إسرائيلية ربما هي الاعمق في تاريخ الصراع العربي ـ الإسرائيلي وهنا أيضا تتفوق سوريا على إيران بكونها ليس فقط البلد العربي الوحيد المحاذي للبنان وإنما بشراكتها الأكيدة في انتصار المقاومة بعد أن وفرت لها أسباب القوة خلال عهد الوصاية وحمت ظهرها من النزاعات الأهلية اللبنانية وأتاحت لها فرص التسلح والإعداد دون عقبات تذكر. وهنا أيضا لنا أن نتخيل هيأة لبنان لو كانت الحال في سوريا شبيهة بالحال في كل من الأردن ومصر ولنا أن نتخيل في السياق وقع الصيحات المدوية التي تطلقها أحزاب المعارضة اللبنانية من أجل إسقاط النظام السوري على المتضررين من هذا النظام في إسرائيل والولايات المتحدة وأوروبا.
والراجح أن أفضلية الموقع السوري على نظيره الإيراني في المجابهات العراقية واللبنانية والفلسطينية أوحت لبعض المسؤولين الإسرائيليين خلال حرب لبنان وبعدها بالحديث عن خيار فصل سوريا عن إيران ولبعض المسؤولين في أمريكا وأوروبا بالحديث عن الخيار نفسه ويبدو أن محاولات إغراء دمشق مازالت مستمرة في هذا الاتجاه دون نجاح يذكر ذلك أن القيادة السورية تدرك أن التفريط بورقة العلاقات مع إيران في ظل الظروف العربية والإقليمية الراهنة وفي ظل العروض الضئيلة هو ضرب من الجنون ما يعني أن المحور الإيراني ـ السوري مرشح لتلقي المزيد من العروض ولتحقيق المزيد من التقدم في ظل الانكفاء الأمريكي المعلن في العراق وربما من بعد في أفغانستان وقد لا يكون من قبيل المبالغة القول أن هذا المحور يمكن أن يلعب دورا ضامنا للاستقرار في المنطقة إذا ما حصل على المكافآت المناسبة والتي قد تكون هذه الأيام موضع مساومات ومفاوضات خارج الأضواء.
بالانتظار يبدو أن المجابهات الدائرة في شوارع بيروت وبغداد وغزة تتجه نحو إعادة ترتيب موازين القوى بين المراهنين على نتائج الحرب الأمريكية على العراق والحرب الإسرائيلية على لبنان. ففي بغداد نشاهد بوادر اصطفاف محدود بين السنة والشيعة أخذ يثير حفيظة الأكراد خصوصا انه ينطوي على إغلاق ملف الصراع مع "البعثيين" وعلى إعادة نظر جدية بالدستور الفدرالي العراقي وخطط توزيع الثروة النفطية الأمر الذي يشكل كابوسا حقيقيا للأكراد وهاهم ينهضون لمواجهته. وفي غزة نشهد بوادر تآكل للحصار من شأنه أن يزود حكومة حماس بنفحات من الأوكسيجين هي بأمس الحاجة إليها في حين يرغب محمود عباس بتثمير الضائقة الشعبية الفلسطينية الناجمة عن الحصار وترجمتها قبل فوات الأوان في انتخابات تشريعية ورئاسية مبكرة. وفي بيروت تعترض الموالاة على محاولة إقصائها في ساحة الشهداء باستنفار مذهبي غير مسبوق يبدو مهولا في أبعاده الإعلامية لكنه يظل محدود المخاطر في ظل صمود الجيش اللبناني وجهوده الناجحة في إقفال نوافذ الفتنة في كل مرة تفتح هنا أو هناك وفي ظل انضباط المعارضة واحترامها لقواعد اللعبة الديموقراطية التي جاءت بالفريق الحاكم العام الماضي.
توحي هذه المجابهات أن حروبا أهلية مرشحة للاندلاع في فلسطين والعراق ولبنان أو أن هذه الحروب اندلعت فعلا وهذا الإيحاء ليس مجردا من الوقائع المؤيدة بيد أن النظر إلى بوادر الوجهة الجديدة في العراق يتيح القول أن الخارطة السياسية في البلدان الثلاثة قابلة لتعديلات متناسبة مع نتائج الحرب العراقية والحرب الاسرائيلية شرط أن تدرك الأطراف المستفيدة من هزيمة واشنطن وتل ابيب أن هذه الهزيمة تشبه فعلا هزيمة السويس عام 1956 كما لا حظ زبغنيو بريجنسكي لكن مع فارق أساسي يتمثل بغياب الاتحاد السوفييتي وبقاء علاقات القوى بين الغرب ودول العالم الثالث على حالها تقريبا. فيصل جلول